الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء: 110]: {لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ} حَتَّى يَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ، {وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} عَنْ أَصْحَابِكَ، فَلَا تُسْمِعُهُمْ، {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء: 110]: أَسْمِعْهُمْ، وَلَا تَجْهَرْ، حَتَّى يَأْخُذُوا عَنْكَ الْقرْآنَ.
(أسمعْهم ولا تجهر حتى يأخذوا عنكَ القرآن): قال أبو ذر: فيه تقديم وتأخير تقديره: أسمعهم حتى يأخذوا عنك القرآن، ولا تجهر به (1).
* * *
باب: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} [الفتح: 15]{إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} [الطارق: 13] حَقٌّ، {وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} [الطارق: 14]: بالَلَّعِبِ
3049 -
(7503) - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: مُطِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"قَالَ اللَّهُ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي كَافِرٌ بِي، وَمُؤْمِنٌ بِي".
(أصبح من عبادي كافرٌ بي، ومؤمنٌ بي): قال القاضي أبو بكر بن العربي: أدخل الإمامُ مالكٌ هذا الحديث في أبواب الاستسقاء لوجهين:
أحدُهما: أن العرب كانت تنتظر السُّقيا في الأنواء، فقطع النبي صلى الله عليه وسلم هذه العلاقةَ بينَ القلوبِ والكواكبِ.
الثاني: أن الناس أصابهم القحطُ في زمن عمرَ بنِ الخطاب، فقال للعباس: كم بقي لنوء الثريا؟ فقال له العباس: زعموا - يا أمير المؤمنين -
(1) انظر: "التنقيح"(3/ 1273).
أنها تعترض في الأفق سبحاً، فما مرَّت حتى نزل المطر، فانظُروا إلى عمرَ والعباسِ، وقد ذكرا الثريا ونوءها، وتوكّفا ذلك في وقتها، ثم قال: إن من انتظر (1) المطر من الأنواء على أنها فاعلةٌ له من دون الله فيها، فهو كافرٌ، ومن اعتقد أنها فاعلةٌ بما جعلَ الله فيها، فهو كافر - أيضاً -؛ لأنه لا يصحُّ الخلقُ والأمرُ إلا لله؛ كما قال تعالى:{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54].
ومن انتظرها، وتوكَّفَ المطرَ منها على أنها عادةٌ أجراها الله تعالى، فلا شيء عليه؛ لأن الله تعالى قد أجرى الفوائدَ في السحاب والرياح والأمطار؛ لمعانٍ ترتبت في الخلقة، وجاءت على نسق في العادة.
* * *
3050 -
(7507) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "إِنَّ عَبْداً أَصَابَ ذَنْبًا. - وَرُبَّمَا قَالَ: أَذْنَبَ ذَنْباً - فَقَالَ: رَبِّ! أَذْنبتُ - وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَبْتُ - فَاغْفِرْ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ. أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْباً - أَوْ: أَذْنَبَ ذَنْباً - فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ - أَوْ: أَصَبْتُ - آخَرَ، فَاغْفِرْهُ، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذنْبَ، وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْباً - وَرُبَّمَا قَالَ: أصابَ ذَنْباً - قَالَ: قَالَ: رَبِّ أَصَبْتُ - أَوْ: أَذْنَبْتُ - آخَرَ، فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَن لَهُ رَبّاً يَغْفِرٌ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بهِ؟ غفَرْتُ
(1) في "ج": "أمطر".
لِعَبْدِي - ثَلَاثاً - فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ".
(إن عبداً أصابَ ذنباً): ذكر في هذا الحديث (1) مواقعةَ العبدِ للذنب واستغفارَه، ومغفرةَ الله له، ففيه دليلٌ على أن المصرَّ (2) في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له؛ لحسنته التي جاء بها، وهي اعتقادُه أن له رباً خالقاً له يعذبه ويغفر له، واستغفارُه إياه يدل على ذلك، ولا حسنةَ أعظمُ من التوحيدِ والإقرار بوجوده، والتضرعِ إليه في المغفرة، وليس مجردُ استغفاره توبةً يقدح في كونه مُصِرّاً؛ لأن الاستغفارَ ليس شيئاً غيرَ طلب المغفرة، وقد يَطْلُبُ الغفرانَ المصرُّ والتائبُ، ولا دليل في الحديث على أنه كان قد تابَ مما (3) سألَ مغفرتَه (4).
* * *
3051 -
(7508) - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "أَنَّهُ ذَكرَ رَجُلًا فِيمَنْ سَلَفَ - أَوْ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُم - قَالَ -كلِمَةً: يَعْنِي - أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَداً، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْوَفَاةُ، قَالَ لِبَنِيهِ: أَيَّ أَبٍ كنْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ، قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ، أَوْ لَمْ يَبْتَئِزْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْراً، وَإِنْ يَقْدِرِ اللَّهُ عَلَيْهِ يُعَذِّبْهُ، فَانْظُرُوا إِذَا مُتُّ، فَأَحْرِقُونِي، حَتَّى إِذَا صِرْتُ
(1)"الحديث" ليست في "ج".
(2)
في "ج": "المصير".
(3)
في "ج": "عما".
(4)
انظر: "التوضيح"(33/ 454).
