المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌3- أبو عثمان الجاحظ - مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - جـ ٧

[ابن فضل الله العمري]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء السابع]

- ‌مقدمة

- ‌[أهل اللغة بالجانب الشرقي]

- ‌1- النضر بن شميل

- ‌2- أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي

- ‌3- إسحاق بن مرّار الشيباني

- ‌4- سعيد بن أوس بن ثابت بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن نوليّة بن كعب ابن الخزرج

- ‌5- عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع بن مطهّر بن رباح بن عمرو بن عبد شمس الباهلي أبو سعيد الأصمعي البصري

- ‌6-[أبو] عبيد القاسم بن سلام الأنصاري

- ‌ 7- أبو عبد الله محمد بن زياد

- ‌8- أبو يوسف يعقوب بن السكّيت

- ‌9- سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الجشمي السجستاني

- ‌10- أبو الفضل العباس الفرج الرياشي النحوي اللغوي البصري

- ‌11- أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدّينوري

- ‌12- أبو بكر بن دريد

- ‌13- إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى بن محمد بن سليمان القالي

- ‌14- أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر

- ‌15- أبو عمر محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم البغدادي

- ‌16- أبو علي الحسين بن محمد بن خالويه

- ‌17- أبو محمد يوسف بن أبي سعيد بن الحسين بن عبد الله بن المرزبان السيرافي

- ‌18- أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب الرازي اللغوي، أبو الحسين، نزيل همذان

- ‌19- أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري

- ‌20- أبو علي الحاتمي

- ‌21- جنادة بن محمد اللغوي الأزدي الهروي

- ‌22- أحمد بن محمد بن أبي عبيد العبدي الهروي الفاشاني

- ‌23- أبو القاسمي عبد الله، وقيل عبد الكافي بن محمد بن ناقيا

- ‌24- أبو زكرياء يحيى بن علي بن محمد بن الحسن بن بسطام الشيباني الخطيب

- ‌25- أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الميداني النيسابوري

- ‌26- أبو منصور موهوب بن أبي طاهر أحمد بن الخضر الجواليقي

- ‌27- سعيد بن المبارك بن علي الأنصاري أبو محمد المعروف بابن الدهان

- ‌[أهل اللغة من الجانب الغربي]

- ‌1- أبو بكر اللؤلؤي القيرواني

- ‌2- أحمد بن أبان بن سيّد اللغوي

- ‌3- تمام بن غالب بن عمر اللغوي

- ‌4- علي بن أحمد وقيل ابن إسماعيل أبو الحسن ابن سيدة

- ‌5- علي بن جعفر بن علي السعدي الصقلّي اللغوي الكاتب المعروف بابن القطّاع

- ‌6- أبو عبد الله محمد بن الصايغ القرشي

- ‌[أهل اللغة في مصر]

- ‌1- جمال الدين بن المكرّم

- ‌2- محمد بن إبراهيم النجادي البجلي

- ‌أهل [علم النحو]

- ‌1- أبو الأسود الدؤلي

- ‌2- عبد الله بن أبي اسحاق الحضرمي

- ‌3- أبو عمرو عيسى بن عمر الثقفي

- ‌4- عبد الحميد بن عبد المجيد أبو خطاب الأخفش الكبير

- ‌5- الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي

- ‌6- يونس بن حبيب النحوي، أبو عبد الرحمن

- ‌7- عمرو بن عثمان بن قنبر أبو بشر [سيبويه]

- ‌8- أبو فيد مؤرّج بن عمرو بن الحارث السّدوسي

- ‌9- قطرب أبو علي محمد بن المستنير

- ‌10- أبو زكرياء يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسلمي الديلمي الفرّاء

- ‌11- سعيد بن مسعدة المجاشعي

- ‌12- صالح بن إسحاق الجرمي

- ‌13- بكر بن محمد بن عثمان

- ‌14- المبرد أبو العبّاس محمد بن يزيد بن مالك بن الحارث الثّمالي

- ‌15- أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار

- ‌16- سليمان بن محمد بن أحمد النحوي البغدادي أبو موس الحامض

- ‌17- أبو عبد الله محمد بن العباس بن محمد اليزيدي

- ‌19- أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل

- ‌20- إبراهيم بن السريّ بن سهل الزجّاج

- ‌21- إبراهيم بن محمد بن عرفة

- ‌22- أبو بكر ابن القاسم بن محمد بن بشار الأنباري

- ‌23- عبد الله بن جعفر بن درستويه

- ‌24- الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي

- ‌25- الحسن بن أحمد بن عبد الغفار

- ‌26- أبو الحسن علي بن عيسى بن عبد الله الرمّاني

- ‌27- محمد بن الحسين بن محمد بن عبد الوارث الفارسي

- ‌28- أبو منصور عبد الملك بن أحمد بن إسماعيل الثعالبي

- ‌29- أبو الفتح عثمان بن جني

- ‌30- أبو الحسن علي بن أحمد بن علي بن متّويه الواحدي

- ‌31- الشريف الشجري

- ‌33- أبو نزار الحسن بن أبي الحسن ملك النحاة

- ‌34- البحراني

- ‌35- محمد بن الحسين الجفني البغدادي

- ‌36- أبو حفص الضرير

- ‌37- ابن الأرملة

- ‌38- أبو الحرم

- ‌39- أبو عبد لله الحلي النحوي

- ‌40- أبو المبارك ابن أبي طالب

- ‌41- زيد بن الحسين بن زيد بن الحسن بن سعيد الكندي

- ‌42- ابن الشحنة الموصلي

- ‌43- أبو زكريا يحيى بن سعيد بن المبارك

- ‌44- أبو البقاء، يعيش بن علي بن يعيش

- ‌45- أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الدّولي

- ‌46- ابن عدلان

- ‌47- أبو بكر ابن محمد بن إبراهيم عزّ الدين الإربلي النحوي

- ‌48- ابن مالك

- ‌49- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح ابن الفضل البعلي

- ‌50- أحمد بن سباع بن ضياء الفزاري

- ‌51- كمال الدين عبد الوهاب بن محمد ابن ذؤيب الشهبي الشافعي

- ‌52- الضياء العجمي

- ‌53- علي بن داود

- ‌[علماء النحو بالمغرب]

