الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأمّا تعريضه له بالصفع، فليته فعل حتى يستوفي ماله عليه، ويترادّ منه في الدنيا والآخرة. وهو أهون عليه من أن يستوفي ذلك منه في حظيرة الجحيم بأنامل من نار. ورأيه العالي في التقاضي والسلام.
ومولد الكندي بكرة نهار الأربعاء، لخمس بقين من شعبان سنة عشرين وخمسمئة وتوفي يوم الاثنين لخمس خلون من شوال سنة ثلاث عشرة وستمئة.
ومنهم:
42- ابن الشحنة الموصلي
«13»
وهو أبو حفص عمر بن محمد بن علي بن أبي نصر. جدّ في اعتنائه، ووجد في اجتنائه.
ماثل الصباح باجتلائه، وقابل القمر الليّاح في اعتلائه. كتب لأخيه، وكبّ إلحاء إلى أضيق نواحيه. فسعدت به أصدقاؤه، وصعدت إذ علا به ارتقاؤه. وجهد في مقتبل عمره، وتلف شبابه في خضره وقطع الليل مواصلا للسهر، وواصلا عاتق العشاء بذيل السحر؛ حتى دعا بالإمامة وعرف بالعلامة، وانتصب للإقراء؛ وإنما نصّب للتمييز لا للإغراء. فلم يحجب عن علياء، ولا مشى على استحياء؛ لفضله البارع وإفضاله المسارع.
ذكره ابن المستوفي، وقال: عالم بالنحو واللغة، أخذ ذلك عن رجال بغداد العلماء، مثل ابن الأنباري وأبي الحسن القصّار، وغيرهما.
وسمع كثيرا من كتبهما، وسمع عليه كتاب إصلاح المنطق. وكان ختم القرآن، وقرأ بمستعمل القراءات «1» وشواذّها. وكان بينه وبين أبي الحرم شحناء عظيمة. كان أبدا يفتري
عليه ويأخذ من عرضه، وشيخنا لا يجيبه عن ذلك؛ لورعه ودينه.
وكان خبيث اللسان سيّئ العقيدة، مقيما على شرب الخمر. يتمثل إذا أخذ منه السكر:
اليوم خمر وغدا أمر. هجّاء لكل من صحبه. لم يحسن أحد إليه إلا وقابله بالإساءة. كثير الاستهزاء بالأمور الدينية، كثير الخلطة لأوباش الناس والشرب معهم. رحل في صحبة أبي إسحاق إبراهيم بن عبد السلام إلى السلطان أبي المظفر يوسف بن أيوب، فمدحه فأحسن صلته. ولمّا وصل إلى الموصل تنكّر له صاحبها أبو الفتح مسعود بن مودود. فلمّا ولي ولده أبو الحرث أرسلان بن مسعود أحسن إليه، وولاه بعض أعماله. وكان يحضر مجلس شرابه، فنقل إليه أنه هجاه فلم يصدّق ذلك لعدم الموجب له. فاتفق أن أمر بإحضاره وسأله عن ذلك، فأنكر، فأمر بضربه بالدّرة، فلما ضرب سقطت ورقة من عمامته، فيها الهجو الذي نقل عنه، فشهره في الموصل بأسرها، وحلق لحيته وحبسه، فأقام مدّة طويلة. وولد له بالحبس ولد وتوفي، كما ذكر المواصلة «1» محبوسا.
قال ابن المستوفي: وحدثني أبو المهنّد سيف بن محمد الزيلعي قال: نزل بي إنسان بدوي، كان حبسه أتابك، أبو الحرث لمّا أسره مع من أسر من العرب في وقعة كانت له عليهم. قال: رأيت في محبس الموصل رجلا فاضلا شاعرا، فسألته عن سبب حبسه، فذكر أنه حبس لهجو بلغ عنه الأتابك. قال: وو الله ما هجوته؛ وإنما قلت قصيدة منها: [البسيط]
أعيذ مجدك من قدم أقول له
…
إني زهير ولكن ليس لي هرم
فحبسني كما ترى.
