الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكيف يضيّق ماء عن حجيج
…
وسحب نداك غيث ذو انبعاق
سلمت على الأنام ولي خصوصا
…
وحاطك رافع السّبع الطّباق
ومنهم:
33- أبو نزار الحسن بن أبي الحسن ملك النحاة
«13»
النحوي. وشيخ الأوشاخ «1» وصبيّ العقل وقد شاخ. طلع من القدر، وطبع من المقدر.
وأيّ منه نوع وحي حيوان. عجيب لا يدخل عقله في حدّ، ولا يحصى جهله بعد. لو عجب أحد عليه، ونادى هلمّوا إليه لأتي الناس إليه إتيان الحجيج، ولم يسمع ما حوله من الضجيج، ورأوا عجبا ما رأوا مثله، ولا جاء نظير مثله. وكان له قطّ، له معه أسمار، وأحاديث يتحاكاها السمّار. وسيأتي من خبره وخبر قطّه العجب العجاب ويعرف به غدر القطاط إذا هرّت على الكلاب، إلى غير هذا من قلّة عقله وكثرة جهله، وسوء حركاته وفعله. وما لا ينكر من حاله ولا يتعجب من محاله. فشكرا لقبر أزاح معاينه، وأراح معاتبه. فلقد جبر القبر ذلك القبر المنهاض «2» ، وغطّى التراب ذلك الذي ما رمي في المرحاض؛ لكن التراب لم يوار سوءته، ولا أذهب هفوته. فعجبا لدود أكله كيف ما قاه! ولقبر حلّ فيه كيف ما كره بقاه! فجوزيت تلك العظام النخرة، وتلك النفس المفارقة لتلك الجيفة القذرة.
وقال فيه العماد الكاتب: أحد الفضلاء المبرزين؛ بل واحدهم فضلا، وماجدهم نبلا،
وكبيرهم قدرا، ورحيبهم صدرا. قد غلبت عليه سمة ملك النحاة، وشهدت بفضله ألسن خلّانه، والعداة. سمح البديهة في المقاصد النبيهة. كثير الأبيّة «1» عن المطامع الدنيّة بالمطالب النزيهة، والمراتب الوجيهة. ولقد كانت تحاببه تحبيبة للنحاة بضاعة وافية، وبراعة براعته للكفاة كافية. يأخذ القلم فيمشق الطرس في عرضه نظما يعجز، ونثرا يعجب ونكتا ترقص ونتفا تطرب. طرق بلاد العجم، ولقي كرما [في] كرمان، ووصل إلى أصبهان. وكان مطبوعا مناسب الأحوال والأعمال. تحكم على أهل التمييز بحكم ملكه، فيقبل ولا يستثقل.
يقول: هل سيبويه إلا من رعيتي وحاشيتي، ولو عاش ابن جني لم يسعه إلا حمل غاشيتي «2» ، مرّ الشيمة، حلو الشتيمة. يضمّ يده من الذهب على المئة والمئتين، ويمشي منها وهو صفر اليدين. مولع باستعمال الحلاوات السكريه. وإهدائها لجيرانه وإخوانه، مغرى بإحسانه إلى خلصائه وخلّانه. وقد ناهز الثمانين، ولقي العرانين «3» . وجرّب الغثّ والسمين، وقد وصلت إليه خلعة مصرية وجائزة سنيّة، فأخرج القميص الدّبيقي «4» إلى السوق فبلغ دون عشرة دنانير.
فقال: قولوا هذا قميص ملك كبير، أهداه لملك كبير؛ ليعلم الناس قدره فخلّوا عليه البدر على البدار «5» ، وليحلوا قدره في الأقدار، ثم قال: أنا أحقّ به إذا جهلوا حقّه، وتنكّبوا سبل الواجب وطرقه.
قال العماد الكاتب: كتب إلي لمّا أخذت المدرسة بدمشق: أنا أهنئ تلك المدرسة
بخصائص فلان، فإنها زالت عنها ظلمة الجهل إلى نور الفضل، وأنا بمشيئته وحسن توفيقه على عزم المسير إلى زيارته يوم الثلاثاء. [الخفيف]
فارتقب أيّها العماد حضوري
…
وانتظر أن أزور يوم الثّلاثا
وارض بالعالم الوليّ ودع
…
حبل المعالي يا ذا العلا أنكاثا «1»
والجانب الغربي، معتد لي بهذه، إلى أن أحضر؛ لأخدم فضله.