- ‌1- عبد الله بن محمود المكفوف النحوي القيرواني

- ‌2- إبراهيم بن عثمان أبو القاسم ابن الوزّان القيرواني

- ‌3- أبو بكر محمد بن عبد الله مذحج

- ‌4- محمد بن جعفر

- ‌5- أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن السيد بن مغلّس الأندلسي البلنسي

- ‌6- إبراهيم بن محمد بن زكريا

- ‌7- أحمد بن عمار بن أبي العباس المهدوي

- ‌8- إسماعيل بن خلف بن سعد بن عمران الأنصاري

- ‌9- أبو الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى

- ‌10- عبد الله بن محمد ابن السّيد البطليوسي

- ‌11- محمد بن الحسن بن سعيد الأستاذ

- ‌12- عبد الله بن عيسى بن عبد الله بن أحمد بن أبي حبيب الاندلسي

- ‌13- أبو موسى عيسى بن عبد العزيز بن يللبخت بن عيسى الجزولي

- ‌14- علي بن محمد بن عبد الله

- ‌15- أبو القاسم المغربي

- ‌16- يحيى المالقي

- ‌17- زين الدين المالقي

- ‌18- البياسي

- ‌19- الصهاجي

- ‌20- محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل السلمي الأندلسي النحوي

- ‌21- حافي رأسه

- ‌22- علي بن إبراهيم التّجاني البجلي

- ‌23- أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن حبّان النّفزي

- ‌[علماء النحو بمصر]

- ‌1- أبو جعفر النحّاس

- ‌2- طاهر بن أحمد بن بابشاذ

- ‌3- ابن برّي

- ‌4- بهاء الدين ابن النحاس

- ‌[أرباب المعاني والبيان]

- ‌1- ابن المعتز

- ‌2- قدامة بن جعفر

- ‌3- أبو عثمان الجاحظ

- ‌4- أبو محمد عبد الله بن سعيد بن محمد بن سنان الخفاجي

- ‌5- عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني

- ‌6- أبو الحسن الزمخشري

- ‌7- السكّاكي

- ‌8- ابن أبي الإصبع

- ‌فهرس التراجم

- ‌فهرس مصادر ومراجع التحقيق

الفصل: ‌3- أبو عثمان الجاحظ

فإن وزن الحصا فوزنت قومي

وجدت حصاة ضربتهم رزينا

قال: السامع إذا فهم أن الشاعر أراد المفاخرة برزانة الحصا، وعرف وعرف القافية والروي علم آخر البيت.

ومنهم:

‌3- أبو عثمان الجاحظ

«13»

واسمه عمرو بن بحر بن محبوب. بحر البيان الدافق ولسان الإحسان الناطق. المتكلم في كل شيّ، المقدّم في بابه على كل ميت وحيّ، الذي أدخله أرباب كل علم فيهم، وأطلعه أهل كلّ فهم قمرا في دياجيهم، الحكيم المطلق، والعميم المعرفة في اللغة بكل ما به ينطق.

الناقل لما يصدق، والنافل لما يحقق، والمملي لكل ما يعلق، والمولي من متن البيان ما لا يخلق. كأنما تصانيفه للأفهام مفاتيح أقفال، وفي دجا الأوهام مصابيح تشب لقفال. وله في البيان والتبيين أوضح النهار إذ يبين.

عجّل إلى الفضائل فما راث، وسبق الأوائل بلا اكتراث. مرّ على المجرّة فورد شطوطها، وكرّ على النيرة فمحا خطوطها. وهجم على الفضائل وأتاها منبتا وأخذها مصبحا ومثبتا؛ فملأ جوانح الغمام أوارا، وصاغ البدر التمام تاجا والهلال سوارا، بنبوغ حطّم به الجوزاء فكسر غرسها، وصاد طيور الفراقد ووزع ريشها؛ هذا إلى توسع في كل فن، وتحقيق لكل ظنّ بخاطر.

طالما قرع الفولاذ، وتهادى تهادي العروس في الملاذ. وكان لا يزال ليله مبصرا، وسيله لا ينثني مقصرا. ولم يبق علم لم ينظر فيه نظر المتبصر، ويجتهد له اجتهاد من لم يقصر؛ فلم يسأل عن شيء إلا كان به أدرى، ولم يبق طائفة أحق به من الأخرى. وقال فيه القاضي

ص: 353

الفاضل رحمه الله، وقد ذكره وما منّا إلّا من دخل داره، وشنّ على كلامه الغارة، وخرج وعلى كتفه منه الكارة.

قلت: أخذ عن أبي عبيدة والأصمعي، وأبي زيد الأنصاري، وأخذ النحو عن الأخفش، وكان صديقه. وأخذ الكلام عن النظّام، وتلقف الفصاحة من العرب شفاها بالمربد.

حدّث أبو هفان قال: لم أر قطّ ولا سمعت أحبّ إلى الجاحظ من الكتب والعلوم؛ فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلّا ليستوفي في قراءته كائنا ما كان؛ حتى إنه كان يكتري دكاكين الورّاقين ويبيت فيها. والفتح بن خاقان كان يحضر لمجالسة المتوكل، فإذا أراد القيام لحاجة أخرج كتابا من خفّه أو كمّه إلى حين عوده من الخلاء لمجالسة المتوكل، فإذا أراد القيام لحاجة قضى شغله.

وكان واسع العلم بالكلام، كثير التبحر فيه، شديد الضبط لحدوده، ومن أعلم الناس به وبغيره من علوم الدين والدنيا. وله كتب مشهورة جليلة في نصرة الدين، وفي حكاية مذاهب المخالفين والأخلاق والآداب، وفي ضروب الهزل والجدّ؛ وقد قرأها الناس وتداولوها وعرفوا فضلها. وإذا تدبّر العاقل المميّز كتبه علم أنه ليس في تلقيح العقول وشحذ الأذهان، ومعرفة أصول الكلام وجواهره، وإيصال خلاف الإسلام، ومذاهب الاعتزال إلى القلوب كتب تشبهها والجاحظ عظيم القدر في المعتزلة وغير المعتزلة.

قال الجاحظ: لمّا مسخ الله الإنسان قردا وخنزيرا وترك فيه شبها من الإنسان. ولما مسخ الله زماننا لم يترك فيه شبها من الزمان.

