المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الباب الثاني عشرفي الطيور المسمعة - مطالع البدور ومنازل السرور

[الغزولي]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأولفي تخير المكان المتخذ للبنيان

- ‌الباب الثانيفي أحكام وضعه وسعة بنائه وبقاء الشرف والذكر ببقائه

- ‌الباب الثالثفي اختيار الجار والصبر على أذاه وحسن الجوار

- ‌الباب الرابعفي الباب

- ‌الباب الخامسفي ذم الحجاب

- ‌الباب السادسفي الخادم والدهليز

- ‌الباب السابعفي البركة والفوارة والدواليب وما فيهن من كلام وجيز

- ‌الباب الثامنفي الباذهنج وترتيبه

- ‌الباب التاسعفي النسيم ولطافة هبوبه

- ‌الباب العاشرفي الفرش والمساند والأرائك

- ‌الباب الحادي عشرفي الأراييح الطيبة والمروحة وما شاكل ذلك

- ‌الباب الثاني عشرفي الطيور المسمعة

- ‌الباب الثالث عشرفي الشطرنج والنرد وما فيهما من محاسن مجموعة

- ‌الباب الرابع عشرفي الشمعة والفانوس والسراج

- ‌الباب الخامس عشرفي الخضروات والرياحين

- ‌الباب السادس عشرفي الروضات والبساتين

- ‌الباب السابع عشرفي آنية الراح

- ‌الباب الثامن عشرفيما يستجلب بها الأفراح

- ‌الباب التاسع عشرفي الصاحب والنديم

- ‌الباب العشرونفي مسامرة أهل النعيم

- ‌الباب الحادي والعشرونفي الشعراء المجيدين

- ‌الباب الثاني والعشرونفي الحذاق المطربين

- ‌الباب الثالث والعشرونفي الغلمان

- ‌الباب الرابع والعشرون في الجوارى ذات الألحان قال الثعالبي في تحفة الأرواح وموائد السرور والأفراح إن كان أجود منه وذلك مع الروية وقال أفلاطون: غناء الملاح تحرك فيه الشهوة والطرب وغناء القباح يحرك فيه الطرب لا الشهوة وقد قيل أحسن الناس غناء من تشبه بالنساء من الرجال ومن تشبه بالرجال من النساء وما أحسن قول القائل:جائت بوجه كأنه قمر…على قوم كأنه غصن

- ‌الباب الخمس والعشرون في الباءة

- ‌الباب السادس والعشرونفي الحمام وما غزى مغزاه

- ‌الباب السابع والعشرونفي النار والطباخ والقدور

- ‌الباب الثامن والعشرونفي الأسماك واللحوم والجزور

- ‌الباب التاسع والعشرونفيما تحتاج إليه الأطعمة من البقول في السفرة

- ‌الباب الثلاثون في الخوان والمائدة وما فيهما من كلام مقبول

- ‌الباب الحادي والثلاثونفي الوكيرة والأطعمة المشتهاة

- ‌الباب الثاني والثلاثونفي الماء وما جرى مجراه

- ‌الباب الثالث والثلاثونفي المشروب والحلواء

- ‌الباب الرابع والثلاثونفي بيت الخلاء المطلوب

- ‌الباب الخامس والثلاثونفي نبلاء الأطباء

- ‌الباب السادس والثلاثون في الحساب والوزراء اعلم أن الوزير مشتق اسمه من حمل الوزر عمن خدمه وحمل الوزير لا يكون إلا بسلامة من الوزير لا يكون إلا بسلامة من الوزير في خلقته وخلائقه أما في خلقته فإنه يكون تام الصورة حسن الهيئة متناسب الأعضاء صحيح الحواس وأما في خلائقه فهو أن يكون بعيد الهمة سامي الرأي ذكي الذهن جيد الحدس صادق الفراسة رحب الصدر كامل المروءة عارفاً بموارد الأمور ومصادرها فإذا كان كذلك كان أفضل عدد المملكة لأنه يصون الملك عن التبذل ويرفعه عن الدناءة ويغوص له عن الفكرة ومنزلته منزلة الآلة يتوصل بها إلى نيل بغيته وبمنزلة الذي يحرز المدينة من دخول الآفة ومنزلة الجارح الذي يصيد لطعمة صاحبه وليس كل أحد وإن أصلح لهذه المنزلة يصلح لكل سلطان ما لم يكن معروفاً بالإخلاص لمن خدمه والمحبة لمن استنصحه والإيثار لمن قربه وقال الثعالبي في يواقيت المواقيت، الوزارة اسم جامع للمجد والشرف والمروءة وهي تلو الملك والإمارة والرتب العلياء والدرجة الكبرى بعدهما، قال المنصور النميري يمدح يحيى البرمكي:ولو علمت فرق الوزارة رتبة…تنال بمجد في الحياة لنالها

