الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفهوم، ولو قال بها، فقد ترجَّحَ عليها دلالةُ المنطوق في هذا الحديث (1).
قلت: أظنه عنى ببعض المتأخرين الذي أدركَ هو زمنه: قاضيَ القضاة الشيخَ ناصر الدين بن المنير، فقد قدمنا عنه البحثَ في هذه المسألةُ بما ذكره الشيخ، أو قريبٍ منه، على أن ما اعترض به ابنُ دقيق العيد لا يخلو من نظر إذا تأملت.
* * *
باب: مَنْ قُتِلَ له قَتِيلٌ فهو بخير النَّظَرَيْنِ
2901 -
(6880) - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَن خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا.
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا حَرْبٌ، عَنْ يَحْيَى: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ، قَتَلَتْ خُزَاعَةُ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ، بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِن نَهَارٍ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إِلَّا مُنْشِدٌ. وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا يُؤدَى، وَإِمَّا يُقَادُ". فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ، فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اكْتبوا لأَبِي شَاهٍ". ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ
(1) انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 84).
قُرَيْشٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِلَّا الإِذْخِرَ؛ فَإِنَّمَا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِلَّا الإذْخِرَ".
وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ شَيْبَانَ فِي الْفِيلِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ: "الْقَتْلَ".
وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: "إِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ".
(إن الله حبسَ عن مكةَ الفيلَ): - بالفاء والمثناة التحتية - هذه الرِّواية الصحيحة عندهم على ما صرح به غيرُ واحد.
ويروى: "القَتْلَ": بقاف ومثناة فوقية، وقد ذكرها البخاري في هذا الحديث، وحَبْسُه: حبسُ أهلِه الذين جاؤوا للقتال في الحرم.
(وسَلَّطَ عليها رسولَه والمؤمنين (1)): يستدل به من رأى أن فتحَ مكّة كان عَنْوَةً؛ فإن التسليط الذي وقعَ للرسول صلى الله عليه وسلم مقابِلٌ للحبس الذي وقعَ للفيل، وهو الحبسُ عن القتال.
(ومن قُتل له قتيلٌ، فهو بخير النظرين، إما يُودَى، وإما يُقاد (2)): اختلف الفقهاء في موجب قتل العمد على قولين (3):
أحدهما: أن الموجبَ هو القصاصُ عيناً.
الثاني: أن الواجبَ (4) هو أحدُ الأمرين: إمّا القصاص، أو الدية.
(1) في "ع": "والمؤمنون".
(2)
في "ع" و"ج": "إمّا أن يودى، وإنما أن يقاد".
(3)
في "ع" و"ج": "على وجهين".
(4)
في "ج": "أن الموجب".
وكلا القولين في مذهبنا.
ومن فوائد هذا الخلاف: أن من قال: الموجبُ هو القصاص عَيْناً، قال: ليس (1) للولي حقُّ أخذِ الديةِ من القاتل بغير رضاه، ويستدل بهذا الحديث على أن الواجبَ أحدُ الأمرين، وهو ظاهر الدلالة في ذلك، ومن خالف، قال: معناه وتأويله: إن شاء أخذ الدية برضا القاتل، إِلَّا أنه لم يذكر الرضا؛ لثبوته عادةً.
(اكتبوا لأبي شاهٍ): قال ابن دقيق العيد: كان قد وقع اختلافٌ (2) في الصدر الأول في كتابة غير القرآن، ووردَ فيه نهيٌ، ثمّ استقرَّ الأمرُ بين النَّاس على الكتابة؛ لتقييد العلمِ بها، وهذا الحديث يدلُّ على ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أَذِنَ في الكتابة لأبي شاهٍ، والذي أراد أبو شاهٍ كتابتَه هو خطبةُ النبي صلى الله عليه وسلم (3).
والكلامُ في ضبط هذا الاسم قد تقدم.
(وقال بعضهم عن أبي نعيم: القَتْلَ): بقاف ومثناة فوقية.
قال الزركشي: وهذا الذي أبهمه هو الإمامُ محمدُ بنُ يحيى الأصيليُّ (4) النيسابوريُّ (5).
* * *
(1)"قال ليس" ليست في "ع".
(2)
في "ع" و"ج": "الاختلاف".
(3)
انظر: "شرح عمدة الأحكام"(4/ 97).
(4)
كذا في النسخ الخطية، والصواب:"الذهلي" بدل "الأصيلي".
(5)
انظر: "التنقيح"(3/ 1221).