وقال الجاحظ: ليس جهد البلاء مدّ الاعناق وانتظار وقع السيف؛ لأنّ الوقت قصير والحس مغمور، ولكن جهد البلاء أن تظهر الخلّة وتطول المدّة، وتعجز للحيلة، ثم لا تعدم صديقا مؤنبا وابن عمّ شامتا وجارا حاسدا ووليّا ينتهرك.

وقال: إذا سمعت الرجل يقول: ما ترك الأول للأخير شيئا فاعلم ما يريد أن يفلح.

وقيل: إن الجاحظ خدم في ديوان الرسائل أيام المأمون ثلاثة أيام، ثم استعفى فأعفي.

ص: 354

حدّث أبو العيناء، قال: كان لي صديق فجاءني يوما فقال لي: أريد الخروج إلى فلان العامل، وأحببت أن تكون معي إليه وسؤاله، وقد سألت من صديقه؟ فقيل لي: أبو عثمان الجاحظ، وهو صديقك، وأحببت أن تأخذ لي منه إليه كتابا بالعناية. قال: فصرت إلى الجاحظ فقلت له: جئتك مسلّما وقاضيا للحق، ولي حاجة لبعض أصدقائي، وهي كذا وكذا. قال: لا تشغلنا الساعة عن المحادثة وتعرف أخبارنا إذا كان في غد وجهت إليك بالكتاب، فقلت لولدي: هذا الكتاب لفلان ففيه حاجته. فقال لي: إنّ أبا عثمان بعيد الغور، فينبغي أن نقصّه وننظر ما فيه، ففعلت، فإذا في الكتاب: هذا كتابي مع من لا أعرفه، وقد كلمني فيه من لا أوجب حقّه، فإن قضيت حاجته لم أحمدك وإن رددته لم أذممك. فلما قرأت الكتاب مضيت إلى الجاحظ من فوري، فقال: يا أبا عبد الله قد علمت أنك أنكرت ما في الكتاب، فقلت: أو ليس موضع نكره، فقال: لا، هذه علامة بيني وبينه فيمن اعتنى به. فقلت: لا إله إلّا الله، ما رأيت أحدا أعلم بطبعك، ولا ما جبلت عليه من هذا الرجل، علمت أنه لمّا قرأ الكتاب قال: أمّ الجاحظ عشرة آلاف قحبة، وأم من يثبت له حاجة. فقلت له: ما هذا؟ أتشتم صديقنا؟ فقال: هذه علامتي فيمن أشكره، فضحك الجاحظ، وحدّث بذلك الفتح بن خاقان، وحدّث الفتح المتوكل، فذلك كان سبب اتصالي به، وإحضاري مجلسه.

ومن كلام الجاحظ: احذر من تأمن فإنك حذر على من تخاف. وقال: أجمع الناس على أربع. أنه ليس في الدنيا أثقل من أعمى، ولا أبغض من أعور، ولا أخفّ روحا من أحدب، ولا أقود من أجدب.

قال: أربعة أشياء ممسوخة، النيك في الماء، والقبلة على النقات «1» والغناء من وراء الستار «2» .

ص: 355

وحدّث الجاحظ مرّة بحضرة السدوي، وكيف قال، لأنها تأخذ الدراهم وتمتّع بالناس والطيب، وتختار على عينها من تريد، والتوبة معروضة لها متى شاءت فقال: وكيف عقل العجوز؟ قال: هي أحمق الناس وأقلّهم عقلا.

وقال أبو سعيد السيرافي: حدثنا من الصابئين كتّاب، أن ثابت بن قرّة، قال: ما أحسد هذه الأمة العربية إلا على ثلاثة أنفس؛ فإنه: [الكامل المرفل]

عقم النّساء فلا يلدن شبيههم

إن النّساء بمثلهم عقم

فقيل له: احص لنا هؤلاء الثلاثة: فقال: عمر بن الخطاب في سياسته وتقضيته وحدوده، وبحفظه ودينه وجزالته ونزالته وصرامته وشهامته، وقيامه في صغير أمره وكبيره بنفسه؛ مع قريحة صافية وعقل وافر، ولسان عضب وقلب شديد، وطوية مأمونة، وعزيمة مأمومة وصدر منشرح، وبال منفسح وبديهة نصوح، وروية لفوح، وسرّ طاهر وتوقيف حاضر، ورأي مصيب وأمر عجيب، وشأن غريب. دعم الدين وشيّد بنيانه، وأحكم أساسه ورفع أركانه، وأوضح حجته وأنار برهانه. ملك في زيّ مسكين. ما جنح في أمر ولا نوى، ولا غضّ طرفه على خنا. ظهارته كالبطانة، وبطانته كالظهارة. جرح وواسى، ولان وقسا، ومنع وأعطى، واستجدى وسطا. كل ذلك في الله ولله. ولقد كان من نوادر الزمان.

قال: والثاني، الحسن ابن أبي الحسن البصري؛ فلقد كان من دراري النجوم علما وتقوى وزهدا، ورعوى وعفّة، ورقة وتألّها وتنزها وفقها ومعرفة وفصاحة، ونصاحة. مواعظه تصل إلى القلوب، وألفاظه تلبس العقول. ما أعرف له ثانيا ولا قريبا ولا متدانيا. كان منظره وفق مخبره، وعلانيته في وزن سريرته. عاش سبعين سنة لم يعرف لمقاله سبقا، ولم يزلّ بريبة ولا فحشا. سليم الدين نقيّ الأديم، محروس الحريم يجمع مجلسه ضروب الناس وأصنافهم لما يوسعهم من بنانه، ويفيض عليهم بإحسانه. هذا يأخذ عنه الحديث وهذا يلقن منه التأويل، وهذا يسمع الحلال والحرام، وهذا يتبع من كلام العربية، وهذا يجوّد له المقالة، وهذا يحكي الفتيا، وهذا يتعلم الحكم والقضاء وهو في جميع هذا كالبحر الفجاج تدفقا، وكالسراج

ص: 356

الوهّاج تألقا. ولا ننسى مواقفه ومشاهده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الأمراء وأشباه الأمراء بالكلام الفصل، واللفظ الجزل والصدر الرحيب والوجه الصلب، واللسان العضب كالحجاج، وفلان وفلان مع سادة الدين وبهجة العلم. لا تثنيه لائمة في الله، ولا تذهله رابعة عن الله يجلس تحت كرسيّه قتادة صاحب التفسير وعمرو وواصل صاحب الكلام، وابن أبي اسحاق صاحب النحو، وفرقد السخي صاحب الرقائق، وأشباه هؤلاء ونظراؤهم. فمن ذا مثله ومن يجري مجراه؟.

