الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وحكى لي أن أباه القاضي شرف الدين كان كثيرا ما يقول: يا ليت شعري ما في الأموات عاقل يرجع إلينا ويخبرنا بما جرى لهم. فلما مات جلسنا يوما على قبره، فذكرنا ما كان يقول، فقال رجل من أصحابه كان حاضرا عندنا:
يا قاضي شرف الدين، أنت رجل عاقل وقد صرت من الأموات، فهلا رجعت وخبّرتنا بما جرى لكم؟ وإذا برجلين مارّين على خيل لم يسمعوا كلامنا ولا يعرفهم منّا أحد، وإذا أحدهما يقول للآخر: تريد الصحيح، سلّم إلى الأنبياء تستريح. فقال: هذا والله الجواب، وهذا أيضا من عجائب الاتفاق، وهو من أول شيوخي الذين عليهم قرأت، ومنهم استمرأت، قرأت عليه النحو. ثم كان جلّ استفادتي على قاضي القضاة ابن مسلم رحمهما الله تعالى.
ومنهم:
52- الضياء العجمي
ذو جدّ. عدم الانبساط وعدل على الأقساط، فعكف عليه وعرف ما لديه. ترقّت أسارير مزنته، وصدقت تباشير منّته. فأعاد العلم إلى أحسن حاله، وجاد يخضّب أمحاله. وكان يأبى على الاستعجال بما يعجز على طول المجال؛ فلا يجسر أحد على بحره، ولا يسعه إلى الاستسلام لسحره؛ ولهذا كانت الطلبة تبتدر فوائده بدار الطير إلى طلب أقواتها، وتؤدي إليه الفرائض في أوقاتها. فكان الطالب لا يزال مغترفا من نهره، ولا يغتر بغيره متاعا من دهره؛ إلا أنه عرض له هوى جذبه بأطواقه، وسلبه إلا من أشواقه، إلى بعض أبناء الأمراء بدمشق، فطار هواه بلبّه، وأذكى جواه بقلبه. وكان الصبّي يعرف بابن دمرداش. وكان يعيّر الغزال إذا التفت، ويغيّر الهلال محاسنه إذا اختفت. وكان على هذا الحسن ذا كيس ينتهب الأحشاء ويحدث الانتشاء فآل به حاله في عشقه وتملّكه له، حتى يئس من عتقه إلا أنه سلب عقله، وأهمل غفله، وسافر إلى مصر سفرا ساقه لحينه، وسباه بطول بينه. وكان قد تمّ
مقتله بسيف السلطان لا بالعشق وتسويل الشيطان. كان فقيرا متصوفا بالخانقاه السميساطية. وكان يجلس للإقراء بالكلاشة، ويقرأ عليهم النحو واللغة. وكان أكثر إقرائه في مقدّمة ابن الحاجب، وكان يحبّها. ويثني عليها ويقول: هي نحو ظريف، واستفاد به جماعة. وكان دمث الاخلاق حسن العشرة عشاقا طامح النظرات. وأحبّ في آخر عمره صبيا من أبناء الجند يعرف بابن الدمرداش. وكان له أخ أحسن منه، وكان يخرج إلى سوق الخيل فيقف به ليراه إذا مرّ به في المركب، فقال له شيخنا ابن الزملكاني: يا شيخ ضياء الدين، لأيّ الآتيين أنت عاشق؟ فقال: لغلام، سمّاه.
فقال له ابن الزملكاني: يا شيخ ضياء الدين، فلأي شيء ما عشقت هذا، فاعشق أنت ذاك. فقال له: إذا أذنت لي عشقته. فقال له: أنت ما تحتاج إلى إذن. قال: ولم قال لآذانك طوال؟
وكان يأخذ في يده حزمة من الرياحين، ويطوف بها أكناف المدينة، فإذا رأى مليحا أدنى إليه تلك الرياحين فشمّمه إيّاها، فإذا عتب به أحد من الرجال، وذو اللّحى، وقال له شمّمني قلب الحزمة وضربه بالعروق على أنفه. وقال له رجل يوما بحضوري: أنت لا تزال في عشقة بعد عشقة، فابتدرت منشدا قول القائل:[البسيط]
الحب أولى بي في تصرّفه
…
من أن يغادرني يوما بلا شجن
فصاح صيحة عظيمة، ثم قال: أحسنت. اطّلعت على قلبي، وقلت بلساني، ثمّ خرّ مغشيّا عليه.
وأتى يوما ديوان الإنشاء، ونحن به، وشيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود جالس، ونحن عنده، فلمّا رأى ما به من البلاء، وخروجه حيّز العقلاء أنشده:[الطويل]
يقولون لو دبّرت بالعقل حبّها
…
ولا خير في حبّ يدبّر بالعقل
فصاح صيحة شديدة، وقال: يا مولانا حبّه جنّة، ولم يزل يقولها إلى أن غاب عن صوابه، وسقط إلى الأرض مغشيا عليه، وبقي عامة نهاره ملقى على تلك الحال، ثم زاد به