ومن شعره قوله: [الكامل]
طربا أقول إذا الحمام ترنّما
…
عيش لنا بالأنفقين تصرّما
قصرت مسافته فكان كزائر
…
وافاك في سنة الرّقاد مسلّما
أشكوتنا عدة تعيّن كلّما
…
نهنهت فيض دموعها فاضت دما
فاعص اللوائم في هواك فإنّما
…
رشد المتيم أن يعاصي اللوّما
واشرب على زهر الربيع مدامة
…
كالشمس تبدي المرح فيه أنجما
أو ما ترى نوّاره وكأنه
…
نشوان أصبح باكيا متبسّما
رقد النسيم بجانبيه فنبّهت
…
أنفاسه منه عيونا نوّما
وسرى ينمنم وشيه فحسبته
…
وافى بأخبار الأحبّة نعما
صقلت حواشي روضه فكأنّه
…
من حسنه قد همّ أن يتكلّما
وكأنما ورق الحمام فواقد
…
في الدوح يبكي النائح المترنّما
تشدو فتخبر مغرما عن مغرم
…
فيها ويفصح معرب عن أعجما
بدع كبدع في السما حديثه
…
كالغيث أنجد في البلاد وأتهما
أضحت أغضّ من الصبا وألذّ من
…
شكوى المحبّ إلى حبيب أنعما
ملك له المجد القديم وكلّما
…
قدمت مباني المجد أصبح محكما
متواضع وأقلّ ما يعتدّه
…
فيه التواضع أن يكون معظّما
إن ضاق دهر كان مسرح همّه
…
رحبا وإن عيش الزمان تبسّما
فإذا ارتقى من قلّة من سؤدد
…
هتفت به أخرى لكي يتقدّما
راض الخطوب الجامحات فاصبحت
…
وأعاد منأدّ «1» الزمان مقوّما
وتآلفت فيه القلوب فما ترى
…
منهن إلا منبيا ومعظّما
تتلو الصوارم والقنا غبّ القنا
…
في كفّه مفلولة ومحطّما
في كل أرض قد أقام لنصره
…
عرسا ومن زاد الأعادي مأتما
تلك النواحي من نصيبين غدت
…
غيرى وأم النشر ثكل أيّما
فالجوّ أكلف والجناب لحربه
…
مجل وضوء نهارها قد أظلما
جور الصوارم في البرية عادل
…
فإذا سفكن دما حقنّ به دما
لا يدرك الآمال من يقتاده
…
وسن التعلّل نحو ليت وعلّما
هذا النبي وكان أفضل مرسل
…
زجرت قريش منه طيرا أشأما
حجدت نبوته فقام مجاهدا
…
وأعاد مشركها حنيفا مسلما
قطعوا له الرحم القرينة بينهم
…
عددا وقاطع مثلها أن يرحما
وافى ابن عمك حاسرا من كنزة
…
رأسا فراح من الهوان معمّما
لا قى شكائم شدّة من فارس
…
رجعت به مضمى وكان مضمّما «1»
لا قى الأماني عذبة حتى إذا
…
ما ذاقها عادت أجاجا علقما
نجّاه ما نجىّ أباه وقد رأى
…
طير المنايا من عباده حوّما
متدفّق لولا تمطّره به
…
لرأيته بسنا الأسنّة ملخما «2»
لمّا رأى علميك ولّى معلنا
…
بالويل منه وبالمذلة معلما
سدما تذم له قوائم سابح
…
لو أنها غدرت به لتذمّما
لا يغرينّ به الملام فإنما
…
يلقى المتيّم أن يكون متيّما
ومنها يطلب فرسا:
جد لي بأجرد إن تعرّض خلته
…
سيدا تمطّر في الدّجى فتقحّما
ينمي إلى آل الوجيه ولا حق
…
متلاحق الأقراب ليس بأهضما
مثل الظليم إذا تهادى مدبرا
…
والظبي إن لاقيته متقدّما
متناصب الأذنين تحسب أنه
…
بهما يحاول أن يرى أو يعلما
هرج الصهيل كأنّما ترجيعه
…
ترجيع نشوان غدا مترنّما
ومن آخرها:
قيّدت بالإحسان نطقي أن يرى
…
في غير حمدك معرقا أو مشئما
وحميتني غدر اللئام فإن أعد
…
مرتادهم فغدوت منهم ألأما
فلقد نصبت من الثناء حباله
…
فاصطدت حبّك لي جوادا منعما
وعلمت أن الشكر عندك غرسه
…
يضحي لمن أولاه غرسا مطعما
كن معدما ومن المعالي مقربا
…
من جدّ في العلياء أصبح معدما
واسمع أقامت في جنابك دولة
…
يخشى لها البؤسا ونرجو الأنعما
مدحا كنور بات يصقله الندى
…
ليلا وباكره النسيم مهينما «1»
غرّا كريم الأيد غير مصونها
…
إلا إذا ألفت أغرّ مكرّما
ما صافحت فكر الفصيح ونطقه
…
إلا أعادته عييّا مقحما
لو شام رونقها الوليد جفالها
…
أمحلّتي سلمى بكاظمة اسلما
واسلم ليسلم كلّ مجد إنّه
…
لن تسلم العلياء حتى تسلما
شرّفت أبكار القوافي مثلما
…
شرّفت دهرا كنت فيه القيّما
قال ابن المستوفي: نقلت من أوّل مجموع بخطّه ما صورته: لمّا أنفذ الله سبحانه وتعالى في سهام قضائه، وامتحنني في الدنيا ببلائه، ونظمني في سلك من غبر من أوليائه، ومن اجتباه من أنبيائه وأصفيائه الذين أنطق بمدحهم كتابه وأجزل لهم ثوابه. فقال:«وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ «2» »
، مدّت إليّ الأيّام باعها، وقرتني الأجداف ذراعها، وأدارت على كأس مدامها، وغرّتني بابتسامها؛ فلم أفق من نشوتها ولا فقأت خمّار خمرتها ألا وقد بدّلت بكل قريب بعيدا، وبكل وصل صدودا. وأصبح السجن لي منزلا أهلا، والأشجان لي مناهلا؛ حتى رمقتني من الله عين رحمته، وكنفتني ظلال رأفته، فأتاح لي جليسا، جعل الله بوحشة السجن به آنسة الربع والمربع، ومقر متارعه عذبة المكرع.