والثالث، أبو عثمان الجاحظ، خطيب المسلمين وشيخ المتكلمين، ومدرة المتقدمين والمتأخّرين. إن تكلم حكى سحبان «1» في البلاغة، وإن ناظر سارع النظّام في الجدال، وإن جدّ خرج في ليل عامر بن عبد قيس، وإن هزل زاد على مريد حبيب القلوب ومزاح الأرواح.

وشيخ الآداب ولسان العرب. كتبه رياض زاهرة، ورسائله أفنان مثمرة. ما نازعه منازع إلّا رشأه أبقى ولا تعرّض له منقوص إلّا قدّم له التواضع واستبقى. الخلفاء تعرفه والأمراء تصفه والكبراء تنادمه، والعلماء تأخذ عنه، والخاصة تسلّم عليه والعامة تحبّه.

جمع بين اللسان والقلم، وبين الفطنة والعلم وبين الرأي والأدب، وبين النثر والنظم، وبين الذكاء والفهم. طال عمره وفشت حكمته، وظهرت حيلته، ووطئ الرجال عقبه، وتهادوا أدبه، وافتخروا بالانتساب إليه، ونجحوا بالاقتداء بما أوتي من الحكمة وفصل الخطاب.

قال صاحب بغية الألباء: هذا قول ثابت. وهو رجل صابئيّ، لا يرى للإسلام حرمة، ولا للمسلمين حقّا، لا يوجب لأحد منهم ذماما، وقد انتقد هذا الانتقاد ونظر هذا النظر، وحكم بهذا الحكم، وأبصر الحق بعين لا غشاوة عليها من الهوى، ونفس لا لطخ بها من التقليد، وعقل ما يحيل عليه بالعصبية. ولسنا نجهل مع ذلك فضل هؤلاء الثلاثة من السلف الطاهر والخلف الصالح ولكن عجبنا فضل عجب من رجل ليس منّا، ولا من أهل

ص: 357

ملتنا ولغتنا، ولعلّه ما خبر عمر بن الخطاب كلّ الخبرة، ولا استوعب كلامه الحسن من المنقبة، ولا وقف على ما لجميع أبي عثمان من البيان والحكمة بقوله هذا القول، ويتعجب هذا التعجب ويحسد هذه الأمة بهم هذا الحسد، ويختم كلامه بأبي عثمان ويصفه بما يأتي الطاعن عليه أن يكون له شيء منه، ويغضب إذا ادّعى ذلك له، أو وقر عليه هل هذا إلّا الجهل الذي يرجم المثل به.

قيل لأبي هفّان: لم لم تهج الجاحظ؟ هدر دمك وأخذ بمخنقك. فقال: أمثلي يخدع عن عقله؟ والله لو وضع رسالة في أريبة أفعى لما أمست إلّا في الصين. ولو قلت فيه ألف بيت لما ظن منها بيت في ألف سنة. قال المبرّد: سمعت الجاحظ يقول: كل عشق يسمى حبّا وليس كل حبّ يسمى عشقا؛ لأن العشق اسم لما فضل من المحبّة، كما أن الشرف اسم لما جاوز الجود. والبخل اسم لما نقص عن الاقتصاد. والجبن اسم لما فضل عن شدّة الاحتراس.

والهرج اسم لما فضل عن الشجاعة.

وقال أبو الفضل ابن العميد: ثلاثة علوم، الناس كلهم عيال فيها على ثلاثة أنفس، الفقه فعلى أبي حنيفة؛ لأنّه دوّن وخلد، وجعل من يتكلم به بعده مشيرا إليه ومخبرا عنه، والكلام فعل أبي الهذيل، والفصاحة واللّسن فعل أبي عثمان الجاحظ.

وحدّت يموت بن المزرع عن خاله الجاحظ، قال: يحبّ للرجل أن يكون سخيّا لا يبلغ التبذّير، شجاعا لا يبلغ الهرج، متحرسا لا يبلغ الجبن، حبيّا لا يبلغ العجز، ماضيا لا بيلغ الفجه، قؤولا لا يبلغ الهذر، صموتا لا يبلغ العيّ، حليما لا يبلغ الذلّ، منتصرا لا يبلغ الذلّ، وقورا لا يبلغ البلاد، نافذا لا يبلغ الطيش. ثم وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمع ذلك في كلمة واحدة، وهي: خير الأمور أوساطها؛ فعلمنا أنه صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم، وعلم فصل الخطاب.

وقال أبو زيد البلخي: ما أحسن ما قال الجاحظ: عقل المنشئ مشغول وعقل المتصفح فارغ.

وحدّث المبرّد، قال: دخلت على الجاحظ في آخر أيامه، فقلت: كيف أنت؟ فقال:

ص: 358

كيف يكون من نصفه مفلوج، لو حزّ بالمنشار ما شعر به، ونصفه الآخر منقرس، لو طار الذباب بقربه لآلمه. وأشدّ من ذلك نيف وتسعون ثم انشدنا «1» :[الوافر]

أترجو أن تكون وأنت شيخ

كما قد كنت أيّام الشّباب

لقد كذبتك نفسك ليس ثوب

دريس كالجديد من الثّياب «2»

وحدّث أبو محمد الحسن بن عمر الجرمي، قال: كنت بالاندلس، فقيل لي: إن هاهنا تلميذا لأبي عثمان الجاحظ، يعرف بسلام بن يزيد، فأتيته، فرأيت شيخا هرما، فسألته عن سبب اجتماعه بأبي عثمان، ولم يقع أبو عثمان إلى الأندلس، فقال: كان طالب العلم بالمشرق يتشرّف عند ملوكنا بلقاء أبي عثمان فوقع إلينا شيء من كتبه، فخرجت لأعرّج على شيء؛ حتى قصدت بغداد، فسألت عنه، فقيل لي بالبصرة. فانحدرت إليه، وسألت عن منزله فأرشدت إليه ودخلت إليه؛ فإذا هو جالس وحواليه عشرون صبيا، ليس فيهم ذو لحية غيره فدهشت، فقلت: أيّكم أبو عثمان؟ فرفع يده وحرّكها في وجهي، وقال: من أين؟ قلت: من الأندلس. فقال: طينة حمقاء. فما الاسم؟ قلت: سلام. قال: اسم كلب القرّاد. ابن من؟ قلت: ابن يزيد. قال: بحق ما صرت. أبو من؟ قلت: أبو خلف. قال: كنية قرد زبيدة. ما جئت تطلب؟ قلت: العلم. قال: ارجع بوقت فإنك لا تفلح. قلت: ما أنصفتني فقد اشتملت على خصال أربع، جفاء البلدية، وبعد الشقّة، وغرّة الحداثة ودهشة الداخل. قال: فترى حولي عشرين صبيا ليس فيهم ذو لحية غيري ما كان يجب أن تعرفني بها. قال: فأقمت عليه عشرين سنة.