قال: وكتب إليّ أبياتا ومعها رقعة إلى نور الدين فيها: [السريع]
قولوا لنور الدّين يا مالكا
…
إنعامه قام إلى النّاس
لا تنسني يا ذا العلا والنّهى
…
حاشاك أن توسم بالياس «2»
أو حشني الدّهر وأنباؤه
…
فاختر لك الخير بإيناسي
والرقعة أولها شكرت اهتمام فلان وسعيه، واعتذرت إليه من التصديع، ولكن نيّته وفضله يحثانه على احترام الفضل؛ فليس لغيره، وقد أثّرت فيّ الشيخوخة والكبر، ولولا ذلك لقصدت خدمته، وقد قال الأول: وما بقي في المستمتع إلا لساني وكفاني لسان.
والأبيات: [السريع]
قل لعماد الدّين يا كاتبا
…
يفزع من أقلامه (الصابي)«3»
وشاعرا الفاظه عذبة
…
إن كان لفظ الغير كالصّاب «4»
ويا فقيها راميا خصمه
…
في الحفل إن جاثى بأوصاب «5»
قد كنت قبل اليوم أشعرتني
…
بأن نور الدين أوصى بي
فأوصل المكتوب لي واستعض
…
من فرط إجداب وإخصاب
وكتب إليّ: [السريع]
قل لعماد الدّين وهو الّذي
…
يمتّ بالفقه وبالشّعر
وإنّه يخجل إنشاؤه
…
الصابئي ذا المجد والفخر
لا تنس حقّ العالم الأوجد ال
…
ناجح بالنظم وبالنّثر
فإنني مثن على فضل
…
ك الباهر في سرّ وفي جهر
ألا فاسعد وابق ما رجّعت
…
صادحة في وضح الفجر
وكتب إليّ وقد طلب منّي السكّر فأبطأ عليه: [السريع]
قل لعماد الدين عنّي إذا
…
رأيته في بهرة الحفل
ضننت بالسكّر يا من له
…
سنّة فرض الفعل والنفل
فاستدرك الفارط «1» واسلم إذا
…
ما صدحت ورقاء في أثل «2»
قال: ومكتوباته إليّ كثيرة؛ وإنّما أوردت هذه اللّمعة ليستدلّ بها على مذاهبه، ومآربه ورغائبه وغرائبه «3» . وقد ذكره ابن المستوفي، وفيما قال: إنه ولد ببغداد سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وقرأ العلوم، وسمع من الشريف أبي طالب الزيتي، وقرأ علم المذهب على الشيخ أحمد الأسنهي، وقرأ علم أصول الدين على أبي عبد الله المغربي القيرواني، وقرأ أصول الفقه على ابن برهان، وقرأ علم الخلاف على أسعد المهيني. وقرأ النحو على الفصيح الاسترابادي وقرأ الفصحى على عبد القاهر الجرجاني وفتح له الجامع، ودرّس فيه، ثم سافر إلى بلاد خراسان وكرمان وغزنة، ثم دخل إلى الشام، ثم قدم دمشق وخرج منها ثم عاد إليها واستوطنها إلى أن مات بها. وذكر مصنفاته في النحو والعروض والفقه على مذهب الشافعي والأصول. وذكر أن له ديوان شعر، ومنه في المديح الشريف النبوي، زاده الله شرفا، قوله:
[البسيط]
لله أخلاق مطبوع على كرم
…
ومن به تشرف العلياء والكرم
أغرّ أملح يسمو عن مساجلة
…
إذا تذوكرت الأخلاق والشّيم
سمت علاك رسول الله فارتفعت
…
عن أن يشير إلى آياتها قلم
يامن رأى الملأ الأعلى فراعهم
…
بالعزّ وهو على الكونين يحتكم
يا من له دانت الدّنيا وزخرفت (م)
…
الأخرى ومن بعلاه يفخر النّسم «1»
يا من به عاد وجه الأرض متّضحا
…
من بعد أن ظوهرت بالباطل الظلم
ومن تواضع جبريل الأمين له
…
ودون حقّ نهاه هذه القسم
علوت عن كلّ مدح يستعاض فما
…
الجلال الذي تنحوه والعظم
على علاك سلام الله متّصلا
…
ما شئت والصّلوات العزّ تبتسم
ومنه قوله: [السريع]
أراجع لي عيشي الفارط
…
أم هو عنّي نازح شاحط
