المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الباب السادس عشرفي الروضات والبساتين - مطالع البدور ومنازل السرور

[الغزولي]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأولفي تخير المكان المتخذ للبنيان

- ‌الباب الثانيفي أحكام وضعه وسعة بنائه وبقاء الشرف والذكر ببقائه

- ‌الباب الثالثفي اختيار الجار والصبر على أذاه وحسن الجوار

- ‌الباب الرابعفي الباب

- ‌الباب الخامسفي ذم الحجاب

- ‌الباب السادسفي الخادم والدهليز

- ‌الباب السابعفي البركة والفوارة والدواليب وما فيهن من كلام وجيز

- ‌الباب الثامنفي الباذهنج وترتيبه

- ‌الباب التاسعفي النسيم ولطافة هبوبه

- ‌الباب العاشرفي الفرش والمساند والأرائك

- ‌الباب الحادي عشرفي الأراييح الطيبة والمروحة وما شاكل ذلك

- ‌الباب الثاني عشرفي الطيور المسمعة

- ‌الباب الثالث عشرفي الشطرنج والنرد وما فيهما من محاسن مجموعة

- ‌الباب الرابع عشرفي الشمعة والفانوس والسراج

- ‌الباب الخامس عشرفي الخضروات والرياحين

- ‌الباب السادس عشرفي الروضات والبساتين

- ‌الباب السابع عشرفي آنية الراح

- ‌الباب الثامن عشرفيما يستجلب بها الأفراح

- ‌الباب التاسع عشرفي الصاحب والنديم

- ‌الباب العشرونفي مسامرة أهل النعيم

- ‌الباب الحادي والعشرونفي الشعراء المجيدين

- ‌الباب الثاني والعشرونفي الحذاق المطربين

- ‌الباب الثالث والعشرونفي الغلمان

- ‌الباب الرابع والعشرون في الجوارى ذات الألحان قال الثعالبي في تحفة الأرواح وموائد السرور والأفراح إن كان أجود منه وذلك مع الروية وقال أفلاطون: غناء الملاح تحرك فيه الشهوة والطرب وغناء القباح يحرك فيه الطرب لا الشهوة وقد قيل أحسن الناس غناء من تشبه بالنساء من الرجال ومن تشبه بالرجال من النساء وما أحسن قول القائل:جائت بوجه كأنه قمر…على قوم كأنه غصن

- ‌الباب الخمس والعشرون في الباءة

- ‌الباب السادس والعشرونفي الحمام وما غزى مغزاه

- ‌الباب السابع والعشرونفي النار والطباخ والقدور

- ‌الباب الثامن والعشرونفي الأسماك واللحوم والجزور

- ‌الباب التاسع والعشرونفيما تحتاج إليه الأطعمة من البقول في السفرة

- ‌الباب الثلاثون في الخوان والمائدة وما فيهما من كلام مقبول

- ‌الباب الحادي والثلاثونفي الوكيرة والأطعمة المشتهاة

- ‌الباب الثاني والثلاثونفي الماء وما جرى مجراه

- ‌الباب الثالث والثلاثونفي المشروب والحلواء

- ‌الباب الرابع والثلاثونفي بيت الخلاء المطلوب

- ‌الباب الخامس والثلاثونفي نبلاء الأطباء

- ‌الباب السادس والثلاثون في الحساب والوزراء اعلم أن الوزير مشتق اسمه من حمل الوزر عمن خدمه وحمل الوزير لا يكون إلا بسلامة من الوزير لا يكون إلا بسلامة من الوزير في خلقته وخلائقه أما في خلقته فإنه يكون تام الصورة حسن الهيئة متناسب الأعضاء صحيح الحواس وأما في خلائقه فهو أن يكون بعيد الهمة سامي الرأي ذكي الذهن جيد الحدس صادق الفراسة رحب الصدر كامل المروءة عارفاً بموارد الأمور ومصادرها فإذا كان كذلك كان أفضل عدد المملكة لأنه يصون الملك عن التبذل ويرفعه عن الدناءة ويغوص له عن الفكرة ومنزلته منزلة الآلة يتوصل بها إلى نيل بغيته وبمنزلة الذي يحرز المدينة من دخول الآفة ومنزلة الجارح الذي يصيد لطعمة صاحبه وليس كل أحد وإن أصلح لهذه المنزلة يصلح لكل سلطان ما لم يكن معروفاً بالإخلاص لمن خدمه والمحبة لمن استنصحه والإيثار لمن قربه وقال الثعالبي في يواقيت المواقيت، الوزارة اسم جامع للمجد والشرف والمروءة وهي تلو الملك والإمارة والرتب العلياء والدرجة الكبرى بعدهما، قال المنصور النميري يمدح يحيى البرمكي:ولو علمت فرق الوزارة رتبة…تنال بمجد في الحياة لنالها

- ‌الباب السابع والثلاثون في كتاب الإنشاء وهو فصلانالفصل الأول: فيما يحتاج إليه كاتب الإنشاء من الأخلاق والأدوات والآلات