وقال أبو العيناء: أنشدني الجاحظ لنفسه: [الوافر]

يطيب العيش أن تلقى حكيما

غذاه العلم والرأي المصيب

فيكشف عنك حيرة كلّ ريب

وفضل العلم يعرفه الأريب

ص: 359

سقام الحرص ليس له شفاء

وداء البخل ليس له طبيب «1»

وكان الجاحظ يقول: إن تهيأ لك في الشاعر أن تبرّه وترضيه، وإلّا فاقتله.

وقال ميمون بن هارون: قلت للجاحظ: ألك بالبصرة ضيعة؟ فتبسم وقال: إنما أنا وجارية، وجارية تخدمها، وخادم وحمار. أهديت كتاب الحيوان إلى محمد بن عبد الملك، فأعطاني خمسة آلاف دينار. وأهديت كتاب البيان والتبيين إلى أبي دؤاد «2» فأعطاني خمسة آلاف دينار، وأهديت كتاب الزرع إلى إبراهيم بن العبّاس الصولي فأعطاني خمسة آلاف دينار، فانصرفت إلى البصرة، ومعي ضيعة لا تحتاج إلى تجديد ولا تسميد.

وكتاب البيان والتبيين نسختان، أولى وثانية، والثانية أصح وأجود. وله من المصنّفات زيادة على مئة وعشرين مصنّفا. وتوفي الجاحظ سنة خمس وخمسين ومئتين. وقد جاوز التسعين. وكان يتعين تقديمه على ابن المعتز وقدامة؛ وانما ذكرناهما قبله لا عتنائهما بعلم البديع، وتصنيفهما أبوابه، فوصلنا تراجمهما بتفريعهما للفن، واختراج أقسامه استطرادا.

وذكره أبو القاسم الراغب في كتاب المحاضرات، في كثرة آيات الأنبياء وقلّتها. قال: قال العلماء: إنما كثر وكبر إعلام موسى؛ لأن علمه كان مع غباوة بني إسرائيل، ونقصان أحلام القبط.

قال الجاحظ: ومتى أردت معرفة ذلك فانظر إلى بقاياهم، هل لهم حكمة أو مثل أو شعر؟

ثم انظر إلى أولادهم مع طول لبثهم معنا، هل تغيّر بذلك أخلاقهم وشمائلهم وأحلامهم وآدابهم وفطنهم؟ ثم من غباوتهم ما حكى الله تعالى عنهم حيث قالوا: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ «3»

، وكقولهم: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً «4»

، وكقولهم: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ

ص: 360

فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ «1»

. وآياتهم انقطعت بموتهم، وعرفها من بعدهم بأخبار سلفهم، وجعل من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأشرك فيه الخلف والسلف، وجعله باقيا على مرور الأيام وبعد الأحوال.

وقال أبو عثمان لغائب عليه كتب عيب الكتاب: ونعم الذخر والعقدة، ونعم النشرة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس ساعة الوحدة والمعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل والوزير والتنزيل. والكتاب وعاء ملئ علما وظرف حشي ظرفا، وإناء سخّن مزاجا وجدّا؛ إن شئت كان أبين من سحبان وائل، وإن شئت كان أعيا من باقل، وإن شئت ضحكت من نوادره، وعجبت من غرائب فوائده. وإن شئت سختك مواعظه. ومن لك بواعظ مله، وببارد حار؟ ومن لك بطبيب أعرابي، وبرومي وهندي وبفارسي يوناني، وتقديم مولد ممتّع وبشيء يجمع لك الأول والآخر، والناقص والوافر، والشاهد والغائب والحسن وضدّه؟ وبعد، فمتى رأيت بستانا يحمل في ردن، وروضة في قلب؟ ينطق عن الموتى ويترجم كلام الأحياء. ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك، ولا ينطق إلّا بما تهوى؟ آمن من أرض وأكتم للسر من صاحب السرّ، واضبط بحفظ الوديعة من أرباب الوديعة، وأحفظ لما استحفظ من الأميّين، ومن الأعراب للمعربين؛ بل من الصبيان قبل اعتراض الاشتغال حين العناية تامة لم تنتقص، والأذهان فارغة لم تقتسم، والإرادات وافرة لم تتشعب، والطينة ليّنة؛ فهي أقبل ما يكون للطابع، والقضيب رطب فهو أقرب ما يكون من العلوق، حين هذه الخصائل لم يلبس جديدها، ولم تتفرق قواها كانت كقول الشاعر:[الطويل]

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى

فصادف قلبا خاليا فتمكّنا

وقال ذو الرمة لعيسى بن عمر: اكتب شعري، فالكتاب أعجب إليّ من الحفظ؛ لأن الأعرابي ينسى الكلمة، قد تعب في طلبها يوما أو ليلة فيضع موضعها كلمة في وزنها لم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى، ولا يبدّل كلاما بكلام وعيب الكتاب. ولا أعلم جارا