- ‌الباب السابع والثلاثون في كتاب الإنشاء وهو فصلانالفصل الأول: فيما يحتاج إليه كاتب الإنشاء من الأخلاق والأدوات والآلات

- ‌الباب الثامن والثلاثون في الهدايا والتحف النفيسة الأثمانذكر ابن بدرون في شرحه لقصيدة ابن عبدون عند ذكر كسرى وبنائه للسور المذكور في الباب السادس من هذا الكتاب ولما بنى كسرى هذا السور هادته الملوك وراسلته، فمنهم ملك الصين كتب إليه من يعقوب ملك الصين صاحب قصر الدار والجوهر الذي في قصره نهران يسقيان العود والكافور والذي توجد رائحة قصره على فرسخين والذي تخدمه بنات ألف ملك والذي في مربطه ألف فيل أبيض إلى أخيه كسرى أنوشروان وأهدى إليه فارساً من در منضد علينا الفارس والفرس من ياقوت أحمر وقائم سيفه من الزمرد منضد بالجوهري وثوباً حريرا صينياً وفيه صورة الملك على إيوانه وعليه حلته وتاجه وعلى رأسه الخدام بأيديهم المذاب المصورة من ذهب تحمله جارية تغيب في شعرها يتلألأ جمالها وغير ذلك مما تهديه الملوك إلى أمثالها

- ‌الباب التاسع والثلاثون في خواص الأحجار وكيانها في المعادنقال الفاضل أبو العباس شهاب الدين أحمد بن يوسف التيشاء: في الجوهر اسم عام يطلق على الكبير والصغير منه فما كان كبيراً فهو الدر وما كان صغيراً فهو اللؤلؤ المسمى حباً ويسمى أيضاً اللؤلؤ الدق ولؤلؤ النظم وحيوان الجوهر الذي يتكون فيه كبيره وصغيره يسمى باليونانية أسطوروس يعلو لحم ذلك الحيوان صدفتان ملازمتان لجسمه والذي يلي الصدفتين من لحمه أسود ولهذا الحيوان فم وأذنان وشحم يلي الفم من داخلهما إلى غاية الصدفتين والباقي رغوة وصدفة وماء

- ‌الباب الأربعون في خزائن السلاح والكنائنسأل عمر بن الخطاب (عمرو بن معدي كرب عن السلاح فقال ما تقول في الرمح قال أخوك وربما خانك فانقصف، قال فما تقول في الترس قال هو المجن وعليه تدور الدوائر، قال فالنبل قال منايا تخطئ وتصيب، قال فما تقول في الدرع قال مفشلة للراجل مغلة للفارس وإنها لحصن حصين، قال فما تقول في السيف قال هنالك لا أم لك يا أمير المؤمنين فعلاه عمر بالدرة وقال له تقول لا أم لك قال الحمى أصرعتني

- ‌الباب الحادي والأربعون في الكتب وجمعها وفضل اتخاذها ونفعهاقال ابن الخشاب ملغزا فيها:

- ‌الباب الثاني والأربعونفي الخيل والدواب ونفعها

- ‌الباب الثالث والأربعونفي مصائد الملوك وما فيها من نظم السلوك

- ‌الباب الرابع والأربعونفي خطائر الوحوش الجليلة المقداد

- ‌الباب الخامس والأربعون في الأسد النبل والزرافة والفيل

- ‌الباب السادس والأربعون في الحمام وما في وصفها من بديع النظام

- ‌الباب السابع والأربعون في الحصون والقصور والآثار وما قيل فيها من رائق الأشعار

- ‌الباب الثامن والأربعون في الحنين إلى الأوطان وتذكر من بها من القطانروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صوتا فارتاع فقيل له في ذلك فقال ظننت أن ساكنا أزعج من منزله، وجاء أيضا حب الوطن من الإيمان وقال ابن عباس (لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ما اشتكى أحد الرزق وكانت العرب إذا سافرت أخذت معها من تربة بلدها تستنشق ريحها وتطرحه في الماء إذا شربته وهكذا كان المتفلسف من البرامكة إذا سافر أخذ معه من تربة مولده في جراب يتدواى به ولما غزا اسفندبار بلاد الخرز اعتل بها فقيل له ما تشتهي قال شربة من دجلة وشميما من تراب اصطخر فأتي به بعد أيام بماء وقبضة من تراب وقيل له هذا من ماء دجلة ومن تربة أرضك فشرب واشتم بالوهم فنقه من علته

- ‌الباب التاسع والأربعونفي دار سكنت كثيرة الحشرات قليلة الخير عديمة النبات

- ‌الباب الخمسونفي وصف الجنان وما فيها من حور وولدان

الفصل: ‌الباب الثاني عشرفي الطيور المسمعة

قال الشريشي في شرح المقامات: هذه المروحة تكون شبيه الشراع للسفينة وتعلق في سقف ويشد بها حبل تدير به مشيها وتبل بالماء وترش بماء الورد، فإذا أراد الرجل في القائلة أن ينام جذبها بحبلها فتذهب بطول البيت وتجيء فيهب على الرجل منها نسيم بارد طيب الريح فيذهب عنه أذى الحر ويستطب وهي فوقه ذاهبة وجائية؛ ولذلك سماها جارية.

ومشمعلة سريعة الذهاب وقفولها رجوعها والسائق الشريط الذي يسوقها إذا جذبت به يستحثها يستعجلها ومن جنسها أي هو من كان مثلها رسيلها أي يرسل معها لزاوية البيت، وترجع معها أو إن القيض وقت الصيف وتنطف تقطر، وقحولها يبسها انتهى. كلام الشريشى.

قال الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة: وهذه المروحة محدثة في زمن بني العباس وكان سبب حدوثها أن هارون الرشيد دخل يوماً على أخته علية بنت المهدي في قيض شديد فألقاها قد صبغت ثياباً من زعفران وصندل ونشرتها على الحبال لتجف فجلس هارون قريباً من الثياب المنشورة فجعلت الريح تمر على الثياب فتحمل منها ريحاً بليلة عطرة فوجد لذلك راحة من الحر واستطابة، فأمر أن يصنع له في مجلسه مثله على الوجه المشروح في كلام الشريشى فاشتهرت واستعلمها الناس.

ومن ملح ألغاز الصاحب بن عباد فيها قوله لأبي العباس الحارث في يوم قيض ما يقول الشيخ في قبله فلم يفهم عنه اراد في قلب الشيخ وهو خيش وقال السرى الرفاء:

وخيش كما نجرت ذيول غلائل

مصندلة تختال فيها الكواعب

وقد اطلعت فيها الشمائل وأنشدت

مقبلة في جانبيها الحبائب

‌الباب الثاني عشر

في الطيور المسمعة

القول على الببغاء وهو طائر هندي وحبشي دمث الخلق ثاقب الفهم له قوة على حكاية الأصوات وتلقى التلقين، تتخذه الملوك في منازلهم لينم بما يقع فيها من الأخبار، وفي لونه الأغبر والأخضر والأسود والأحمر والأصفر والأبيض، وقد أهديت لمعز الدولة هدية من اليمن فيها ببغا بيضاء سوداء المنقار والرجلين وعلى رأسها ذؤابة فستقية وكل هذه الألوان معدومة خلا الأخضر، وفي طبع هذا الطائر أنه يتناول طعامه برجليه كما يتناول الإنسان الشيء بيده وله منقار معقق يكسر به الصلب وينقب به ما يعسر نقبه، يتزاوج ويتعاشق ويسكن الذكر إلى أنثاه وله عفة في مأكله ومشربه ومنكحه، ليس بشره ولا أشر وهو بمثابة الإنسان الظريف، والناس يحتالون على تعليمه بأن ينصب له تجاهه مرآة بحيث يرى خياله فيها ويتكلم الإنسان من ورائها فيتوهم أن خياله في المرآة وهو المتكلم فيأخذ نفسه بحكاية ما يسمعه من صوت الإنسان.