يقصر الخاطر عن تعداد معاليه، ويقصر النطق عن إظهار معانيه. وما محاسن شيء كلّه حسن؟
فاقترح عليّ أن أجمع تذكرة ممّا يمليه الخاطر عليّ، ونسخ به إليّ، تكون له، إن منّ الله تعالى علينا وعليه بفكاك الأسر؛ لمذاكرة أيّام البؤس، والزمن العبوس؛ ليواصل حمد الله سبحانه على ما انجاب من غمامها، وانجلى من ركامها. فأجبته إلى ذلك بصدر غير منشرح، وقلب غير فرح، والثغر يفتر، والأحشاء تحترق، والله المستعان وإليه الشكوى من كلّ بلوى.
وهو حسبي ونعم الوكيل. فانجدر ما يبتدي به ما يغنينا من وصف حالنا، وهو ما يقال في السجن قد قيل: إنّ السجن محكّ العقول وتجربة المأمول. به يمتحن الصبر من الأحرار، ويكشف العقل والوقار. وألطف ما قيل فيه قول بعضهم، وهو معلقة:[البسيط]
السّجن أصبح مثل النار مضرمه
…
والحرّ فيه إذا فكّرت كالذهب
يصلى بنار هموم في جوانحه
…
تنفي المآثم من حسد ومن لغب «1»
وبشعره أبيات ابن الجهم «2» بين الناس لم يذكرها، وهي قوله:[الكامل]
قالوا حبست فقلت ليس بضائري
…
حبسي وأيّ مهنّد لا يغمد
ولمعلقه: [البسيط]
لا عار في السجن للأحرار إن سجنوا
…
لغير جرم ولكن سجنهم شرف
فإنّ آل رسول الله كان لهم
…
منه نصيب ولم يجنوا ولا اقترفوا
كالسيف والدرّة الزهراء سجنهما
…
خوفا وضنّا بها الأغماد والصدف
قال: وكتب: بعض الأوقات منضجعا في علوّ، كنت آوي أيّام سجني بقلعة الموصل، وإذا بحمامة تهتف في أعلى ذلك الموضع، فعرض لي طرب حزن، وجدت منه راحة بالبكاء.
فقلت: لله درّ غيلان «3» كأنه أوحى إليه قوله: [الطويل]
فإنّ انحدار الدمع يعقب راحة
…
من الوجد أو يشفي نجيّ البلابل «4»
فعملت أبياتا، وهي:[الكامل]
وحمائم غنيّن في رأد الضحى
…
طربا فقلت مقالة المحزون
غنّين فالوجد الذي تبدينه
…
وجدي المكتّم والشجون شجوني
ما جامدات الدمع كالجاري ولا
…
حال الطليق كحالة المسجون
ثم كتبتها على حائط ذلك الموضع.