ص: 361

أبرّ، ولا خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، أقل صلفا وتكلفا، ولا أكفّ عن قتال وشغب ومراء من كتاب. ولا أعلم شجرة أطول عمرا ولا أجمع أمرا، ولا أطيب ثمرة ولا أقرب مجتنى، ولا أسرع إدراكا، ولا أوجد في كل أوان من كتاب. ولا أعلم نتاجا في حداثة سنّه وقرب ميلاده، وحضور ذهنه، وإمكان موجوده. يجمع من التدابير العجيبة والعلوم العربية، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأذهان اللطيفة، ومن الأخبار عن القرون الماضية والبلاد المترامية، والأمثال السائرة، والأمم البادية مما يجمع الكتاب. والكتاب مع خفّة نقله وصغر حجمه صامت ما أسكتّه، وينبغ ما استنطقته، ومن لك بمسامر لا يبتديك في حال شغلك، ولا يدعك في أوقات نشاطك، ولا يحوجك إلى التجمل له، والتذمم فيه. ومن لك بزائر، إن شئت جعلت زيارته غبّا، وورده خمسا. وإن شئت لزمك لزوم ظلك، وكان منك مكان بعضك. والكتاب هو الجليس الذي لا يضرّ بك، والصديق الذي لا يغذيك، والرفيق الذي لا يملّك، والمستميح الذي لا يستزيدك، والجار الذي لا يستبطيك والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، ولا يعاملك بالمكر والخديعة، ولا يخدعك بالنفاق والكذب.

والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك وشحذ طباعك، وبسط لسانك وجوّد بيانك، وفخّم ألفاظك ونجّح نفسك وعمّر صدرك ومنحك تعظيم العوام وصداقة الملوك.

وعرفت به في شهر مالا تعرفه في دهر من أفواه الرجال مع السلامة من الغرم، ومن كدّ الطلب ومن الوقوف بباب المكتسب بالتعليم. وبالجلوس بين يدي من أنت أفضل منه خلقا، وأكرم منه عرقا، ومع السلامة من مجالسة البغضاء ومقارنة الأغبياء. وهو الذي يطيعك بالليل طاعته لك بالنهار، وفي السفر طاعته لك في الحضر. ولا يعتلّ بنوم ولا يغترّ به كلال الشهر. وهو المعلم الذي إن افتقرت إليه لم يحقرك، وإن قطعت عنه عدوك لم ينقلب عليك. ومتى كنت متعلقا به بسبب، ومعتصما منه بأدنى حبل لم يضطرك معه وحشة الوحدة إلى جليس السوء، لو لم يكن من فضله عليك وإحسانه إلا منعه لك من الجلوس على بابك، والنظر إلى المارّة منعما في ذلك من التعرض للحقوق التي تلزم، ومن فضول

ص: 362

النظر، ومن عادة الخوض، ومن ملابسة صغار الناس وحضور ألفاظهم الرديّه الساقطة ومعانيهم الفاسدة، وأخلاقهم السيئة وجهالتهم المذمومة لكان في ذلك السلامة. ولو لم يكن في ذلك إلّا أنه يشغلك عن سخف البيت وعن اعتياد الراحة لقد كان في ذلك على صاحبه أسبغ النعمة وأعظم المنّة.

وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: قال المهلب لبنيه في وصيته: يا بنيّ لا تقوموا في الأسواق إلا على زاد أو وراق. وقال شيخ: قرئ عليك ما أثر غطفان ذهبت بالمكارم إلّا من الكتب.

وقال غيره: غبرت أربعين سنة ما قلت ولا بتّ ولا اتّكأت إلا والكتاب موضوع على صدري.

وقال ابن الجهم: إذا استحسنت الكتاب، ورجوت منه الفائدة، فلو تراني وأنا ساعة بعد ساعة أنظر كم بقي من ورقة مخافة استفادة وانقطاع المادّة وإن كان الدفتر عظيم الحجيم، وكان الورق كثير العدد. والإنسان لا يعلم حتى يكثر سماعه، ولا بدّ أن تصير كتبه أكثر من سماعه، ولا يجمع حتى يكون الاتفاق عليه ممّا لعدّته. ومن لم يكن نفقته التي تخرج من الكتب ألذّ عنه من إنفاق عساق «1» والمستهزءين بالبنيان لم يبلغ في العلم مبلغا.

وقال إبراهيم بن السندي: وددت أن الزنادقة لم يكونوا حرصا على المعالي بالورق النقي الأبيض، وتخيّر الحبر الأسود والخطّ الجيّد فإنني لم أركورق كتبهم ورقا، ولا لخطوطهم خطّا. وإني غرمت مالا عظيما مع حبّي للمال ونغصي للعزم لأن سخاء النفس بالإنفاق على الكتب دليل على شرف النفس، وعلى السلامة من شكر الآفات.

وقال أبو عمرو بن العلاء: ما دخلت على رجل قطّ، ولا مررت ببابه فرأيته ينظر في دفتر وجليسه فارغ إلا اعتقدت أنه أفضل منه وأعقل.

ص: 363

وأنشد رجل يونس النحوي قوله: [البسيط]

استودع العلم قرطاسا فضيّعه

فبئس مستودع العلم القراطيس

فقال: قاتله الله، فما أشدّ صبابته بالعلم، وأحسن صيانته له. إن عملك من روحك ومالك من بدنك فضعه مكان الروح، ومالك بمكان البدن.

وقال الخليل بن أحمد: لا يصل أحد من علم النحو إلى ما يحتاج إليه حتى يتعلم ما لا يحتاج إليه. قال غيره: فإذا الذي لا يحتاج إليه هو الذي يحتاج إليه إذا لم يوصل إلى ما يحتاج إلّا بما لا يحتاج إليه. وقد قال صلى الله عليه وسلم: قيّدوا العلم بالكتاب. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: بقية عمر الإنسان لا يمنّ لها بدرك ما فاته ويحيي ما أماته، يبدل سيئاته حسنات. وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: إن الله تعالى جعل محاسن الأخلاق وصلة بينه وبين عباده، فيحسب أحدكم أن يتمسك بحبل متصل بالله.

قيل لبعض الكذابين: كيف تحتال للكذب؟ قال: أكذب على الموتى وأستشهد الغيب.

وقيل لبعض الحكماء: متى تقضي له بالصدق؟ قال: إذا صدق فيما يضرّه كما يصدق فيما ينفعه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن يألف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف. وقال صلى الله عليه وسلم: لم يكذب من قال خيرا ونمّى خيرا وأصلح بين الناس.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: من كان كلامه لا يوافق فعله فإنما يوبّخ نفسه وقال الجاحظ في كتاب البيان والتبيين: وقد صحت التجربة وقامت العبرة على أن سقوط جميع الإنسان أصلح في الإبانة عن الحروف منه إذا سقط أكثرها، وخالف أحد شرطيها للآخر، وقد رأينا تصديق ذلك في أفواه قوم شاهدهم الناس.

