الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنهم:
34- البحراني
«13»
وهو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد بن قائد الخطيب موفق الدين. سبوق لا تردّ له سائرة «1» وسبوح لا تجري معه في دائرة. طلع والشهب في مطالعها، والسحب في مطامعها، والليالي ثغور وكواكبها مقبلة ووجنات الأيام بخضرة أسحارها مبقلة «2» .
فانمحت آية الليل إذ طلع واستقام الزمان، وكان به طلع وسطع نهارا في تلك الدجنات، ونهارا يفوح في أيدي الجنّات، ثم لم يزل عليه عقد الجماعة، وعقد الخواطر للجمّاعة. فلما حمّ له أن يفارق، ويودّع وداع المفارق أبقى ما كنز، ومضى لطيته «3» وقضى بما في طويته «4» .
ذكره ابن المستوفي، قال: بحراني المولد والمنشأ، إربليّ الأصل. نسب أبيه وأهله في عداد الإربيليين الآن. وكان جدّه خطيبا. وسبب مولده بالبحرين، أنّ أباه (يوسف) كان تاجرا، وكان كثير السفر إلى البحرين لجلب اللؤلؤ، فتزوج امرأة من نساية. فحدثني أحمد بن علي بن محمد البحراني الحجازي أنها كانت تدعى الصوفية، فولدت له محمدا هذا، وأقام بالبحرين إلى أن ترعرع، وماتت أمه. وخرج من البحرين فصار إلى إربل، وهو على هيئة الحفاة من العرب.
وكان إماما في علم العربية، مقدّما، مفنّنا في أنواع الشعر معظما، واشتغل بشيء من علوم الأوائل. فحدثني القاضي أبو محمد جعفر بن محمد بن محمود بن هبة الله أنه حلّ
كتاب أو اقليدس على المظفر بن المظفر القارئ الطوسي من رساتيق سوس في مدة ثلاثة أشهر. ورأيته حلّ كتاب الكرة والأسطوانة على نفسه من غير توقف، وأراد حلّ كتاب المجسطي، فحل منه جملة من أوله، ثم رأى أن ثمرة هذا العلم مرّ جناها، وعاقبته مذمومة أولاها وأخراها فنبذه وراء ظهره مجانبا، ونكّب عن ذكره جانبا. وكان حسن الظّنّ بالله واكب علم النحو فبلغ منه الغاية، وجاوز النهاية، وصار فيه آية، ولم يكن أخذه عن إمام قرأه عليه، ولا تناوله من عالم أسنده إليه؛ إنما كان يحل مشكله بنفسه، ويراجع في غامضه صادق حسّه؛ حتى جرى بينه وبين أبي حفص عمر بن محمد بن علي بن أبي نصير الموصلي المعروف بابن الشحنة مناظرة في قوله:[الطويل]
وقد علم الأيقاظ أخفية الكرى
…
يرجّحها من حالك واكتحالها
علاه في جميعها، فلم يكن له قرار إلا أن قال: أنت صحفي.
فلحق بشيخنا أبي الحرم رحمهما الله، وأقام عنده مدة قريبة قرأ عليه أصول أبي بكر محمد بن السري السرّاج، وقرأ عليه كثيرا من الكتاب، ولم يفعل ذلك حاجة به إلى إفهام؛ وإنما أراد أن ينتمي على عادتهم في ذلك إلى إمام. وكان بينهما منافرة، فسمع عمر بن محمد بهذا، وكان شيخنا أبو الحرم كثيرا ما يراجعه في كثير من المسائل المشكلة، ويعاوده في عدّة من المواضيع المعضلة. وكان أبدا يرجع إليه في أجوبة ما يورد عليه.
قال ابن المستوفي: وأخبرني من أثق به أنه سمع عمر بن محمد يعتب عليه في هذه القصيدة أيضا قوله في الخمرة: [الكامل]
وكأنّها وجه ابن مودود إذا
…
ما لاح رونق بشره للمجتدي «1»
فقال: فعل الله بوجهه، وصنع لا يكنى، كيف يشبه وجه ملك بالخمرة؟ وهذا ميل منه عليه؛ وإلا فما زال الشعراء يشبهون الخمرة بالشمس والمصابيح، ويبالغون في صفة نورها،
وهذا معلوم لا يحتاج إلى برهان.