ألا وهل يسعفني أو به
…
يسمو بها نجم المنى الهابط
أرفل في فرط ارتياح وهل
…
يطرق سمعي هذه واسط
يا زمني عدلي فقد رعتني
…
حتّى عراني شيبي الواخط «2»
لم أقطع البيداء في ليلة
…
يقنص ظلّي خوفها الباسط
أأرقب الراحة أم لا، وهل
…
يعدل يوما دهري القاسط
أيا ذوي ودّي أما اشتقتم
…
إلى إمام حاله رابط
وهل عهودي عند كفم غضّة
…
أم أنا في ظنّي إذن عابط «3»
ليهنكم ما عشتم واسط
…
إني لكم يا سادتي غابط
وحكى فتيان الشاغوري ما معناه: أن ملك النحاة كان له سنّور يألفه ويقوم به. فدأبه يطعمه ويعلفه، ويغلق عليه الأبواب خوف نفاره، ويمسح عليه بيده. لا يخاف حدّ نابه
وأظفاره. فبينما هو يوما يمر عليه بيده، ويريد أنسه وتودّده، وإذا به قد عضّه عضة زلزلت قوى الشيخ الفاضل وأنسته جميع الفضائل. فربطها بمنديل عظيم وتصدّى للعواد، وأضحك عليه حتى لم يبق مع أحد فؤاد. فقال فيه قيان:[المتقارب]
عتبت على قطّ ملك النّحاة
…
وقلت أتيت بغير الصّواب
عضضت يدا خلقت للنّدى
…
وبثّ العلوم وضرب الرّقاب
فأعرض عني وقال اتّئد
…
أليس القطاط أعادي الكلاب
فلما بلغته الأبيات غضب حتى دارت أمّ راسه، وسلّت من قحفه خيوط العلم بأمراسه؛ إلا أنه لم يدر من رماه بداهيتها الدهيا وتركه لا يبصر في ليلته العميا. فانقطعت عنه حياء أن يقع على ظنّه العروف ويعلم فيها ما بشم من نفسه المعروف. وكتبت إليه شعرا أعتذر فيه وتبيينه على أنه قد يقدر في قول سفيه فكتبت إليه:[الخفيف]
يا خليليّ نلتما النّعماء
…
وتنّسمتما العلا والعلاء
ألمما بالشّغور بالمسجد المعمو
…
رواستمطرا به الأنواء
وامنحا صاحبي الذي فيه منّي
…
كلّ يوم تحية وثناء
ثمّ قولا له اعتبر بالذي فه
…
ت به مادحا فكان سماء
وقبلنا فيه اعتذارك عمّا
…
قاله الجاهلون عنك افتراء
وكان هذا الفاضل بحمقه وخروجه عن طرقه مضغة «1» لكل ماضغ، وشغلا لكل فارغ.
يجرّب فيه كلّ أحد سيفه الكهام «2» ، ويجر إليه جيش حربه اللهّام.
وفيه يقول ابن منير: [المجتث]
يا نحاة الزموا الشكك «3»
…
ثم حلّوا عن التكك «4»
واكشفوا عن فقاحكم «1»
…
قد أتت لحية الملك
لحية سرم «2» سيبويه
…
عليها قد انتهك «3»
وحكي أن ملك النحاة كان يكثر ذكر مصر، ويؤمل حلولها، ويودّ أن يطلّ دمه ويروي طلولها. وكان بها رجل اسمه زيد صديقا لعرقلة الدمشقي فولي بها الحسبة «4» واستغرر في متاجرها كسبه، وأتت الأخبار بروايته وحصوله على أكثر من كفايته. فداخل ملك النحاة له الحسد. وقال: لو أتيت مصر لكسد.
فقال عرقلة: [مخلع البسيط]
قد جنّ شيخي أبو نزار
…
يذكر مصر وأين مصر
والله لو حلّها لقالوا
…
فقاه «5» يا زيد فهو عمرو
ووقف يوما عرقلة على حلقته وقد كبّر العمامة، وطوّل أكمامه ونفش سباله وفتل من شواربه الطوال حباله. وأخذ في ذكر علم النحو، وقد شمخ يماريه الاحتيال به والزهو.
فطلب عرقلة رجلا من الحلقة، فلما أتي جذبه على أنه يسرّ إليه في مقال، ثم رفع صوته وقال:[مجزوء الرّجز]
قل لابن صافي الحمل
…
سارق علم الجمل
صدعت بالنّحو الورى
…
ارحم عيال الدؤلي «6»
توفي يوم الثلاثاء، تاسع شوّال سنة ثمان وستين وخمسمئة.