- ‌الباب الثامن والثلاثون في الهدايا والتحف النفيسة الأثمانذكر ابن بدرون في شرحه لقصيدة ابن عبدون عند ذكر كسرى وبنائه للسور المذكور في الباب السادس من هذا الكتاب ولما بنى كسرى هذا السور هادته الملوك وراسلته، فمنهم ملك الصين كتب إليه من يعقوب ملك الصين صاحب قصر الدار والجوهر الذي في قصره نهران يسقيان العود والكافور والذي توجد رائحة قصره على فرسخين والذي تخدمه بنات ألف ملك والذي في مربطه ألف فيل أبيض إلى أخيه كسرى أنوشروان وأهدى إليه فارساً من در منضد علينا الفارس والفرس من ياقوت أحمر وقائم سيفه من الزمرد منضد بالجوهري وثوباً حريرا صينياً وفيه صورة الملك على إيوانه وعليه حلته وتاجه وعلى رأسه الخدام بأيديهم المذاب المصورة من ذهب تحمله جارية تغيب في شعرها يتلألأ جمالها وغير ذلك مما تهديه الملوك إلى أمثالها

- ‌الباب التاسع والثلاثون في خواص الأحجار وكيانها في المعادنقال الفاضل أبو العباس شهاب الدين أحمد بن يوسف التيشاء: في الجوهر اسم عام يطلق على الكبير والصغير منه فما كان كبيراً فهو الدر وما كان صغيراً فهو اللؤلؤ المسمى حباً ويسمى أيضاً اللؤلؤ الدق ولؤلؤ النظم وحيوان الجوهر الذي يتكون فيه كبيره وصغيره يسمى باليونانية أسطوروس يعلو لحم ذلك الحيوان صدفتان ملازمتان لجسمه والذي يلي الصدفتين من لحمه أسود ولهذا الحيوان فم وأذنان وشحم يلي الفم من داخلهما إلى غاية الصدفتين والباقي رغوة وصدفة وماء

- ‌الباب الأربعون في خزائن السلاح والكنائنسأل عمر بن الخطاب (عمرو بن معدي كرب عن السلاح فقال ما تقول في الرمح قال أخوك وربما خانك فانقصف، قال فما تقول في الترس قال هو المجن وعليه تدور الدوائر، قال فالنبل قال منايا تخطئ وتصيب، قال فما تقول في الدرع قال مفشلة للراجل مغلة للفارس وإنها لحصن حصين، قال فما تقول في السيف قال هنالك لا أم لك يا أمير المؤمنين فعلاه عمر بالدرة وقال له تقول لا أم لك قال الحمى أصرعتني

- ‌الباب الحادي والأربعون في الكتب وجمعها وفضل اتخاذها ونفعهاقال ابن الخشاب ملغزا فيها:

- ‌الباب الثاني والأربعونفي الخيل والدواب ونفعها

- ‌الباب الثالث والأربعونفي مصائد الملوك وما فيها من نظم السلوك

- ‌الباب الرابع والأربعونفي خطائر الوحوش الجليلة المقداد

- ‌الباب الخامس والأربعون في الأسد النبل والزرافة والفيل

- ‌الباب السادس والأربعون في الحمام وما في وصفها من بديع النظام

- ‌الباب السابع والأربعون في الحصون والقصور والآثار وما قيل فيها من رائق الأشعار

- ‌الباب الثامن والأربعون في الحنين إلى الأوطان وتذكر من بها من القطانروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صوتا فارتاع فقيل له في ذلك فقال ظننت أن ساكنا أزعج من منزله، وجاء أيضا حب الوطن من الإيمان وقال ابن عباس (لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ما اشتكى أحد الرزق وكانت العرب إذا سافرت أخذت معها من تربة بلدها تستنشق ريحها وتطرحه في الماء إذا شربته وهكذا كان المتفلسف من البرامكة إذا سافر أخذ معه من تربة مولده في جراب يتدواى به ولما غزا اسفندبار بلاد الخرز اعتل بها فقيل له ما تشتهي قال شربة من دجلة وشميما من تراب اصطخر فأتي به بعد أيام بماء وقبضة من تراب وقيل له هذا من ماء دجلة ومن تربة أرضك فشرب واشتم بالوهم فنقه من علته

- ‌الباب التاسع والأربعونفي دار سكنت كثيرة الحشرات قليلة الخير عديمة النبات

- ‌الباب الخمسونفي وصف الجنان وما فيها من حور وولدان

الفصل: ‌الباب السادس عشرفي الروضات والبساتين

كأنه يعشق شمس الضحى

فانظره في الصبح وعند المغيب

إذا تجلت يتجلى لها

حتى إذا غاب سناها يغيب

يدنو إليها شاخصاً طرفه

ولا يتحاشى نظرات الرقيب

لا يبتغي وجهاً سوى وجههاً

فعل محب مخلص في حبيب

وقال ابن حمديس:

اشرب على بركة نيلوفر

محمرة الأوراق خضراء

كأنما أزهارها أخرجت

ألسنة النار من الماء

وقال ابن تميم وأجاد:

لينوفر لما تلبَّس ماؤه

ثوباً فتاه على النجوم بثوبه

لحظته أعينها فنكس رأسه

خجلاً وغاص من الحيا في ثوبه

وقال أيضاً:

غدا اللينوفر المصفر يحكى الن?