وإذا كان كذلك، فأيّ عيب إذا شبّه الوجه بما يشبه الشمس، وقد شبّه كلّ واحد منهما بها؟
وأكثر الدواعي الموجبة للمعاداة بينهما كون محمد بن عمر كان الولوع بشيخنا، أبي الحرم، شديد التعصب عليه؛ حتى إنه كتب إليه بعض المرات ونقلته من خطّه:[الكامل]
ثكلتك أمّك هبك من نفر الفلا
…
ة أكنت تحظى مرّة بصواب
وكان أبو عبد الله محمد بن يوسف يتتبّع معايبه، ويشيع مثالبه؛ نصرة لشيخنا أبي الحرم، وذبّا عنه؛ لأن شيخنا لم يكن ممن يجيبه على قول يقوله ببنت شفة ولا يردّ عليه.
فحضرت شيخنا رحمه الله بعد أن توفي أبو عبد الله وقد أجري بين يديه ذكره، وأجمع الجماعة كلهم على تفضيله، فقال: كان لي منه العضد الأشدّ والساعد الأسدّ «1» ، أو كلاما هذا معناه، ثم بكى وأنشد:[البسيط]
لو كان يشكى إلى الأموات ما لقي ال
…
أحياء بعدهم من شدّة الكمد
إذا شكوت وأشكاني وساكنه
…
قبر بسنجار أو قبر على قهد
وقد أنشد من شعره جانبا، فمنه قوله:[الطويل]
كلا مدمعينا يا غمامة ساجم
…
ولكنّ قلبينا سليم وسالم
لئن رويت منّي جفون نواهل
…
لقد ظميت مني ضلوع جواثم
ومبتسم عن عقده عقد ثغره
…
سقاني دهاقا والوصال منادم
بكأس يزيل العقل عن مستقرّه
…
يطوف بها منها على الشّرب صارم
فلمّا سرت في كل عرق ومفصل
…
جفاني وقد يجفو الحبيب الملائم
وقوله: [الطويل]
هلمّوا فهذا الجود والحسب الغمر
…
حموم العطايا لا بكيّ ولا نزر
تأملت مرتادا فقلت لصاحبي
…
أبن لي أهذا البحر أم مثله البحر
وقوله منها:
يسرّ أناسا أن يقال به أذى
…
فلا فرحوا أخرى الليالي ولا سرّوا
يودّون بالأهلين لو أنّ دارهم
…
معالمها من ذكره طلل قفر
بواق شجاياه على وعكاته
…
كراما يبقيها على الصدأ الأثر
يزيد القنا عمر النّفاق استقامة
…
ويصفو من الأكدار باللهب النبر
ومنها:
أيوسف إن الفقر ساق مطامعي
…
إليك ولم يظلم بما صنع الفقر
إذا كان عسر المرء ممّا يفيده
…
لقاؤك فليفرح فداك هو اليسر
ثناؤك أحلى في القلوب من المنى
…
وأشهى من الصّهباء خالطها عطر
وما طاب حتى طاب جودك قبله
…
إذا ما زكا نبت الريّاض زكا البشر
أما وجلال الله إنك للّذي
…
به تدفع البلوى ويستنزل القطر
إذا ما عذارى الشّعر كان لقاحها
…
عطاؤك كانت من نتائجها الشّكر
إذا شئت أن أثني عليك تفرّضت
…
غرائب حمد لا يحيط بها الفكر
وأوضح عذري أنّ وصفك معجز
…
ولست بمعتوب إذا وضح العذر
وقوله: [الكامل]
قل للّذي اغبرّت فجاج بلاده
…
بالجدب واسودّت وجوه طلابه
إن تبغ معروف المليك مهنّأ
…
رغدا فشمس الدّين من أسبابه
والبحر لا يسقيك ماء فراته
…
حتى يرقرق في أديم سحابه
وقوله: [الطويل]
ألا لكم البشرى فهذا أوانها
…
ودونكم النّعمى طليقا عنانها
فإن التّقاويم التي مال صفوكم
…
إلى حكمها ضلّ السبيل بنانها
وقالوا قرانات الكواكب تقتضي
…
رياحا ونارا مدلهمّا دخانها
يذيب حصاة البين حرّ شواظها
…
ويخمد أنوار الهدى لمعانها
أباطيل دعوى لا يقوم دليلها
…
وظمآن زور لا يصحّ ضمانها
وهب أنه حقّ فما بالنا نرى
…
نجوم الثريّا لا يضرّ اقترانها
وما بال أطراف القنا وهي أنجم
…
إذا اجتمعت شاد المعالي طعانها
أفي كفّة الميزان فيما علمتم
…
يخاف حلول الظّلم من شفآنها
أهاويل ما زالت تروّع جاهلا
…
بأخبارها حتى تجلّى عنانها
أخوف ورايات ابن أيّوب يوسف
…
يحوطك من ريب الزّمان أمانها
