الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنهم:
2- أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي
«13»
بالولاء، تيم قيس، البصري النحوي العلّامة، وافته كرائم العرب فجدّد إحسانها، وأكدّ أحصانها. هذا ولم ينزل بهدونها «1» ولا قنع بهونها، وإنّما اقتطفها قطف الثمار، وكشفها كشف الخمار. وكان أوسع القوم رواية وأرفعهم راية. وقف مع النقل، وقام فيه بالفرض والنّفل، فأخذ باللغة وترائبها «2» ، وبلغ قصارى مراتبها ثم دوّن غريبها، ودوّر على السنة قريبها. قال الجاحظ في حقه: لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم منه. وقال ابن قتيبة: كان الغريب أغلب عليه وأخبار العرب وأيامها، وكان مع معرفته ربّما لم يقم البيت إذا أنشده حتّى يكسره، وكان يخطئ إذا قرأ القرآن، وكان يبعض العرب، وألّف في مثالبها كتبا، وكان يقوّي رأي الخوارج.
وقال غيره: أقدمه الرشيد من البصرة إلى بغداد سنة ثمان وثمانين ومئة وقرأ عليه وأسند الحديث إلى هشام بن عروة وغيره، وروى عنه ابن المغيرة الأثرم، وأبو عبيد القاسم بن سلّام، والمازني والسجستاني، وعمرو بن شيبة النميري وغيرهم.
وقال أبو عبيدة: أرسل إليّ الفضل بن الربيع إلى البصرة في الخروج إليه، فقدمت عليه، وكنت أخبر عن تجبّره، فأذن لي فدخلت عليه، وهو في مجلس طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه، وفي صدره فرش عالية، لا يرقى عليها إلّا بكرسيّ، وهو قاعد على الفرش، فسلمت عليه بالوزارة، فردّ وضحك إليّ واستدناني حتى جلست مع فرشه، ثم سألني
وبسطني، وتلطّف بي، وقال أنشدني، فأنشدته من عيون أشعار أحفظها، جاهلية. فقال:
قد عرفت أكثر هذه، وأريد من ملح الشعر، فأنشدته فضحك وطرب وزاد بساطا. ثم دخل رجل في زيّ الكاتب، وله هيئة خشنة، فأجلسه إلى جانبي. وقال له: تعرف هذا؟ فقال:
لا، فقال: هو أبو عبيدة، علّامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه، فدعا له الرجل، ثم التفت إليّ، وقال لي: كنت إليك مشتاقا، وقد سألت عن مسألة، أفتأذن لي أن أعرّفك إياها، فقلت: هات، فقال «1» : قال الله تعالى: «طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ «2» »
، وإنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف مثله، وهذا لم يعرف. قال: فقلت: إنّما كلّم الله تعالى العرب على قدر كلامهم، أما سمعت كلام امرئ القيس:[الطويل]
أتقتلني والمشرفيّ مضاجعي
…
ومسنونة زرق كأنياب أغوال «3»
وهم لم يروا الغول قطّ؛ ولكنّه لمّا كان الغول يهولهم أرعدوا به، فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل. وأزمعت من ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن لمثل هذا وأشباهه، ولما يحتاج إليه من علمه. فلمّا رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته (المجاز) ، وسألت عن الرجل فقيل لي هو من كتّاب الوزير وجلسائه.
وقال المازني: سمعت أبا عبيدة يقول: أدخلت على الرشيد فقال لي يا معمر بلغني أنّ عندك كتابا في صفة الخيل، أحبّ أن أسمعه منك، فقال الأصمعي: وما نصنع بالكتب؟
يحضر فرس، ونضع أيدينا على عضو عضو منه، ونسميه ويذكر ما فيه. فقال الرشيد:
يا غلام. فرس. فقام الأصمعي، فجعل يده على عضو عضو منه، ويقول هذا كذا، قال فيه الشاعر كذا، قال فيه الشاعر كذا حتى انقضى قوله. فقال لي الرشيد ما تقول فيما قال؟
قلت: أصاب في بعض وأخطأ في بعض، والذي أصاب فيه متى تعلّمه، والذي أخطأ فيه ما
أدري من أين أتى؟ وزعم الباهلي «1» أن طلبة العلم كانوا إذا أتوا مجلس الأصمعي اشتروا البعر في سوق الدّر، وإذا أتوا مجلس أبي عبيدة اشتروا الدرّ في سوق البعر؛ لأنّ الأصمعي كان حسن الإنشاد والزخرفة، رديء الأخبار والأشعار حتى يحسن عنده القبيح، وإن الفائدة عند ذلك قليلة. وانّ أبا عبيدة كان معه سوء عبارة مع فوائد كثيرة وعلوم جمّة، ولم يكن أبو عبيدة يفسّر الشعر.
قال المبرد: كان أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو، وهما بعده يتقاربان، وكان أبو عبيدة أكمل القوم، وكان ابن المديني يحسن ذكر أبي عبيدة، ويصحّح روايته، ولا يحكي عن العرب الشيء الصحيح، وحمل أبو عبيدة والأصمعي إلى الرشيد للمجالسة، فاختار الأصمعي؛ لأنه كان أصلح للمنادمة وكان أبو نواس يتعلم من أبي عبيدة، وينصفه وينسى الأصمعي ويهجره، فقيل له: ما تقول في الأصمعي؟ فقال: بلبل في قفص. قيل: فما تقول في خلف الأحمر؟ فقال: جمع علوم الناس وفهمها. قيل: فما تقول في أبي عبيدة؟ فقال: ذاك أديم طوي على علم، قال عن تصانيفه تقارب مئتي تصنيف.
وقال أبو عبيدة: لمّا قدمت على الفضل بن الربيع، قال لي: من أشعر الناس؟ قلت:
الراعي «2» . فقال: كيف فضلته على غيره؟ فقلت: لأنه ورد على سعيد بن عبد الرحمن الأموي، فوصل في يومه الذي لقيته فيه، فقال يصف حاله معه؟ [الوافر]
وأنضاء «3» تحنّ إلى سعيد
…
طروقا «4» ثمّ عجّلن ابتكارا
حمدن مناخة وأصبن منه
…
عطاء لم يكن غده ضمارا