?نجوم فلا يغادرها شبيهاً

تغوص العين فيه إذا تجلى الن?

?نهار وفي ظلام يغوص فيها

وقال أيضاً:

ولينوفر كالزهر شكلاً ومنظراً

محاسنه فيها اللواحظ ترتع

وكل نجوم لكن الفرق بينهما

تغيب صباحاً وهو في الليل يطلع

وقال ابن حجة:

لينوفر الليل مذ أبدى تلونه

أحمر وأزرق من ساسينا وشكا

قلنا له ذاك لون واحد وبه

يسمو وأنت بليد وهو فيه ذكا

‌الباب السادس عشر

في الروضات والبساتين

أجمع جوابو أقطار الأرض على أن منتزهاتها أربعة سفد سمرقند وشعب بوان ونهر الأبلة وغوطة دمشق، قال أبو بكر الخوارزمي قد رأيتها كلها فضل الغوطة على الثلاث كفضل الأربع على غيرهن كأنها الجنة صورت على وجه الأرض فإما السفد فهو نهر تحف به قصور وبساتين وقرى مشتبكة العمائر ما مقداره اثنى عشر فرسخاً في مثلها، وأما شعب بوان فبقعة من نواحي كورة سابور يكون مقدارها فرسخين قد ألحقتها الأشجار ظلالها وجاست الأنهار خلالها وهذا الشعب لبوان بن أبراج أفريدون وفيها يقول المتنبي:

مغاني الشعب طيباً في المعاني

بمنزلة الربيع من الزمان

ولكن الفتى العربي فيها

غريب الوجه والبدن واللسان

ملاعب جنة لو سار فيها

سليمان لسار بترجمان

غدونا نغض الأغصان فيه

على أعرافها مثل الجمان

فسرت وقد حجبن الشمس عني

وجئن من الضياء بما كفاني

وألقى الشرق منها في ثيابي

دنانيراً تفر من البنان

لها ثمر يشير إليك منه

باشربة وقفن بلا أوان

وأمواه تصل بها حصاها

صليل الحلي في أيدي الغواني

إذا غنى الحمام الورق فيها

أجابتها الأغاني والقياني

ومن بالشعب أحوج من حمام

إذا غنى وناح إلى البيان

وقد يتقارب الوصفان جداً

وموصوفاً هما متباعدان

تقول بشعب بوان حصاني

اعن هذا تسير إلى الطعان

أبوكم آدم قد سن هذا

وعلمكم مفارقة الجنان

وأما نهر الأبلة وهو من أعمال البصرة وطوله أربع فراسخ وعلى جانبيه بساتين كأنها بستان واحد قد حط على خط مستقيم وكأن نخله غرس في يوم واحد.

وأما الغوطة وهي من خير دمشق فإنها ناحية يكون طولها ثلاثين ميلاً وعرضها خمسة عشر ميلاً مشتبكة القرى والضياع لا يكاد أن يقع للشمس على أرضها شعاع للالتفاف أشجارها واكتثاف أزهارها.

وللشعر في وصفها قصائد كثيرة أضربنا عن ذكرها لتردد العلل فيما يختار منها إذ كلها حسان لو جمعت لحفيت من تسطيرها الأقلام وكلت البنان، وقد روي في بعض الأخبار عن كعب الأحبار أنه قال: غوطة دمشق بستان الله في أرضه، وقال جمال الدين بن نباتة كتبها المملوك ومنظر الروض قد شاق ودمع الغيث قد رقا ووجه الأرض قد راق والغصون المنعطفة قد أرسلت أهواء القلوب بالأوراق وحمائمها المترنمة قد جذبت القلوب بالأطواق والورد قد أحمر خده الوسيم وفكت أزراره من أجياد القضيب أنامل النسيم وخرجت أكفه من أكمامه بأخذ البيعة على الأزهار بالتقديم.

وقال مجير الدين بن تميم:

كيف السبيل بلثم من أحبته

في روضة للزهر فيها معرك

ما بين منثور وناظر نرجس

مع أقحوان وصفه لا يدرك

وهذا يشير بأصبع وعيون ذا

ترنو إليّ وثغر هذا يضحك

ص: 52

وقال آخر وحللنا موضع كذا فافترشنا من زهره أحسن بساط واستظللنا من شجره بأوفى رواق وطفقنا نتعاطى شموساً من أكف بدور وجسوم نار في غلائل نور إلى أن جرى ذهب الأصيل على لجين الماء ونشبت نار الشفق بفحمة الظلماء.