هي الآية الكبرى التي لا جنانها
…
يطيش ولا يعنى بقول لسانها
يمدّ المعالي حلمه وبلاغه
…
فيأنق فيها كعبها وسنانها
ويستغرب الآجال رجع حديثها
…
إذا خاطبتها فالدّجى ترجمانها
أيا مالكا ألقى رحالة جوده
…
بعلياء لا يخفى علينا مكانها
أتاك بأبكار القوافي وليّها
…
وما يتساوى بكرها وعوانها
يؤمّل يسرا منك لا تستفزّه
…
قطوب وكفّ لا يفيض سنانها
فكنت له كفؤا كريما ولم يزل
…
يزفّ إلى الكفء الكريم حسانها
وقوله: [الطويل]
شربنا على ذكر الأمير فلم تزل
…
ندامتنا من طيبه تتأرّج
هو المزن أمّا كفّه فسحابة
…
دفوق وأمّا وجهه فهو أبلج
وقوله في لاعب بالكرة ضرب بعض أطرافه بالصولجان فتألم لذلك: [الكامل]
إن يجن كفّك مرة فلطالما
…
كانت إغاثة كلّ جان محرم
وردت سبيل الدم إلا أنّها
…
لم تخل يوما من نوال أو دم
وقوله: [الخفيف]
لم يخف أنه يفتّت قلبي
…
إنما خيفتي على أسراره
لا يكاد الإناء يحفظ ما اس
…
تودع من أن يضيع بعد انكساره
وقوله في مليح كان أمرد فالتحى ورقم بالعذار خدّه، ثم فشا سواده فانمحى، وكان يعرف بالسهم، ويفعل في القلوب ما يفعل جنباته الوهم:[مخلع البسيط]
قالوا التحى السّهم قلت حصّن
…
نفسك فالآن لا يطيش
لا ينفذ السهم في الرمايا
…
إلا إذا كان فيه ريش
وقوله: [البسيط]
تخفي المدامة سرّي أن أبوح به
…
وربّما كشفت أسرار أقوام
لم يبصر النّاس قبلي في محبّته
…
من يستعين على سرّ بتمّام
وقوله: [المنسرح]
تساهم العاشقون واقتسموا
…
وكنت حظّي فبئس ما اتّفقا
لا بارك الله في الهوى فلقد
…
صيّرني عبرة لمن عشقا
إذا القرينان صحّ ودّهما
…
وافترقا بعده فما افترقا
وقوله: [المنسرح]
وماجد ملء ثوبه كرم
…
مثل أبي حامد إذا انتدبا
إذا اقتعدت الرجاء تطلبه
…
رهوا «1» تلقّاك جوده خببا
وقوله: [البسيط]
يثني عليك بخير من بذلت له
…
فضلا من العيش أو فضلا من النّسب
لا تأمنن من مرجّ أنت مانعه
…
دوما ولو كان ذا قربى وذا نسب
ما زلت أسمع لمّا كنت في حلب
…
أحدوثة عنك تجلو غمّة الأدب
فلم أزل بالأماني كلّ بارقة
…
أنوطها بك والأطماع تأخذ بي
حتى رأيتك بالحدباء فانقطعت
…
تلك الأماني وقرّت سورة «1» الطلب
فالحمد لله إذ لم يأت بي حلبا
…
فقد وقاني من الحرمان والتّعب
وقوله يمدح أتابك مسعود بن مودود، ويذكر إنجاده الملك الناصر بن أيوب على الفرنج:
[الكامل]
وأدرت كأسا للفرنج مديرة
…
حمدت لدائف سمّها المنقوع
عرضت لدين الله تطفئ نوره
…
ناهيك من أمر أتاه شنيع
نصبت عداوتها له فرددتها
…
محفوظة بلوائك المرفوع
كالقوس قرّت في اليدين وصدّعت
…
كبد الرمّي بسهمها المنزوع
ومما أورده من نثر قوله:
لمّا كانت الرسائل- أطال الله بقاء فلان- عنوان السرائر، وترجمان الضمائر ورائد المودّة إلى القلوب، ووصلة الحبل المقضوب؛ وناطقا لا يتجمّم، وبليغا لا يعجم. اكتفى بها المشتاق عن حثّ النياق، واستراحت إليها النجائب «2» عن خوض السباسب «3» . ولقد ورد كتاب فلان مشتملا من كريم، أجابه على ثناء جزيل، وحمد جميل، وفضل عريض طويل، مشحونا بحمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله- صلى الله عليه وسلم فيما منّ به من قمع الفئة الطاغية واستئصال الشجرة الخبيثة الباغية، التي مرقت عن الدين، وجاهرت بعداوة أمير المؤمنين، صلوات الله عليه وعلى آبائه وأسلافه المنتجبين.