فَحْماً، فَاسْحَقُونِي، أَوْ قَالَ: فَاسْحَكُونِي، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ رِيحٍ عَاصِفٍ، فَأَذْرُونِي فِيهَا، فَقَالَ نبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَبِّي! فَفَعَلُوا، ثُمَّ أَذْرَوْهُ في يَوْمٍ عَاصِفٍ، فَقَالَ اللَّهُ عز وجل: كُنْ، فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ قَائِمٌ، قَالَ اللَّهُ: أَيْ عَبْدِي! مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ، أَوْ: فَرَقٌ مِنْكَ، قَالَ: فَمَا تَلَافَاهُ أَنْ رَحِمَهُ عِنْدَهَا". وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: "فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا". فَحَدَّثْتُ بِهِ أَبَا عُثْمَانَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ هَذَا مِنْ سَلْمَانَ، غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ فِيهِ: "أَذْرُونِي في الْبَحْرِ". أَوْ كَمَا حَدَّثَ.
حَدَّثَنَا مُوسَى: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، وَقَالَ:"لَمْ يَبْتَئِرْ". وَقَالَ خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، وَقَالَ:"لَمْ يَبْتَئِزْ". فَسَّرَهُ قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ.
(لم يبتئر أو لم يبتئز عندَ الله خيراً): المعروف في اللغة: "يَبْتَئِر" - بالراء -؛ أي: لم يَدَّخِر ولم يقدِّم، وأما بالزاي، فغير معروف، وليس المرادُ نفيَ كلِّ خيرٍ على العموم، بل المراد: نفيُ ما عدا التوحيد، ولذلك غفر له، وإلا، فلو كان التوحيد منتفياً أيضاً؛ لتحتم عقابه سمعاً، ولم يغفر له (1).
(قال: مخافتُك، أو فَرَقٌ منك): بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الحاملُ (2) لي على ذلك مخافتُك، أو فَرَقٌ منك.
فإن قلت: هلا جعلته فاعلاً بفعلٍ مقدَّر؛ أي: حملَني على ذلك مخافتُك أو فرقٌ منك.
قلت: لوجهين:
(1) انظر: "التوضيح"(33/ 451).
(2)
في "ج": "الخليل".
أحدهما: أنه إذا دار (1) الأمر بين كونِ المحذوفِ فعلاً، والباقي فاعلاً، وكونِه مبتدأ، والباقي خبر، فالثاني أَوْلى؛ لأن المبتدأ عينُ (2) الخبر، فالمحذوفُ عينُ الثابت، فيكون حذفاً كَلَا حذفٍ، وأما الفعل، فإنه غيرُ الفاعل.
الثاني: أن التشاكلَ بين جملتي السؤال والجواب مطلوبٌ، ولا خفاء بأن قوله:"ما حملك على أن فعلتَ ما فعلت؟ " جملة اسمية، فليكن جوابها كذلك؛ لمكان المناسبة، ولك على هذا أن تجعل "مخافتك" مبتدأ، والخبر محذوف؛ أي: حملتني.
(فما تلافاه أن رحمه): قد أسلفنا الكلام عليه، وخرجناه على رأي السهيلي في جواز حذف أداة الاستثناء، والمعنى: فما تلافاه إلا برحمته، ومما يؤيد هذا قوله:
(وقال مرة أخرى: فما تلافاه غيرها): قال السفاقسي: وعند المعتزلة: إنما غفرَ له من أجل توبته التي تابها؛ لأن قبولَ التوبة واجبٌ عقلًا، والأشعريُّ قطعَ بقبولها سمعاً، وغيره: جوازُ القبول؛ كسائر الطاعات (3).
قال ابن المنير: قبولُ التوبة عند المعتزلة واجبٌ على الله عقلًا.
وعندنا: واجبٌ بحكم الوعد والتفضُّل والإحسان، لنا وجوه:
الأول (4): أن الوجوبَ لا يتقرَّرُ معناه إلا إذا كان بحيثُ لو لم يفعلْه الفاعلُ استحقَّ الذمَّ، فلو وجبَ القبولُ على الله تعالى؛ لكان بحيثُ
(1) في "ج": "أراد".
(2)
في "ج": "غير".
(3)
انظر: "التوضيح"(33/ 453).
(4)
في "ج": "أحدها".
لو لم يقبل؛ لصار مستحقاً للذم، وهو محال؛ لأن من كان كذلك، فإنه يكون مستكملًا بفعل القبول، والمستكمل بالغير ناقصاً لذاته، وذلك في حق الله محال.
الثاني: أن الذم إنما يمنع من الفعل من كان يتأذى بسماعه، وينفر عنه طبعُه، ويظهر له بسببه نُقصان حال، أما من كان متعالياً عن الشهوة والنفرة، والزيادة والنقصان، لم يعقل تحققُ الوجوبِ في حقه بهذا المعنى.
الثالث: أنه تعالى تمدَّحَ بقبول التوبة في قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [التوبة: 104]، ولو كان ذلك واجباً، لما تمدَّح به؛ لأن أداء الواجب لا يفيدُ المدحَ والثناءَ والتعظيمَ.
قال (1) بعضُ المفسرين: قبولُ التوبةِ من الكفرِ يُقطع به على الله تعالى إجماعاً، وهذه نازلةُ هذه الآية، وأما المعاصي، فيُقطع أن الله تعالى يقبل التوبة منها من (2) طائفة من الأمة، واختُلف هل (3) يقبلُ توبةَ (4) الجميع؟ وأما إذا عُيِّنَ إنسانٌ تائبٌ، فيرجى قبولُ توبته، ولا يُقطع به على الله تعالى.
وأما إذا فرضنا تائباً غيرَ معينٍ صحيحَ التوبة، فقيل: يُقطع على الله بقبول توبته، وعليه طائفةٌ، فيها الفقهاءُ والمحدِّثون؛ لأنه تعالى أخبرَ بذلك عن نفسه، و (5) على هذا: يلزم أن يقبلَ توبةَ جميع التائبين.
(1) في "ج": "وقال".
(2)
"من" ليست في "ج".
(3)
في "ج": "فيها هل".
(4)
"توبة" ليست في "ج".
(5)
الواو ليست في "ج".