قال: ورأيت كثيرا من المتقدّمين يحكون عن دعبل الخزاعي أنه كان يقول: أين من قولي أنا: [مجزوء الكامل]
لا تعجبي يا سلم من رجل
…
ضحك المشيب برأسه فبكى «1»
وليس هو بأجود من غيره على أنه أخذه من قول الحسين بن مطير الأسدي:
تضحك الأرض من بكاء السّماء «2»
ولي في هذه المعنى: [البسيط]
أما ترى الروض قد حيّاك مبتسما
…
لمّا استهلّت عليه أعين السّحب
وغنّت الورق في أعلى الغصون ضحى
…
حتى تمايلن أعطافا من الطرب
ولي في الورد: [البسيط]
روض أنيق يروض العين منظره
…
أتاك في خير وقت غير منعوت
كأنما الطلّ في أوراقه سحرا
…
لآلئ نثرت في صحن ياقوت
ولي في الشقائق: [البسيط]
هذا الشقائق قد أبدت محاسنه
…
إلى العيون عيونا كلّها دعج «3»
كأنّه فوق ساق من زمرّدة
…
مداهن من عقيق حشوها سبج «4»
ولي في الثلج: [المنسرح]
أما ترى اليوم قد غدا ثملا
…
من مستهل الغمام مخمورا
والجوّ في حلّة ممسّكة
…
ينثر فوق الرياض كافورا
ومن قصيدة: [البسيط]
رقّ النسيم وراق الماء والراح
…
وافترّ من حلل النوّار إصباح
هذا الربيع ينادينا علانية
…
هبّوا فقد هبّ للأرواح أرواح
أما ترى الروض مهتز الغصون كما
…
يهتز من ذكر الأحباب مرتاح
فللغمائم في إقطاره زجل
…
وللحمائم في أعلاه إفصاح
فاتبع ضلال الهوى فالرشد مرتبع
…
لا ظلّ فيه ولا روح ولا راح
واشرب مشعشعة كالشمس مشرقها
…
على الندامى أباريق وأقداح
من كفّ معتدل لا عدل فيه ولا
…
لطالب النّجح من أحيته إنجاح
لي من عذار به ريح ومن فمه
…
خمر ومن خدّه ورد وتفاح
هذا النعيم فعاد اليوم فيه فتى
…
له على القصف إصرار وإلحاح
واعمد إلى من بجاتيل «1» فإن به
…
محاسنا لسرور النفس مفتاح
كم فيه من أشعث باد سجومته
…
تهفو لرتبته تلك الأكيراح «2»
ولي في هذا الدير، والله يتجاوز عمّا عثر به اللسان، وأسأله الصفح:[الكامل]
يا من بجاتيل وإن بعد المدى
…
سقّيت صوب سحائب وبوارق
يا حبّذا نوّار روضك إذ غدا
…
يفترّ من دمع الغمام الدافق
معنى خلعت به العذار تصابيا
…
في غنج أحداق وزهر حدائق
أيام أجري في ميادين الصّبا
…
متخايلا جري الجموح السابق
أجتاب ثوب ظلالها فكأنني
…
ما بينها طيف الخيال الطارق
ألهو بنشوان القوام بوجهه
…
شغل الخلي ونزهة للوامق «1»
ما زلت أسقيه ويسقيني إلى
…
أن شيّب الظلماء وخط السّارق
كأسا إذا الساقي اجتلاها في الدّجى
…
جعلت على خدّيه ثوب شقائق
طورا أنا شده النسيب وتارة
…
يشدو فيطربني بلحن مخارق
حتى رأيت السّكر يخفض صوته
…
وبدا النّعاس يحل عقد عقائق
فلثمته عند الكرى فإذا به
…
سلس القياد مطيّة للفاسق
فجرت هنالك في مطاوي سرّها
…
مرضاة إبليس وسخط الخالق
قال ابن المستوفي: ونقلت من مجموعه المذكور بخطّه ولمعلّقه: [الكامل]
يا من يدكّ على كريم في الورى
…
حتى أملّكه كرائم مالي
هذا الزمان إذا تيمّم «2» آمل
…
أحدا يعود مخيّب الآمال
ومنه قال معلقه: كان لي في عنفوان الشبيبة وزمن اللهو صديق كنت آنس به ويأنس بي، ويطلعني على الخاص من سرّه. وكان من أولاد الكتّاب، فهوي صبيا من أولاد الجند.
فكنت إذا ذكرته عنده يضرب عن ذكره صفحا، ويقول متمثلا:[الطويل]
ودع عنك نهبا صيح في حجراته
…
ولكن حديثا ما حديث الرواحل
وان قلت له ها هو قد أقبل انظر إليه، يلوي وجهه عني. ومع هذا كله فكان به كلفا، وكنت أعلم ذلك منه. فقلت له يوما وقد خرجنا إلى بعض الرياض للخلوة: ما أبرد حبّك لمن لا يعلم به، ولا تعمل الحيلة في الوصول إليه، والجلوس معه؛ حتى إنك تضرب عن ذكره، وتكفّ نظرك عنه إذا قيل لك: قد أقبل.