وبعد، فإنّ الخادم لم يرم سهما إلى نحورهم إلا وعزم المواقف الشريفة الإمامية الناصرية،
أيّد الله اقتدارها مسدّدة، ولا أشرع سنانا في صدورهم إلا ونصر مورده، ولا حمل سيفا إلى هامهم إلا وتأييده مجرّدة. فما طاش له سهم، ولا ارتعش رمح، ولا فلّ نصل، وفات أعداء العتبة الشريفة، وأعاذ الله بين صريع مقتول وأسير مكبول، وطريد منهزم ومال مقتسم قد أدال الله من طاعنهم، وأمكن من نواصيهم. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وتأييد من المواقف الشريفة، وهمّة من المجلس الفلاني دام سعد الذي قام مقام الجيش العرمرم، وناب مناب كل حسام ولهذم «1» . ففتّ في عضدهم، وقذف الرعب في قلوبهم. ولولا ما منحنا الله به من نصر أمير المؤمنين وآرائه الباقية لكنّا على شفا جرف هار، فالحمد لله الذي وفّقنا لمرضاته، وهدانا إلى أوضح سبيله، وجعلنا ممّن يعمل بنفله وفرضه، ويرضي خليفته في أرضه.
وقوله:
وبلغني بفضل فلان، أنار الله نجم إقباله، وأسبغ عليه ثوب أفضاله وجعله قبلة للمحامد، وكعبة للصادر والوارد، وأوزعني شكر نعمائه، وألهمني نشر ثنائه، وكفاني في مودته مالا أتوقّع، وحرس لي مهجته بعينه التي لا تهجع. فلم يزدني ذلك زيادة على ما أعتقد فيه.
أدام الله نعمته من سحاجة «2» الأخلاق، وطهارة الأعراق؛ وإنما كانت تزيد في هذه التفضلات عقيدة في كرمه وجميل مودّته، لو كنت أتوسم فيهما نقيضه. فأما إذا تيقّنت كما هما، فلا. وأما الشكر فإن شكرت فأهل له، وإن أمسكت فمودة بيننا؛ أكرم من أن يحتاج إلى روابط الشكر.
وبعد، فقد رفّت عليّ من شوارد غرره، وفرائد درره عروس غضّة المعاني، عذبة الألفاظ حلوة الدلال، فاترة اللحاظ. قد بلغت النهاية في الإبداع حتى ملكت الأبصار والأسماع. وقد عوّزها فلان بتواضعه؛ ليصرف عنها عين الكمال، ويتكررها في حلل الجمال.
فأما قوله: [الكامل]
طابت منابته فطاب وداده
…
وزكا فيالك من أخ لك صالح
يوليك إشفاقا ومحض نصيحة
…
فاشدد يديك على الشفيق النّاصح
فبيتان قد بلغا النهاية في الجودة من سلاسة اللفظ وسهولة المأخذ وبيان المعنى، وانتظام العروض، والمقابلة الصحيحة والترديد الرشيق، والتمثيل الناصح، وإن كانت لا تخلو مع ما أتيت فيها من إحسان. ولكن على هذين البيتين وقع اختياري.
وبعد فإنه أتى بالواضح معرّفة بالألف واللام في قافية عروض البيت الأول، ثم أتى بها فكرة في قوله: على سهل الطريقة واضح، وكذلك قوله: الصالح، مع قوله: صالح. وهذا جائز، وليس كل جائز بحسن. فليجتنب؛ فإنه يكاد يكون أبطأ، وليس هذا بردّ؛ إنما هو مطالبة بالأحسن ولله الحمد.
قال ابن المستوفي: وإنما أتيت هذه الرسالة لقلة رسائله وعدمها. وأردت ألا يخلو هذا الكتاب من شيء منها، فأثبتّ بها:
ولست بمعتوب إذا وضح العذر
وأنشدني لنفسه قبل وفاته: [البسيط]
إن الشّباب نذير الموت ثم إذا
…
جاء المشيب فذاك القبر والكفن
ومرض مرض اليأس، وهو السل. وتوفي ليلة الأحد، لثلاث خلون من ربيع الآخر، سنة خمس وثمانين وخمسمئة «1» .