الوصف: كتب أبو اسحاق الصابي إلى أبي الفرج أبياتاً في الببغاء منها (توفي سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة) :

زارتك من بلادها البعيدة

واستوطنت عندك كالقعيدة

ضيف قراه الجوزا والأرز

والضيف في أبياتنا يعز

تراه في منقاره الخلوقي

كلؤلؤ بالعقيق

ينظر من عينين كالفصين

في النور والظلمة بصاصين

يميس في حلته الخضراء

مثل الفتاة الغادة العذراء

خريدة حذروها الأقفاص

ليس لها من حبسها خلاص

فأجابه بأبيات منها:

وحسن منقار أشم قان

كأنما صيغ من المرجان

صيرها أفرادها في الجنس

بنطقها من فصحاء الأنس

يحكي الذي تسمعه بلا كذب

من غير تغير لجد أو لعب

ذات غشا تحسبه ياقوتاً

لاترضى غيير الأرز قوتا

كأنما الحبة في منقارها

حبابة تطفو على عقارها

أقدامها ببأسها الشديد

أوقعها في قفص حديد

وهذه المذكورة تسمى في هذه البلاد الدرة.

ص: 29

ومن ظريف ما سمعته فيها قول الشيخ الإمام العالم النحوي المفنن زين الدين عمر بن المظفر أبي الفوارس الشهير بابن الوردي رحمه الله تعالى فبينما الطاوس مصغ إلى الياسمين وهو على ما ساقه الذنب على ساقه حزين وإذا بدرة خضراء لا بل درة عذراء تقول أف لطاوس الطير من طاوس القراء أيها الطاوس اطريد المعكوس الشريد شغلك ظاهر الثياب عن باطن العيوب إن الله لا ينظر إلى الثياب ولكن ينظر إلى القلوب هلا شغلت بمداواة أمراضك عن بساتينك وغياضك ولم لا أفنيت عن ملبوسك وعجبك ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك شاركت آدم في الخروج من الجنة والأسف عليها فشاركه في التوبة والاستغفار والعودة إليها، على أن آدم خرج من الجنة قهراً ليزرع في الأولى ما يحصده في الآخرة وأما أنا أيها الطاوس فإني رأيت نفوس البشر أشرف النفوس كرمهم الرب وفضلهم وخلق الموجودات لهم فشاركتهم نطقاً وزرقاً ونادمتهم ونديم السعداء لا يشقى فسبحان من بيده الخير المؤلف بين البشر والطير ومن أعجب أحوالي أن الصمت محمود أفعالي لأني طائر ضعيف ولا أقاس على البشر في التكليف:

غائب في القلب حاضر

كاسر للصب جابر

أنا من خوف جفاه

واقع والقلب طائر

أنا بالمحبوب فخرى

فانتصب يا من يفاخر

أنا من جودة فكري

عرفت باسمي الجواهر

ها أنا الدرة فأعرف

قيمتي إن كنت تاجر

القول على القمري: سمي بذلك لبياضه وحكاية صوته وهو يضحك كما يضحك الإنسان ومن طبعه أنه شديد المودة والرحمة.

أما مودته فإنه يفرخ على فنن من أفنان شجرة كلها أعشاش لأبناء جنسه يصاحبها كل يوم ولا يعتزل اعتزال الغراب.

وأما رحمته فإنه يربي ولده ويعف عن أنثاه مادام ولده صغيراً، وهو يطاعم أنثاه وتطاعمه ويظهر منه عليها، وله وفيه من المروءة أنه متى تزوج لايبتغي بأنثاه بدلاً.

وله اعتناء بنفسه وإعجاب بها ومن عادته أنه يعمل عشه في طرف فنن دائم الاهتزاز احترازاً على فرخيهخ ليلاً يسعى إليه من الحيوان الماشي ما يقتلها.