فقال لي: يا هذا، إنّ غرامي به لأحرّ من لظى على ساكنها، ولكن أخاف الفضيحة. وإن يفطن به الناس، أو أني أنظر إليه فيستحي مني. فإن نظر إليّ قتلني لا محالة. فأريد أن
تعمل في هذا المعنى شيئا. ثم قال: أزيدك شيئا إنني لأضرب عن الفكر؛ لتوهمي ربّما خطر ذلك بباله فيخجل منه.
فقلت له: يا سيدي، وإلى هذه الغاية؟ فقال: نعم. فعملت هذه الأبيات: [البسيط]
إني لأنساه خوفا أن يلمّ به
…
فكري فيخرج منّي الفكر خدّيه
وأمنع الطرف يوما أن يلاحظه
…
فإنّ سهم المنايا بين عينيه
هذا اعتذاري لخدّيه ومقلته
…
فما يكون اعتذاري من عذاريه
قال معلّقه: كتبت إلى بعض إخواني في يوم دجن، وكان قد وقع فيه الميلاد، واتّفق أنه يوم سبت، ولم أقدر على الخروج من منزلي من كثرة الوحول والمطر، وشدّة القرّ. حبانا الله بلقيائك، وأحيانا ببقائك يوم طلعت سعوده وغاب حسوده، وتبرقعت بدجنّه شمسه، وانهزم من طلائع إقباله نحسه، ورقّت حواشيه، أمنّا رقى واشيه. لم يقترح مثله على الدهر مقترح، ولا ظفر بشكله مغتبق «1» ، ولا مصطبح. [البسيط]
سبت ودجن وكانون وميلاد
…
وماجن لرياض اللهو مرتاد
وقهوة من محيّا من كلفت به
…
أو كاعتقاد خليع فيه إلحاد
رقّت وراقت فخلنا أنها شفق
…
ملألئ في نواحي الكأس وقّاد
تذكو فيطفئها بالمزج آونة
…
عنّا ويجمح أحيانا وتنقاد
يسقيكها ذو دلال في لواحظه
…
برء وسقم وموعود وإبعاد
ومجلس ظل محفوفا بأربعة
…
تآلفت وهي في الأوصاف أضداد
فالبرق مبتسم والغيث منسجم
…
والورق نائحة والغصن ميّاد
فوافيا دار تشويق يحط به
…
موسوس همّه نسك وإرشاد
فليس يحظى بصفو العيش غير فتى
…
يفنى بطالبه غيّ وإفساد
ولا يصاحبك من هذا الورى أحد
…
إلا خليع وخمّار وقوّاد
عصابة رغبت فيما تعجّل من
…
هذي الحياة وفيما قيل زهّاد
وقال معلّقه: [الطويل]
سلوتك إن حدثّت نفسي بسلوة
…
لحبّك مذ حدّثت أني هائم
وأصغيت نحو اللؤم إن كان مسمعي
…
تغلغل فيه ما تقول اللوائم
أتيتك وجدا إن تلجلج منطقي
…
به أفصحت عنه الدموع السواجم
فإن هيج ذا الشوق الحمائم في الضحى
…
فمنّي استعارت شجوهنّ الحمائم
وفي آخره عند خاتمته هذه نفسه مصدور، وضجره مأسور، علقتها ولم أعد فيها نظري، ولا عددتها من مهام وطري؛ لأنني مثمود القريحة، دامي الجريحة، مأسور الخاطر والبدن، مشغول بصروف الزمن، وعلى الله، وهو المستعان.
وقد أورد ابن المستوفي من شعره قوله يمدح السلطان صلاح الدين رحمه الله: [الطويل]
سلام مشوق قد براه التشوّق
…
على الحي من وادي الغضا إذ تفرّقوا
أأحبابنا كيف التداني وركبكم
…
غدا مشئما حقا وركني معرق
فلمّا بلغ من مديحها قوله:
وقالت لي الآمال إن كنت لا حقا
…
بأبناء أيّوب فأنت الموفّق
قال له السلطان رحمه الله: لقد وفّقت، وأجازه جائزة سنيّة. فكان هذا ممّا نقمه عليه أتابك، وأثّر في حاله عنده.
وقال ابن المستوفي: أنشدني ابن بكاجك، قال: أنشدني ابن الشحنة لنفسه، وأتمّها على أبيات الصوري التي أوّلها:[السريع]
يا جار إنّ الركب قد جاروا
…
فاذهب تحسّس لمن النار
تبدو وتخبو إن بدت عرّسوا «1»
…
وإن أضاءت لهم ساروا
كأنها برق بذات الغضا
…
تبدو ودون البرق أستار