ص: 364

قال: ومتى وجد اللسان في جميع جهاته شيئا يقرعه ويصكّه، ولم يمرّ في هواء واسع المجال، وكان لسانه يملأ جوف فمه لم يضره سقوط أسنانه إلّا بالمقدار المغتفر. ويؤكده قول صاحب المنطق إن الطائر والسبع والبهيمة كلّما كان لسان الواحد منها أعرض كان أفصح وأجلى لما يلقن، ولما يسمع، نحو الببغاء والغداف وغراب البين. قال: ويدل على أن عظم اللسان نافع لمن سقط جميع أسنانه. قول كعب بن جعيل ليزيد بن معاوية حين أمره بهجاء الأنصار: أرادّني أنت في الكفر بعد الإيمان، ولكني سأدلك على غلام في الحي كأنّ لسانه لسان ثور، يعني الاخطل.

وفي الحديث: إن الله يبغض الرجل تخلّل بلسانه كما تخلل الباقرة الحلا بلسانها.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان: ما بقي من لسانك؟ فأخرج لسانه حتى قرع بطرفه طرف أرنبته، ثم قال: والله لو وضعته على صخر لفلقه، أو على شعر لحلقه وما يسرني به مقول من مغل رائق السمط، ثم قال بعد ذلك: وقد قال بعض جهابذة الألفاظ، ونقاد المعاني القائمة في صدور الناس، المتصورة في أذهانهم، المتلجلجة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم، والجارية على أفكارهم، مستورة خفيّة، محجوبة مكتوبة، موجودة معدومة. ولا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه إلّا بغيره؛ وانما يحيي تلك المعاني استعمالهم لها وإخبارهم عنها؛ فبهذا يقرب من الفهم وينجلي للعقل، ويجعل الخفي ظاهرا والغائب حاضرا. والمجهول معروفا، والوحشي مألوفا. وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة يكون إظهار المعنى. وكلّما كانت الدلالة أوضح وأفصح كانت الإشارة أبين وأنور. والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان الناطق به القرآن. والله جلّ ثناؤه يمدحه ويدعوه إليه ويحث عليه. وتفاخرت العرب وتفاضلت العجم، وهو اسم لما كشف قناع المعنى وهتك الحجاب؛ حتى يفضي السامع إلى حقيقته كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أي جلس كان؛ لأن الغاية التي تجري إليها إنما هو الفهم والإفهام؛ فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت المعنى فذلك هو البيان في ذلك الموضع، ثم اعلم أنّ حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ؛ لأن المعاني مبسوطة إلى غير غاية، ممتدة إلى غير نهاية. وأسماء المعاني مقصورة

ص: 365

معدودة، ومحصلة محدودة. وجميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء، ولا تنقص ولا تزيد. وأولها اللفظ ثم الإشاره ثم العقد ثم الخط ثم النصبة، الحال التي تسمى نصبة. والنصبة هي الحال الدالّة التي تقوم مقام تلك الأصناف، ولا ينقص عن تلك الدلالات. ولكل واحدة من هذه الخمسة صورة بائنة عن صورة صاحبتها، وحلية مخالفة لحلية أختها. وهي التي تكشف عن أعيان المعاني، ثم عن حقائقها في التفسير وأجناسها وأقدارها، وخاصها وعامّها، وطبقاتها في السارّ والضارّ. والبيان نصر والعيّ عمى، كما أن العلم بصر والجهل عمى. والبيان من نتاج العلم، والعيّ من نتاج الجهل.

وقال يونس بن حبيب: ليس لعيّ مروءة، ولا لمنقوص البيان بها. ولو حلّ بنا فوجّه أعنان السماء.

قال: وأما الإشارة باليد وبالرأس وبالعين وبالحاجب وبالمنكب وبالثوب وبالسيف. وقد يتهدّد رافع السوط والسيف، فيكون ذلك زاجرا رادعا، ويكون وعيدا أو تحذيرا. والإشارة واللفظ شريكان، ونعم العون هو له ونعم الترجمان. وما تعذر الإشارة أن تكون ذات حلية موصوفة، وصورة معروفة. وفي الإشارة بالطرف والحاجب وغيرهما من الجوارح موفق كبير، ومعونة حاضرة في أمور يسترها بعض الناس من بعض، ويخفونها من الجليس وغير الجليس.

ولولا الإشارة لم يتناهم الناس ولجهلوا هذا الباب البتّة. وقد قال الشاعر: [الطويل]

أشارت بطرف العين خيفة أهلها

إشارة مذعور ولم تتكلّم

فأيقنت أن الطّرف قد قال مرحبا

وأهلا وسهلا بالحبيب المسلّم

هذا ومبلغ الإشارة أبعد من مبلغ الصوت، والصوت آلة اللفظ، وهو الجوهر الذي يقوم به التقطيع، وبه يوجد التأليف وحسن الإشارة باليد والرأس من تمام حسن البيان باللسان. وقد قال الشاعر:[الطويل]

إذا نحن خفنا الكاشحين فلم نطق

كلاما تكلّمنا بأعيننا سرّا

فنقضي ولم يعلم بنا كلّ حاجة

ولم تظهر الشكوى ولم نهتك السّترا

ص: 366

فأما الخط فمّما ذكر الله فيه لنبيه صلى الله عليه وسلم اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ* «1»

. وأقسم بالكتاب المكنون، فقال:«ن والقلم وما يسطرون* «2» » . والقلم أحد اللسانين، وهو أبقى أثرا، واللسان أكثر هذرا.

وقال عبد الرحمن بن كيسان: استعمال القلم أجدر، وأن يحضّ الذهن على تصحيح الكتاب من استعمال اللسان على تصحيح الكلام. واللسان مقصور على القريب الحاضر، والقلم مطلق في الشاهد والغائب. وهو في الغابر الكائن مثله للقائم الراهن. والكتاب يقرأ بكل لسان، ويدرس في كل زمان؛ واللسان لا يعدو سامعه ولا يتجاوز مواضعه.