الوصف قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر ملغزاً فيه: ما معمي رأيته * في عداد المطير * كم له من مترجم * كم له من مشجر كم له من كآبة * ظهرت بالتدبر * كم خواف له بدت * لا لتماح المبصر كله معجم وان * زال بعض له قرى ذكرت بقوله كم خواف له ما أنشدنيه من لفظه لنفسه ونقلته من خطه المعز الأشرف المرحوم أوحد الدهر ونخبة العصر القاضي أمين الدين محمد الأنصاري صاحب ديوان الإنشاء بالشام المحروس من قصيدة امتدح بها المعز الصاحب المرحوم فخر الدين عبد الرحمن بن مكانس ناظر الدولة الشريفة بالديار المصرية سامحه الله تعالى أولها:

جفون من تأرقها دوامي

مدامعها تفيض على الدوام

ويقول في آخرها:

قوادمها ينرن ولسن عنه

خواف تحت أجنحة الظلام

وقال الشيخ برهان الدين القيراطي:

تنفس الصبح فجاءت لنا

من نحوه الأنفاس مسكيه

وأطربت في العود قمرية

وكيف لا تطرب عوديه

وأنشدني سيدي القاشي شهاب الدين بن حجر فسح الله في أجله من لفظه لنفسه بتاريخ ثالث عشر ربيع الأول من شهور عام اثنين وثمانمائة بالقاهرة المحروسة بمنزله عمره الله ببقائه بحارة بهاء الدين:

تخيرت رسلاً سرنا عندهم خفا

إليكم وتلك الرسل فهي الحمائم

إذا قدمت مني عليكم فيا لها

خوافي سر حملتها قوادم

وأما الفاخت فهي عراقية وليست بحجازية وفيها فصاحة وحسن صوت وصوتها في الحجازيات يشبه صوت المثلث وفي طبعها تأنس بالناس وتعشش بالدور وهذا الحيوان يعمر وقد ظهر منه ما عاش خمساً وعرشين سنة وما عاش أربعين سنة على ما حكاه أرسطو.

الوصف: أنشدني من لفظه لنفسه إجازة أوحد المتكلمين العالم المفنن فريد الدهر المرحوم القاضي أمين الدين الأنصاري صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالشام المحروس ملغزاً في فاختة:

وما طائر يهوى الرياض تنزها

ويسوح في أفنائها ويغرد

هجاء اسمه خمس حروف تعدها

وخمساه حرف إن تأملت مفرد

وبعدهما تصحيف باقية إن ترد

بياناً له أفعى يبين ويشهد

وفيه أخ إن تهت عنه فأخته

تدل على ما قد عنيت وترشد

ص: 30

قلت: أنشأت هذا اللغز الظريف التركيب للشيخ العلامة بقية السلف الصالح زين الدين أبي بكر بن عثمان الشهير بابن العجي بمنزلة بمدرسة الكاملية بشارع بين القصرين عند ارتحالي في أوائل سنة خمسة وتسعين وسبعمائة فأجاب بهذه الأبيات:

ايا من له مجد أثيل وسؤدد

غدا دون مرماه سماك وفرقد

تفيد يسار المقترين يمينه

ويسراه من يمنى الغمامة أجود

سؤالك عن أنثى طروب ولم تزل

على عودها في الروض تشدو وتنشد

وتجذبني بالطوق حين نشيدها

لنحو التصابي لا أطيق أفند

يطير بها نحو النجاح جناحها

فتبلغ

ما تختار ثم وتقصد

وفي بطن أنثى لم تصور وإنما

تصورها من جنسها من يرفد

تذكرني تدركاها أم هانئ

فتشرف في نفسي إذا وتمجد

ومذ بان منها الطرف أمست بعكسها

تخاف الردى ممن لها يترصد

وإن حذفت ثاني الأخير فإنه

على الحذف خاف بل يلوح ويشهد

وأولها مع مايليه وطرفها

لنا فاه بالمعنى الذي منه يقصد

وحرفان منها فرد حرف لناطق

وأف لمن للعكس من ذاك يجحد

وتفتح فاها حين يفقد ثالثاً

وثالثه يخشاه من يتصيد

فخذه مبيناً مغيضاً عن إساءتي

فإنك للإحسان أهل ومقصد

بقيت بقاء الدهر عزك باذخ

وفي مفرق الجوزا لوءاك يعقد

ولا زلت في الدنيا سعيداً مملكاً

حظك في الآخرة النعيم المخلد

وأما الشعين وهو الذي تسميه العامة اليمام وصوته في الترنم كصوت الرباب في الأوتار صوتاً محزوناً جداً وهي متى اختلطت مع أصواتها غيرها حسنت وأما مفردة فلا لأن الزأر مستحسن مع الغناء وغير مستحسن وحده.

