الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السحاب ريقه الغوادي ونزل على كل خباء، وفصّل عنه بأنباء، ولم يسلم على حفاظه ومحاسنه على ألفاظه؛ بل قبل فيه، وأظهر ما يخفيه، على أنه ما أضاع وتوقى أفاويق «1» الرضاع.
قال ابن خلكان «2» ، هو من رمادة الكوفة، ونزل إلى بغذاد، وحاور شيبان للتأديب فيها فنسب إليها، وكان من الأئمة الأعلام في فنونه، وهي اللغة والشعر والذي قصّر به عند العامة أنه كان مشتهرا بشرب النبيذ، وأخذ عنه جماعة كبار، كالإمام أحمد بن حنبل، وأبي عبيد القاسم بن سلّام، ويعقوب بين السكيت. وقال في حقه: عاش مئة وثماني عشرة سنة، وكان يكتب بيده إلى أن مات، وكان قد قرأ دواوين الشعراء على المفضل «3» ، وكان الغالب عليه النوادر وحفظ الغريب، وأراجيز العرب. قال ولده عمر: ولما جمع أبي أشعار العرب ودوّنها كانت نيّفا وثمانين قبيلة، وكان كلّما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفا، وجعله في مسجد الكوفة، حتى كتب نيفا وثمانين مصحفا بخطّه.
ومنهم:
4- سعيد بن أوس بن ثابت بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن نوليّة بن كعب ابن الخزرج
«13»
الأنصاري اللغوي البصري أبو زيد، حسبه محض، ولبنه لا يحتاج إلى
مخض «1» ، باقي طراز الحسب المذهّب، والنسب الذي يرغب إليه ويرهب. لم تنس أيامه الأول ولا إقدامه أمام الدول، هذا القديم عليا، وعميم سابقه لا يدرك بالأعيا. نشرت أيامها أجنحة نورها، وحدّقت على الليالي وراء سورها، وبرّزت عقايل شموسها تتبرج في لجبها، وتوشّع «2» حلل النهار بذهبها، والزمان كلّه نوائب ويشرق، والضحى لجنبه جامد وذوائب، فبلغ من المجد قصاراه، ونال جلّ ما سمعه ورواه.
قال ابن خلكان: كان من أئمة الأدب، وغلبت عليه اللغة والنوادر والغريب وكان يقوّي رأي القدر، وكان ثقة في روايته.
قال المازني: رأيت الأصمعي وقد جاء إلى حلقة أبي زيد فقبّل رأسه، وجلس بين يديه، وقال: أنت سيّدنا ورئيسنا منذ خمسين سنة.
وقال أبو زيد: حدّثني خلف الأحمر، قال: أتيت الكوفة، لأكتب عنهم الشعر، فبخلوا عليّ به، فكنت أعطيهم المنحول وآخذ الصحيح، ثم مرضت فقلت لهم: ويلكم أنا تائب إلى الله هذا الشعر لي، فلم يقبلوا منّي، فبقي منسوبا إلى العرب. وحكى بعضهم أنه كان في حلقة شعبة بن الحجاج فضجر من إملاء الحديث، فرمى بطرفه فرأى أبا زيد الأنصاري في أخريات الناس فقال: يا أبا زيد: [البسيط]
استعجمت دارميّ ما تكلّمنا
…
والدار لو كلّمتنا ذات أخبار
إليّ يا أبا زيد، فجاءه فجعلا يتحدثان ويتناشدان الأشعار، فقال له بعض أصحاب الحديث: يا أبا سطام، نقطع إليك ظهور الإبل لنسمع منك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتدعنا وتقبل على الأشعار؟ قال: فغضب شعبة غضبا شديدا، ثم قال: يا هؤلاء، أنا أعلم بالأصلح لي، أنا والله الذي لا إله إلا هو في هذا أسلم مني في ذاك، وقارب المئة، ومات بالبصرة سنة خمس عشرة، وقيل أربع عشرة، وقيل ست عشرة ومئتين «3» .