الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1- النضر بن شميل
«13»
وأمّا من حفظ ألسنة العرب. وسعى في تحصيل لغاتها واضطرب فأعلام لا تخفى، وسرج لا تطفى. فأمّا من كان منهم بالجانب الشرقي، ممّن غبر منهم وبقي، فمنهم أبو الحسن النضر ابن شميل التميمي المازني النحوي البصري، عالم قلّما بقوته، وعادم نضير لا يسع مناظره إلا خفوته، سلك لغة العرب فذلّل مطاياها، وقلّل بالنسبة إليه عطاياها. ترع الثنايا، وطلع شعاب الأماني قبل المنايا، فأصاب الرمية، وصال في لسان الأمّة، فجمع الغرائب، وجرع في مناهل الرغائب، حتى توفّر قيسمه، وظفر فوق الأسماء اسمه، وأصبح باللغة قيّما، وأبكار الكلم يعرض عليه بكرا وأيّما «1» .
قال ابن خلّكان «2»
: كان عالما بفنون من العلم صدوقا ثقة، صاحب غريب وفقه ومعرفة بأيام العرب، ورواية الحديث، وهو من أصحاب الخليل بن أحمد وذكره أبو عبيدة «3»
، وقال: ضاقت عليه المعيشة بالبصرة فخرج يريد خراسان، يشيّعه من البصرة نحو من ثلاثة آلاف رجل ما فيهم إلّا محدّث أو نحوي، أو لغوي أو عروضي أو أخباري. فلمّا صار بالمربد جلس، فقال: يا أهل البصرة يعزّ عليّ فراقكم، وو الله لو وجدت كل يوم كيلجة «4»
باقلّاء ما فارقتكم، فسلّم فيهم أحدا يتكلّف له ذلك، وسار حتى وصل خراسان فأفاد بها مالا
عظيما، وأقام بمرو، وصحب المأمون «1» ، وحظي عنده فقال المأمون له يوما: حدّثنا هشيم «2» عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز (بفتح سين سداد) .
فأعاد النضر الحديث بكسر السين، فاستوى المأمون جالسا وقال: يا نضر أتلحنني؟ فقال: إنما لحن هشيم، فتبع أمير المؤمنين لفظه. فقال: ما الفرق بينهما؟ فقال: السداد بالفتح في الدّين والسبيل والسّداد بالكسر، البلغة «3» ، وكلّما سدد به شيئا فهو سداد (بالكسرة) .
وأنشد من عمرو العرجي «4» : [الوافر]
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا
…
ليوم كريهة وسداد ثغر
فأمر له المأمون بخمسين ألف درهم.
سمع الحديث، وسمع من هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد وحميد الطويل، وعبيد الله بن عوف، وهشام بن حسان وغيرهم من التابعين. وروى عنه يحيى بن معين، وعلي ابن الديني، وكل من أدركه من أئمة عصره.
ودخل نيسابور غير مرّة، وأقام بها زمانا، وسمع منه أهلها. وله تصانيف كثيرة مفيدة، وتوفي سلخ ذي الحجة سنة أربع ومئتين بمرو، من خراسان وبها ولد، وإنما نشأ بالبصرة فكذلك نسب إليها.