وقال الشريف على بن دفتر خوان:

ودوحة سكرت أغصانها بصبا

فللهوى في معانيها إشارات

ماست فنقطها غيث بلؤلؤة

ففوق أوراقها منه جمانات

فهن في العين هاءات مطمسة

من اللجين وإن سالت فميمات

وقال علي بن ظافر في منزل قد انقطفت قدود أشجاره وأبسمت ثغوره وذاب كافور مائة على عنبر طيبه وامتدت بكاسات الجلنار أنامل غصونه والنسيم قد خفت واعتل وسقط رداؤه الخفاق في الماء فابتل ووعنت قوته حيى ضعف عن السير واشتد مرضه حتى ناحت عليه نوايح الطير (فخر الترك) أندم المجنوي:

الروض مقتبل الشبيه مؤنق

خضل يكاد نضارة يتدفق

نثر الندى فيه لآلى عقده

فالزهر منه متوج وممنطق

وارتاع من مر النسيم به ضحى

فغدت كمائم نوره تتفتق

وسرى شعاع الشمس فيه فاتقي

منها ومنه سنا شموس تشرق

فالغصن مياس القوام كأنه

نشوان يصبح بالنعيم ويعبق

والطير ينطق معرباً عن شجوه

فيكاد يفهم عنه ذاك المنطق

غرداً يغني للغصون فينثني

طرباً جيوب الطل منه تشقق

والنهر لما راح وهو مسلسل

لا يستطيع الرقص ظل يصفق

فتمل أيام الربيع فإنها

ريحانة الزمن الذي يستنشق

برهان الدين القيراطي في دمشق سمي سهمها على قوس الكواكب وأقبلت من كتائب زهورها في مواكب وتحرك عودها حين غنت عليه من الورق القيان وطفح يزيدها فقلت وهذا مما يعجب أبا سفيان، وقال سيدنا ومولانا أقضى القضاة بدر الدين محمد المخزومي المالكي الشهير بابن الدماميني أسبغ الله عليه ظلاله يصفها عند دخوله إليها في ثامن رمضان المعظم سنة ثمانمائة ونقلتها من خطة فتأملها المملوك فإذا هي جنة ذات ربوة وقرار معين وبلدة تبعث محاسنها الفكر على حسن الوصف وتعين وحسبك بالجامع الفارق بينها وبين سواها والأنهار التي إذا ذكر قتل المحل فما أجراها وإذا سمع حديث الخصب فما أرواها ما أقول إلا منتزهات مصر عارية من المحاسن وهذه ذات الكسوة ولا أن النيل احتراق إلا من الأسف حيث لم يسعده الدهر بالصعود إلى تلك الربوة ولا أظنه أحمر إلا خجلاً من صفاء أنهارها ولا ناله الكسر إلا لتأمله بالانقطاع عن الوصول إلى سقي أزهارها فلو رأى العاشق جبهتها لسلا بمصر معشوقه ونسي ظهور جواريه المتحببة بمقامات غصونها الممشوقة ولو تطاولت المجنونة إلى المفاخرة لتأخرت إلى خلفها متخبلة وأجمحت عن الأقدام حين تحركت لها بدمشق السلسلة وحق مصر أن لايجري حديث المفاخرة في وهمها وأن تتقي شر المنازعة قبل أن تصاب في هذه البلدة بسهمها فسقى الله منتزهاتها التي طرب المملوك برؤية حبكها وطالما اهتزت له المعاطف على السماع ورأى بها كل نهر ذاب عنه الجليد فانعقد على حلاوة شكره الإجماع تروع حالية العذارى فتلمس جانب العقد النظيم.

وقال البدر يوسف لؤلؤ الذهبي:

هلم يا صاح إلى روضة

يجلو بها العاني صدا همه

نسيمها يعثر في ذيله

وزهرها يضحك في كمه

وقال ابن عمار:

يا ليلة بتناها في ظل أكناف النعيم من

فوق أكمام الرياض وتحت أذيال النسيم

وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي في تشبيه القمر من خلال الأغصان:

كأنما الأغصان لما انثنت

أمام بدر التم في غيهبه

بنت مليك خلف شباكها

تفرجت منه على موكبه

ص: 53

وقال سيدنا بدر الدين محمد بن الدماميني في كتابه الذي وضعه على غيث الأدب الذي انسجم في شرح لامية العجم تصنيف الشيخ صلاح الدين الصفدي وسماه كتاب نزول الغيث عند ذكر هذين البيتين: ظاهر هذه العبارة أن الأغصان شبهت في حال انثنائها أمام البدر في الدجا ببنت مليك تطل من خلف شباكها للنظر في موكب أبيها وذلك عن مظان التوجيه بمعزل ومقصوده أن البدر في حال ظهوره من خلال الأغصان المثنية على الصفة المذكورة شبه ببنت مليك على تلك الحالة تمثيلاً للهيئة الاجتماعية بشبيهها لكن لفظه لا يساعده على هذا المطلوب فإنه جعل الأغصان مبتدأ وأخبر عنه بقوله بنت مليك فلم يتم له المراد وكثير ما يقع له في هذا.