وفي طبعه أنه متى فقد أنثاه لم يزل عزباً يأوي إلى بعض فراخه حتى يموت، وكذلك الأنثى إذا فقدت الذكر.

وفي تركيبه أنه إذا سمن سقط ريشه وامتنع من السفاد فهو لذلك لا يشبع نفسه.

وهو طائر ساكن جداً وقد ألهم أنه يحترس من أعدائه بالسوسن يتخذه في وكره.

الوصف: ولنذكر الآن ما وقع للشعراء في أصواتهن جملة لا تفصيلاً فمن ذلك قول الحسام الحاجري (توفي مقتولاً سنة اثنتين وثلاثين وستمائة) :

إني لا اعذار في الأراك حمامة الش?

ِادي كذلك تفعل العشاق

حكم الغرام الجاجري بأسرها

فغدت وفي أعناقها أطواق

قال القاضي الفاضل:

لو كنت جاوبت الحمائم نائحاً

قال الوشاة إذاع سرك بائحاً

سل طائراً صدع الفؤاد بسحره

أتراه غرد صادعاً أم صادحاً

يا ضعف من أمسى الفريسة في الهوى

وغدا الحمام له هنالك جارحاً

وقال المناري:

لقد عرض الحمام لنا بسجع

إذا أصغى له ركب تلاحا

شجى قلب الخلى فقيل غني

وبرح بالشجى فقيل ناحا

قلت: وبعد هذين أبيات فلا بأس بذكرها وإن لم يكن مما نحن فيه:

وكم للشوق في أحشاء صب

إذا اندملت أجد لها جراحاً

ضعيف الصبر عنك وإن تقاوى

وسكران الفؤاد وإن تصاحاً

كذاك بنو الهوى سكرى صحاة

كأحداق المهى مرضى صحاحاً

قلت: ولهذه الأبيات حكاية غريبة نقلتها من خط الحافظ اليعموري (ولد سنة ستمائة وتوفي سنة اثنتين وسبعين وستمائة) روى أن أبا نصر المناري المذكور واسمه أحمد بن يوسف دخل على أبي العلاء المعري وهو في الشام في جماعة من الأدباء فأنشده كل واحد من شعره ما تيسر حتى أنشده المناري أبياتاً له في وصف واد وهي:

وقانا لفحة الرمضاء واد

سقاه مضاعف الغيث العميم

نزلنا دوحة فحنا علينا

حنو المرضعات على الفطيم

وأرشفنا على ظمأ زلالا

أرق من المدامة للنديم

يصد الشمس أنَّا واجهتنا

ويحجبها ويأذن للنسيم

تروع حصاه حالية العذارى

فتلمس جانب العقد النظيم

فقال ابو العلاء: أنت اشعر من بالشام، ثم رحل إلى بغداد فدخل المناري عليه في جماعة من أهلها من الأدباء وأبو العلاء لا يعرف منهم أحداً فأنشده كل واحد ما حضره من شعره حتى جاءت نوبة المناري فأنشده لنفسه الأبيات المتقدمة فقال أبو العلاء ومن بالعراق إشارة إلى قوله من بالشام (توفي المناري سنة سبع وثلاثين وأربعمائة) .

ص: 31

وقال الشيخ صفي الدين الحلي:

وبشرت بوفاة الليل ساجعة

كأنها في غدير الصبح قد سبحت

مخضوبة الكف لاتنفك نائحة

كأن أفراخها في كفها ذبحت

وقال محيي الدين بن عبد الظاهر:

نسب الناس لحمامة حزناً

وأراها في الحزن ليست كذلك

خضبت كفها وطوقت الجي?

