الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب: إِخْراجِ الخُصُومِ وأَهْلِ الرِّيَبِ مِنَ البُيُوتِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ
2984 -
(7224) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "وَالَّذِي نفسِي بِيَدِهِ! لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ يُحْتَطَبُ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا، فَيؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه! لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقاً سَمِيناً، أَوْ مَرْمَاتَيْنِ حَسَنتَيْنِ، لَشَهِدَ الْعِشَاءَ".
(ولقد هَمَمْتُ أن آمرَ بحطبٍ): أُخذ منه تقديمُ الوعدِ والتهديدِ على العقوبة، وسِرُّه أن المفسدةَ إذا ارتفعتْ بالأَهْوَنِ من الزواجر، اكتُفي به عن الأعلى.
(ثم أخالفَ إلى رجالٍ فأُحَرِّقَ عليهم بيوتَهم): الأكثرون على أن الجماعةَ في غير الجمعة سنةٌ، وقيل: فرضُ كفاية، وقيل: فرضٌ على الأعيان.
وإذا قلنا: بأنها فرضُ عين، فهل هي شرطٌ في صحة الصلاة، أو لا؟ قولان:
فمن قال بأنها فرضٌ على الأعيان، قد يحتج بهذا الحديث؛ فإنه إن قيل: إنه فرض كفاية، فقد كان الفرض قائماً بفعل الرسول عليه السلام ومن معه، وإن قيل: بأنها سنة، فلا يُقتل تارك السنن، فيتعين كونُها فرضَ عين.
وأجيب (1): بأن هذا في المنافقين، بدليل بقيةِ الحديث:"والذي نفسي بيده! لو يعلم أحدُهم أنه يجدُ عَرْقاً سميناً (2)، أو مَرْماتين حسنتينِ، لشهدَ العشاءَ"، وهذه ليست صفة المؤمنين، لا سيما أكابرهم، وهم الصحابة، وإذا كانت في المنافقين، فالتحريقُ للنفاق، لا لتركِ الجماعة.
قال القاضي عياض: وقد قيل: إن هذا في المؤمنين، وأما المنافقون (3)، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مُعْرِضاً عنهم، عالماً بطَوِيَّاتهم، كما أنه لم يتعرَّضْ لهم في التخلُّف، ولا عاتَبَهم عليه معاتبةَ كعبٍ وأصحابِه من المؤمنين (4).
واعترضه ابنُ دقيق العيد: بأن هذا إنما يلزمُ إذا كان تركُ معاقبةِ المؤمنين واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم، فحينئذ يمتنعُ أن يعاقبهم بهذا التحريق، فيجب أن يكون الكلامُ في المؤمنين.
وإما أن يقال: إن عقابَ المنافقين وتركَه كان مباحاً له عليه السلام، مُخَيَّراً فيه، فحينئذ لا يتعينُ حملُ هذا على المؤمنين؛ إذ يجوزُ أن يكون في المنافقين؛ لجوازِ معاقبته لهم، وليس في إعراضه عليه السلام عنهم بمجرده ما يدلُّ على وجوبِ ذلك عليه، ولعل قولَه عليه السلام عندما طُلب منه قتلُ بعضهم:"لا يُتَحَدَّثْ أَنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أَصْحَابَهَ"(5) يُشعر بما
(1) في "ج": "فرض واجب".
(2)
في "ج": "عرقاً شديداً".
(3)
في "ج": "الكافرون".
(4)
انظر: "إكمال المعلم"(2/ 623).
(5)
رواه البخاري (4905) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
ذكرناه من التخيير؛ لأنه لو كان يجبُ عليه تركُ قتلهم؛ لكان الجوابُ بذكر المانعِ الشرعي، وهو أنه لا يحلُّ قتلُهم.
قال: ومما يشهد لمن قال: إن ذلكَ في المنافقين، سياقُ الحديث من أوله، في بعض الطرق، وهو قوله عليه السلام:"أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلاة العِشَاءِ (1)، وَصَلاةُ الفَجْرِ"(2).
ووجهٌ آخرُ في تقريرِ كونِه في المنافقين أن يقول: هَمُّ رسولِ الله (3) صلى الله عليه وسلم بالتحريق يدلُّ على جوازه، وتركُه للتحريق (4) يدلُّ على جوازِ هذا التركِ، فإذا اجتمع جوازُ التحريق، وجوازُ تركه (5) في حق (6) هؤلاءِ القومِ، دلَّ على كونهم منافقين، إذ هذا المجموعُ لا يكون في المؤمنين فيما هو حقٌّ من حقوق الله تعالى (7).
* * *
(1)"العشاء" ليست في "م".
(2)
رواه البخاري (651).
(3)
في "ج": "هم الرسول".
(4)
في "ج": "وترك التحريق".
(5)
في "ج": "تركه حقه".
(6)
"حق" ليست في "ج".
(7)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (1/ 164).