قال يصف خالاً على شفة:

قد شبه الخال على ثغره

تشبيه من لا عنده شك

كسبحة من جوهر تضمنت

حق حقيق قفله مسك

وأين هذا من قول الطغرائي:

انظر إلى الجنة في ثغره

لا ريب في ذاك ولا شك

أما ترى فيه الرحيق الذي

ختامه من خاله مسك

على أن مقطوع الصفدي الأول مع ما فيه من العيب مأخوذ من قول ابن قرناص.

وحديقة غناء ينتظم الندى

بفروعها كالدر في الأسلاك

والبدر يشرق من خلال غصونها

مثل المليح يطل من شباك

وقد عيب هذا البيت وشتان بين ذاك وبينه فتأمله: انتهى كلام الشيخ بدر الدين وقال بعضهم وأحسن: نحن في عب سماء أقلعت بعد الارتواء وأقشعت عند الاستغناء والنبت خضل ممطور والنقع ساكن محصور رش جبين النسيم وابتل جناح الهوى وضربت خيمة الغمام واعرورقت مقلة السماء وقام خطيب الرعد ونبض عرق البرق.

وقال ابن الساعاتي (توفي سنة أربع وستمائة بالقاهرة وعمره إحدى وخمسون سنة) :

ولد نزلت بروضة عبقية

رتعت نواظرنا بها والأنفس

فظللت أعجب حيث يحلف صاحبي

والمسك من نفحاتها يتنفس

ما الدوح إلا جوهر والجو إلا

عنبر والأرض إلا سندس

سفرت شقائها فهم الأقحوا

ن فرنا إليها النرجس

فكأن ذا خد وذا ثغر تحا

وله وذا أبدا عيون تحرس

بدر الدين بن يوسف بن لؤلؤ الذهبي رحمه الله تعالى:

وحديقة مطلولة باكرتها

والشمس ترشف ريق أزهار الربا

ينكسر الماء الزلال على الحصا

وإذا غدا بين الرياض تشعبا

وقال:

باكر إلى الروضة نستحلها

فثغرها ياصاح بسام

والنرجس الغض اعتراه الحيا

فغض طرفاً فيه أسقام

والغصن فيها ألف قد بدا

والنهر في أرجائها لام

وبلبل الدوح فصيحاً على

الأريكة والشحرور تمتام

صفوان بن أدريس (توفي سنة 98 رحمه الله تعالى) :

جاد الربا من بانة الجرعاء

نوآن من دمعي وغيم سماء

يا ليت شعري والزمان منقل

والدهر ناسخ شدة برخاء

هل نلتقي في روضة موشيه

خفاقة الأغصان والأفياء

وننال فيه من تألفنا ملوماً

فيه سخنة أعين الرقباء

في حيث اطلعت الغصون سوالفاً

قد قلدت بلآلئ الأنداء

وجرت ثغور الياسمين فقبلت

عني عذراء الآسة الميساء

والورد في شط الخليج كأنه

رمد ألم بمقلة زرقاء

وكأن غصن الزهر في خضر الربا

زهر النجوم تلوح في الخضراء

وكأنما جاء النسيم مبشراً

للروض يخبره بطول نواء

فكساه خلعة طيبة ورمى له

بدراهم الأزهار رمى سخاء

وكأنما احتقر الضبيع فبادرت

بالعذر عنه نغمة الورقاء

والغصن يرقص في حلي أوراقه

كالخود في موشية خضراء

واجتر ثغر الأقحوان بما رأى

طرباً وقهقه منه جري الماء

أفديه من أنس تصرم وانقضى

فكأنه قد كان في الإغفاء

ص: 54

ونقلت من خط سيدنا ومولانا بدر الدين محمد بن الدماميني هذا اللغز وكتب به إلى بعض الفضلاء الثغر المحروس ما قول مولانا أبقاه الله تعالى وضاعف إقباله ووالي في ذات ينعم بها الجاني وتطرب في مرابعها الألحان المغنية عن المثالث والمثاني خرساء لاتعرف حديث الأدب المأثور وطالما تأملها الكاتب فوجد بها السجع والمنثور عيونها تذبل إذا شربت وأعطافها ترقص إذا طربت طالما تحركت السواكن وهاجت البلابل ونهر من سأل عنها فاستعذب نهرها السائل وروى منها عن الزهري حديث حسن ولم يعز إليها مع ذلك براعة ولا لسن ورمقت الأعين خدودها وودت الأنفس على الحالين ورودها استحسنت الخواطر حديث راويها إذا اعتل واستروجت لنفسه الطيب إذا اختل إن عرف لفظها كان عاماً لمحل لا يطرقه محل ولا ينكر تأنيثه فحل يحدث المصري بحلاوته ويخبر بلفظه وطلاوته قد سهر من قديم تألقه البسطة وجهل السكر على أنه مازال يقول بالنقطة يعرف المعشوق وآثاره وينال من المشتهي أمانيه وأوطاره وتوطأ فيحمد حمله الأنعال وتقف عنده الجواري على الأرجل فلا تود الانتقال وينشد من شغف بمعانيه وبعث طرفه لتأمل مغانيه وكتب إذا أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر وإلا فعلم على جملة يعرفها الطالب ويحسن ارتكاب المهالك لنيل ما فيها من المطالب قد فتحت لأرباب المقاصد أبوابها ومنحت الإفهام الضالة هديها وصوابها وصحت بما اشتملت عليه من العلل ونسخت مع أنها أحكمت بالسلامة على الحلل:

وقد بسقت منها الفروع وأثمرت

إلى أن جنا منها الورى ثمر العليا

وفي وصفها يبدو الطباق فضدها

يموت بها غماً وصاحبها يحيي

الوزير بن عمار:

وليل لنا بالسد بين معاطف

من النهر ينساب انسياب الأراقم

بحيث اتخذنا الروض جاراً تزورنا

هداياه في أيدي الرياح البواسم

تبلغاً أنفاسه فتردها

بأعطرها أنفاس وأزكى المباسم

تسير إلينا ثم عنا كأنها

حواسد تمشي بيننا بالنمائم

وقال القاضي بدر الدين بن الدماميني لنفسه رحمه الله:

يقول مصاحبي والروض زاه

وقد بسط الربيع بساط زهري

تعال نباكر الروض المفدا

وقم نسعى إلى ورد ونسري

وقال أبو جعفر ابن الشعري (توفي سنة إحدى وثلاثين وستمائة) :

يا هل ترى أظرف من يومنا

قلد جيد الأفق طوق العقيق

وأنطق الورق بعيدانها

مرقصة كل قضيب وريق

والشمس لا تشرب خمر الندى

في الروض إلا بكئوس الشقيق

وقال بعضهم:

في روضة علم أغصانها

أهل الهوى العذري كيف العناق

هبت بها ريح الصبا سحرة

فالتفت الأشجار ساق بساق

وقال الشيخ عز الدين الموصلي ونقلتها من خطه رحمه الله تعالى:

منابر الدوح فيها الورق قد سجعت

فمالت القضيب للألحان واستمعت

وهاجها سحراً مر النسيم فمذ

هب القبول إلى طيب الصبوح دعت

أبدت فرادى ومثنى من عجائبها

تلك الرياض التي للحسن قد جمعت

بينا ثغور بها للزهر قد بسمت

أضحت عيوناً بماء الطل قد دمعت

ومذ تلون وجه الروض قابله

نهر به أعين في صدره دفعت

وقال الشيخ الفاضل الكامل يحيي بن هذيل التجيبي أبو زكريا كذا ذكره العلامة ذو الوزارتين لسان الدين محمد بن الخطيب في تاريخه الإحاطة بتاريخ غرناطة (وذكر وفاته سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة) :

نام طفل النبت في حجر النعامى

لاهتزاز الظل في مهد الخزاما

وسقى الوسمي أغصان النقا

فهوت تلثم أفواه الندامى

كحل الفجر لهم جفن الدجى

وغدا في وجنة الصبح لثاماً

يحسب البدر محيا ثمل

قد سقته راحته الصبح مداماً

حوله الزهر كئوس قد غدت

مكسة الليل عليهن ختاماً

وقال الوزير العلامة فخر الدين عبد الرحمن بن مكانس تغمده الله بالرحمة يصف شجرة بشاطئ النيل المبارك بالروضة:

يا سرحة الشاطئ المنساب كوثره

على اليواقيت في أشكال حصباء

حلت عليك عز إليها السحاب إذا

نوء الثريا استهلت ذات أنوائي

فغن تبسم فيك النور من جذل

سقاك من كل غيم كل بكائي

ص: 55

رحماك بالوارف المعهود منك فكم

لنا بظلك من أهواء أهوائي

وكم نزلنا مقيلاً منك ما حمي الهجير

إذ حيث لا مرائي لحربائي

يظل من قبل الفضفاض في ظل

من الغمام يقينا كل ضرائي

يا طيبة بدواء القيض عالمة

أنت الشفاء لدى الرمضا من الداء

لاصوح الدهر منك الزهر وانبجست

عليك كل هتون الودق سوداء

عصابة الشرب اموار روض زاهرة

تعزي لأكرام أخوال وآبائي

خمائل لالروض منشاها ومرضعها

ضرع النميرين من نيل وأنوائي

فاستمهدت دوحها المخحضل وافترست

لجم الربا ورقت عرشاً على الماء

قريرة العين بالأنواء باردة ال?