وأمّا العقد وهو الحساب دون اللفظ والخط. فالدليل على لفظه والانتفاع به قوله تعالى:

فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ «3»

. وقوله: الرَّحْمنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ* الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ «4»

. وقوله: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ «5»

. وقوله: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ «6»

ولولا معرفة العباد معنى الحساب في الدنيا لما فهموا معنى الحساب في الآخرة. وأما النصبة فهي الحال الناطقة بغير اللفظ، والمشيرة بغير اليد؛ وذلك ظاهر في خلق السماوات والأرض، وفي كل شيء.

ص: 367

وكذلك قال الاول: سل الأرض فقل: من شقّ أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك؟ فإن لم تجبك أجابتك اعتبارا.

وقال صالح بن عبد القدّوس: [الخفيف]

إن يكن لا تطيق رجع جواب

فلقد ما ترى وأنت خطيب

واعظات وما وعدت تقول

مثل وعظ بالصّمت إذا لا تجيب

وقال بعض الحكماء: أشهد أن السماوات والأرض آيات ودلالات وشواهد قائمات، كلّ يؤدي عنك الحجة، ويشهد لك بالربوبية.

وقال خطيب من الخطباء حين قام على سرير الإسكندر وهو ميت: الإسكندر كان أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس.

وقال عنترة وجعل نعيب الغراب خبرا للزّاجر «1» : [الكامل]

خرق الجناح كأنّ لحيي رأسه

جلمان بالأخبار هشّ مولع «2»

وقال أبو الرديني العكلي، وذكر تنسم الذيب الريح، وصدق استراوحه، واستنشائه:[الرجز]

يستخبر الرّيح إذا لم يسمع

بمثل مقراع الصّفا الموقّع

وقال آخر: [البسيط]

إنّ السّماء وإنّ الأرض شاهدة

والله يشهد والأيّام والبلد

وقال الجاحظ: ومتى دلّ الشيء على معنى فقد أخبر عنه، وإن كان صامتا وأشار إليه، وإن كان ساكنا. وهذا القول شائع في جميع اللغات، ومتفق عليه مع إفراط الاختلافات.

وقال نصيب في هذا المعنى يمدح سليمان بن عبد الملك: [الطويل]

ص: 368

أقول لركب قافلين رأيتهم

قفا ذات أو شال ومولاك لاعب

قفوا خبّروني عن سليمان إنّني

لمعروفه من أهل ودّان طالب

فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله

ولو سكنوا أثنت عليك الحقائب «1»

وقال الجاحظ: قال عليّ كرّم الله وجهه: قيمة كل امرئ ما يحسن. فلو لم تقف إلّا على هذه الكلمة لوجدناها كافية شافية، ومجزية مغنية؛ بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية، غير مقصودة عن الغاية. وأحسن الكلام ما كان قليله مغنيا عن كثيره، ومعناه ظاهر في لفظه.

وإذا كان المعنى شريفا، واللفظ تبليغا وكان صحيح الطابع بعيدا من التكلّف صنع في القلوب صنيع الغيث في التربه الكريمة وحينئذ لا يمتنع من تكليفها صدور الجبابرة، ولا يذهب عن فهمها عقول الجهلة. وقال عامر بن عبد القيس: الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان. وقد جمع الباقر صلاح شأن الدنيا بحذافيرها قال: صلاح جميع التغابن والتعاشر ملء مكيال، ثلثاه فطنة وثلثه تغافل.

قال الجاحظ: فلم يجعل لغير الفطنة نصيبا؛ لانّ الإنسان لا يتفاضل إلا عن شيء قد فطن له.

وقيل لا بن عبّاس: أنّى لك هذا العلم؟ قال: قلب عقول ولسان سؤول.

وقيل لمحمد بن علي والد الخليفتين: متى يكون وجود الأدب سرّا من عدمه؟ قال: إذا كثر الأدب ونقصت القريحة. وكان يقول: كفاك من علم الدين أن تعرف ما لا يسع جهله.

وكفاك من علم الأدب أن يروى الشاهد والمثل.

وقال أبو مسلم: سمعت الامام إبراهيم بن محمد يقول: يكفي من حفظ البلاغة ألّا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء إفهام السامع. قال الجاحظ:

وأنا استحسن هذا الكلام جدّا.

ومن كلامه قوله: اللهم إنّا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل. ونعوذ

ص: 369

بك من التكلف لما لا يحسن، كما نعوذ بك من العجب بما يحسن، ونعوذ بك من السلاطة والهذر، كما نعوذ بك من العيّ والحصر.

وقوله أيضا: وذكر الله تعالى جميل بلائه في تعليم البيان، وقال: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ «1»

. ومدح القرآن بالبيان والإفصاح، وبحسن التفصيل والإيضاح وسمّاه فرقانا، كما سمّاه قرآنا.

وقوله: رأيت فلانا ينفض يده منك، وأنت تصادر على وصله، وكفى بالإعراض حاجبا والانقباض طاردا. ومن وقف في الإذن لك فقد حجبك، ومن تنكّر عن حكايتك فقد كذّبك، ومن حظر عنك سرّه فقد اتّهمك، ومن مطلك «2» ولو ساعة فقد حرمك، ومن تمنى فقدك فقد قتلك، ومن صادق عدوّك فقد عاداك، ومن عادى عدوّك فقد والاك، ومن صدقك عن عيبك فقد علّمك، ومن أقبل بحديثه على غيرك فقد طردك، ومن شكر إليك سواك سلّك، ومن سكت عن مديح الناس فقد ثلبك، ومن بلّغك شتمك، ومن استمهلك في الجواب فقد هابك، ومن أجرى ذكرك عند من لا تأمنه عليك فقد اغتابك، ومن نقل إليك فقد نقل عنك، ومن شهد لك بالباطل فقد شهد عليك، ومن وقع لك في أخيك فقد وقع لك فيك، ومن أحبّك لغير شيء فقد أبغضك لغير شيء، ومن أحسن إليك فقد استعان بالأيّام عليك؛ فإن شكرته جازتك عنه، وإن كفرته حاربتك دونه. ومن ألحّ في سؤالك فقد طرق لك إلى حرمانه، ومن أمرك بما لا تطيق فقد أغراك بعصيانه. جعلتك سهمي فيها، وأعطيتك ما أعطيت نفسي منها، فكن شفيقي إلى أذنك حتى تسمعها، ونفيع أذنك إلى قلبك حتى يفهمها، وشفيع إلى نفسك حتى تعمل بها.

ص: 370