الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جمع أطرافها ومدّ طرافها «1» ، وفصائل استتمّ أوصافها، واستكمل جملها لإنصافها. وكان لو وزن به فتى مازن، أو أبو عثمان لخفّ في كفّة ابن الوزّان. وكانت العلماء تجلّه، وتستملي منه وما تملّه. وكان ذا بصر حديد، وفكر نفسه مديد. حفظ كتاب العين للخليل والمصنّف لأبي عبيد وإصلاح المنطق لابن السكيت، وكتاب سيبويه وأشياء، وكان يميل إلى كلام أهل البصرة. ويفضل المازني في النحو، وابن السكّيت في اللغة، وقال فيه بعضهم: لو أن قائلا قال إنه أعلم من المبرّد وثعلب لصدّقه من وقف على علمه.
وذكر جماعة ممّن جالس ابن النحاس بمصر، وأكمل نظرا. ولقد كان يستخرج من العربية ما لم يستخرجه أحد. وكان غاية في استخراج المعمّى. توفي يوم عاشوراء سنة ست وأربعين وثلاثمئة.
ومنهم:
3- أبو بكر محمد بن عبد الله مذحج
ابن محمد بن عبد الله بن بشر الزبيدي الإشبيلي «13» نزيل قرطبة. رجل كانت له ظلاله وارفة، وأفعاله لا تخلو من عارفة. لم يزل وسنه لم يتغير، وفمه للاكتساب لم يفغر. يغادي العلم ويراوحه، ويماسي الطلب ويصابحه. يوافي كل شيء لميقاته، ويقطع فيه عمر أوقاته.
ورسنه ممتد، ووسنه قد أقسم لا يرتدّ. فلم يستدر خدّه بلثام عارضه، وحان خذّه «2» ألا يلتأم بسيف معارضه إلا وكان قسورة يتأبى مهاجمته، ويخاف أن يهجم عليه أجمته، فأعملت
إليه اليعملات «1» ، وأضحت فوائده مؤمّلات. واهتدى به هدي الركائب بالعلم، واستهلّ استهلال السحائب، يرش رشاش ماء الورد.
قال ابن خلّكان: كان أوحد عصره في علم النحو وحفظ اللغة، وكان أخبر أهل زمانه بالإعراب والمعاني والنوادر، وعلم السّير والأخبار ولم يكن بالأندلس في فنّه مثله في زمانه.
أخذ عن القالي لمّا دخل الأندلس. وله كتب تدلّ على وفور علمه، واختاره المستنصر لتأديب ولده، وليّ عهده هشام المؤيد، فعلّمه الحساب والعربية، ونفعه نفعا كثيرا. ونال به الزبيدي دنيا عريضة. وولي قضاء إشبيلية والشرطة. وحصل نعمة ضخمة لبسها بنوه بعده زمانا. وكان يستعظم أدب المؤيد زمان صباه، ويصرف رجاحته وحجاه. وللزبيدي شعر كثير منه قوله:[الطويل]
أبا مسلم إنّ الفتى بجنانه
…
ومقوله لا بالمراكب واللّبس
وليس ثياب المرء تغني قلامة «2»
…
اذا كان مقصورا على قصر النّفس
وكان في صحبة المستنصر. وقد ترك جاريته بإشبيلية، فاشتاق إليها، فاستأذنه في العود إليها فلم يأذن له. فكتب إليها:[مخلع البسيط]
ويحك يا سلم لا تراعي
…
لا بدّ للبيّن من زماع «3»
لا تحسبيني صبرت إلا
…
كصبر ميت على النزاع
ما خلق الله من عذاب
…
أشدّ من فرقة الوداع
ما بينها والحمام فرق
…
لولا المناجات والنواعي
وعاش ثلاثا وستين سنة «4» ، وتوفي يوم الخميس، مستهلّ جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وثلاثمئة بإشبيلية.