?د وغنت وما الحزين كذلك

وقال جمال الدين محمد بن نباتة:

ما لي نديم سوى ورقاء ساجعة

من بعد مغتبقي فيكم ومصطحبي

إذا أدار إدكار الوصل لي قدحاً

من احمر الدمع غناني على قدحي

وله:

ناجتك من مغنى دمشق حمائم

في دف أشجار تشوق لطفها

فإذا أشار لها النديم بلطفه

غنت عليه بجتكها وبدفها

وقال علاء الدين الوداعي:

وفي أسانيد الأراك حافظ

للعهد يروي صبره عن علقمه

وكلما ناحت به حمامة

روى حديث دمعه عن عكرمه

وقال بدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي:

وتنبهت ذات الجناح بسحرة

بالواديين فنبهت أشواقي

ورقاء قد أخذت فنون الحزن عن

يعقوب والألحان عن اسحاق

قامت تطارحني الغرام جهالة

من دون صحبي بالحمى ورفاقي

أنا تباريني جوى وصبابة

وكآبة وأسى وفيض مآقي

وأنا الذي أملى الهوى عن خاطري

وهي التي تملي من الأوراق

وقال ناصح الدين الأرجاني (ولد سنة ستين وأربعمائة، وتوفي سنة أربعين وخمسمائة) :

من كل أخطب مسكي الإهاب له

في منبر الإيك تسجاع وتهدار

خطيب خطب وقد أفنى السواد به

فمن بقيته في الجيد أزوار

قلت: وأنشدني من لفظه لنفسه الشيخ عز الدين الموصلي رحمه الله تعالى:

مذغنت الورق على عيدانها

كم خلع الجو عليها من ملح

تدرعت سحبا وخاضت شفقا

وطوقت أعناقها قوس قزح

وقال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر:

ذات طوق وذات ريق تغني

فتثني بالوجد من ليس يدري

زيفت ثم كاشفتنا فقلنا

لك زيق وزيق بالقفر

مانراها قد حدثت خاطر النه?

?ر بما قد جرى وما منه يجري

وأنشدني من لفظه لنفسه سيدي وأخي تقي الدين أبي بكر بن حجة:

ناحت مطوقة الرياض وقد رأت

دمعي تلون بعد فرقة حبه

لكن بتلوين الدموع تباخلت

فغدت مطوقة بما بخلت به

وقال الشيخ بدر الدين بن الصاحب:

ناحت حمام البان أن تاهت أسى

لم أدر ما غناؤها من شوقها

عجماء لا تظهر حرفاً من شجى

لأنها مخنوقة بطوقها

وقال أيضاً:

وذات طوق على الأغصان تذكرني

قوام حسنك في ضمى لمعتنقك

قد سودت مهجتي نوحاً فقلت له

سواد قلبي يا ورقاء في عنقك

وقال الأمير مجير الدين بن تميم:

لم أنس قول الورق وهي حبيسة

والعيش منها قد أقام منغصاً

قد كنت ألبس أخضرا من أغصن

فلبست منها بعد ذاك مقفصا

وقال الأمير سيف الدين المشد في قفص:

أنا للطائر سجن

أقتنى كل مليح

قضب البان ضلوعي

وحمام الأيك روحي

وله على لسان الطائر:

يا غصون البان ماذا

بلغ الأحباب عني

ما شجاهم طول نوحي

ما كفاهم فرط حزني

حبسوني عن مطاري

لا لمعنى ولفن

غير أني كنت مهماً

يشرب الراح أغنى

ولمؤلفه لطف الله به من قصيدة:

حمام الأيك أسعدني

فإني حلف تبريح

وحزني حزن يعقوب

فأبكى الصب أو نوحي

وأما الديك فمت ورد فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الديك الأبيض صديقي وعدو عدو الله يحرس دار صاحبه وسبع دور حوله وكان يبيته معه، وزعم أهل التجربة أن الرجل إذا ذبح الديك الأبيض الأفرق لم يزل ينكب في أهله وماله.

قيل: والفرخ يخلق من البياض والصفرة غذاؤه، وقيل ليس في الدنيا أبخل من أهل مرو حتى إن الديك ينزع الحبة من أفواه الدجاج مع أن العادة خلاف ذلك وكأن ماء مرو يقضي ذلك فيسري في جميع حيوانها.

كان مروان ابن أبي حفصة من أبخل الناس مع يساره وما أصابه من الخلفاء لاسيما من بني العباس فإنه كان رسمه أن يعطوه لكل بيت يمدحهم به ألف درهم.

ص: 32