?قلب الذي لم تنله غير سراء

مقيل ندمان بل مغني حمائل بل

كناس أرام بل أفناء درماء

لها مطارف سجسج فمصيفها

ظل يعادل فيه طيب مشتاء

قديمة العهد هزتها الصبا فصبت

فهي العجوز تهادي هدى مرهاء

لايدرك الطرف أقصاها على كلك

حتى تعود له لحظات حولاء

وصوت بلبلها الراقي ذرى غصن

بحلة من دمقس الريش دكناء

كقرع ناقوس ديري على شرف

مسبح في سواد الليل دعاء

خلية حين أجنيت الضلوع على

نار بشجوى بها لاحب لمياء

تهكمت بي فلم تجني أضالعها

على الهواء وأجنتها على الماء

بديعة الحسن قد فاز الجناس لها

من المعاني بأفنان وأفياء

وقام عنها لسان الزهر ينشدنا

للهو كم ارج ما بين أرجاء

كم صفق الموج من أزهارها طرباً

فنقطته بيضاء وصفراء

وكم طربت لما أبدته من ملح

يصبو له كل ذي عقل وآراء

وجدت بالتبر من مالي ومن أدبي

فكنت في كل حال منهما الطاء

كأنها من جنان الخلد قد كملت

حسناً وحسبك من خضراء العاء

كأن أغصانها اللدان الرشاق إذا

هصرت أفنانها أعطاف وطفاء

كأن صمغتها الحمرا بقشرتها ال

?دكناء قرص على أعكان سمراء

كأنها فوق دعص الموج غذ سفحت

هضابه سفح وأدرب أفياء

مالت على النهر إذ جاش الخوير به

كأنها أذن مالت لإصغاء

كأنما النهر مرآة وقد عكفت

عليه تدهش في حسن ولألاء

ذو شاطئ راق غب القطر فهو على

نهر الأبله يزري أي أزراء

كأنه عند تفريك النسيم له

فرند سيف نضته كف جلاء

كأنه شبك من لؤلؤ نظمت

أو جوهر السن أو تحليل رقشايء

كأنه حين يهدي زرقة وصفا

رقراق عين بوجه الأرض شهلاء

وكم شدتنا حمامات الأراك على

أغصانها فأرتنا رقص هيفاء

من كل ورقاء من الأفنان صادحة

بين الحدائق في فيحاء زهراء

ورق تغنت بحيات رقين على

عيدانها قاله في مغناه وغناء

باكرتها في سراة من اصاحبنا

لاينطوون على حقد وشحناء

تداعبوا بمعاني شعرهم فأروا

ود الأحبة في ألفاظ أعداء

من شيخ مجنون في شباب فتى

يقري المجون بقلب غير نساء

يسعى إليها على جرداء جارية

من أيكها كهلال الأفق حدباء

نوحية الصنع والأحكام منشأة

تسير ما سيرت من غير أعياء

سوداء تحكي على الماء المصندل شا

مة على شفة كالشهد لعساء

ساجية ألبستها الصانعون لها

من التدابيج ما يزهو بصنعاء

غريبة ذات الوان وأجنحة

لم أدر تعزي لروض أو لعنقاء

لم يستطع شاوها إذ سيرها عنق

عز الجياد على كد وانضاء

كم قد نعمنا بها عيشاً بصافية

شمطاء تجلي على الخلاء عذراء

مما تخيرها كسرى وأودعها

رب الخورنق في قوراء جوفاء

راحا إذا ركع يمزجها

سمعت من صوته تسبيح فأفاء

أم السرور التي أبقى الزمان بها

جزؤ الحياة وقد ألوى بأجزاء

فعاطيتها على طل الندى سحراً

فإن ترشافها موتى وأحياء

واستجلها بنت مصر تستطيل على

بغداد والموصل الحدبا وسوراء

كم بين من قام معتل النسيم بها

على اعتدال وحدباء وزوراء

من كف ظبي وشاد أو وشادية

تشدو لنا بين صوت العود والناء

ص: 56

على الحدائق لا الآكام تنقحنا

ريح البنفسج لانشر الخزاماء

أما أنا لست نواحاً على طلل

ولا خليط ولا نداب أحياء

تركته لأناس كالتيوس غنوا

عن المدام بدر الإبل والشاء

يعزون للشعر لكن من جهالتهم

لم يفرقوا بين إيطاء وإقواء

من كل ألكن عند البحث منقطع

كأنه واصل والشعر كالزاء

وقال الشيخ برهان الدين القيراطي:

أشتاق في وادي دمشق معهداً

كل الجمال إلى حماه ينسب

ما فيه إلا روضه أو جوشق

أو جدول أو بلبل أو ربرب

وكان ذاك النهر فيه معصم

بيد النسيم منقش وكتب

وإذا تكسر ماؤه أبصرته

في الحال بين رياضه يتشعب

وشدت على العيدان ورق أطربت

بغنائها من غاب عنه المطرب

فالورق تشدو والنسيم مشبب

والنهر يسقي والحدائق تشرب

وضياعها ضاع النسيم بها فكم

أضحى له من بيننا متطلب

وخلت بقلبي من عسالة حبه

فيها أرباب الخلاعة ملعب

ولكم طربت على السماع بجنكها

وغدا بربوتها اللسان يشبب

فمتى أزور معالماً أبوابها

بسماحها كتب الكرام تبوب

وقال ابن ظافر في بدائع البداية: اجتمع الوزير أبو بكر بن القبطرنة والأديب أبو العباس بن صارة في يوم جلا ذهب برقه وأذاب ورق والأرض قد ضحكت لتعبيس السماء واهتزت وربت عند نزول الماء فقال ابن صارة:

هذي البسيطة كاعب أبرادها

حلل الربيع وحليها النوار

فقال ابن القيطرنة:

فكأن هذا الجو فيها عاشق

قد شفه التعذيب

فقال ابن صارة:

وإذا شكا فالبرق قلب خافق

وإذا بكى فدموعه الأمطار

فقال ابن القيطرنة:

من أجل ذلة ذا وعزة هذه

تبكي الغمام وتضحك الأزهار

وقال ابن تميم:

لو كنت إذا نادمت من أحببته

في روضة تسبي العقول وتفتن

لرأيتها وعيونها من غيره

مني تفيض ووجهها يتلون

وقال محيي الدين بن عبد الظاهر: والأغصان قد أخضر نبات عارضها ودنانير ودراهمها وقد تهيأت لتسليم قابضها والمنثور وقد نظمت قلائده وصيغت ولائده والحور وقد جاوز السهى بالبياشير والسرور قد كشف عن سوقها وقالت لها تلك الغدران بهديرها إنه صرح ممرد من قوارير والسوسان وقد لاحظ جفنه الوسنان والورد وقد ورد والبان وقد بان.

وقال الشيخ عز الدين الموصلي ونقلها من خطه رحمه الله تعالى:

وروضة نقشتها للحيا إبر

فأصبحت بين تطريز وتزهير

مثل السوار لها سور أحاط بها

من سلسل هي منه ذات تسوير

أو كالخلاخيل للادواح دار على

سوق لها مطلقا في زي مأسور

تحت الغياض رياض دبجت فبدت

ألوانها ذات تشهير وتشذير

أغصانها الند والأوراق سوسنه

والزهر عرق ياقوتا ببلوري

والزهر شعاع الشمس تحسبه

دراهما نثرت بين الدنانير

والظل ثوب إذا مر النسيم به

فالروض ما بين مهتوك ومستور

ونهرها زائد بالخصب يدنينا

كصارم في سبيل الله مشهور

وقال:

وروض نجم الزهر أصبح معجبا

فتحسده من حسنه الأنجم الزهر

مذ أرجف الماء النسيم تدرعت

مزردة الأثواب من خوفها الغدر

فللروض تدبيج بألوان زهره

وللغصن من أوراقه الحلل الخضر

فراع نصيرا من حنان جناسه

فحلى الضحى زهر وحلى الدجى زهر

وأغربت الألحان في الدوح ورقة

فكن قيانا دونها أسبل الستر

وأسفر للأصباح خد مورد

ومن قبله حبى بريحانة الفجر

وقال العفيف التلمساني قدس الله سره:

انظر إلى الأغصان في حركاتها

الشكرها أم سكرها تتأود

فتقول أرباب البطالة ينثني

وتقول أرباب الحقيقة يسجد

وقال شهاب الدين بن دمرداش (مولده سنة ثمان وثلاثين وستمائة، ووفاته سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة) :

انظر إلى الأشجار تلق رءوسها

شابت وطفل ثمارها ما أدركا

وعبيرها قد ضاع من أكمامها

وغدا بأذيال الصبا متمسكا

وقال برهان الدين القيراطي من قصيدة:

تشوقني الفات الروض مائلة

من النسيم سكارى وهي دالات

ص: 57

ولي من الورق في أوراقها طربا

كأنهن على العيدان قينات

وقال الشيخ مجد الدين الأرموي (توفي سنة إحدى عشرة وسبعمائة) :

كم للنسيم على الربا من نغمة

وفضيلة بين الورى لن تجحدا

ما زادها وشكت إليه فاقة

إلا وهزلها الشمائل بالندى

وقال محيي الدين بن قرناص رحمه الله تعالى:

أظن نسيم الروض والزهر قد روى

حديثا ففاحت من شذاها المسالك

وقال دنا فصل الربيع فكله

ثغور لما قال النسيم ضواحك

وقال الفاضل علاء الدين علي بن ظافر العسقلاني في كتابه بدائع البداية قال اجتمعت أنا والقاضي الأعز يوما فقلت له أجز:

طار نسيم الروض من وكر الزهر

فقال:

وجاء مبلول الجناح بالمطر

قلت: الشيء بالشيء يذكر، ذكرت بقول العسقلاني ما أنشدني من لفظه لنفسه الشيخ عز الدين الموصلي محاجيا:

يا من له حسن لفظ يثنى عليه المثاني

ما مثل قول الهاجي أحوى الشفاه جفاني

وذكرت بلطف هذه الأحجية ما أنشدنيه من لفظه لنفسه سيدنا ومولانا الفاضل المفتن المحدث المؤرخ شهاب الدين أحمد بن الشيخ نور الدين علي الشهير بابن حجر أبقاه الله محاجيا:

يا فاضلا هو في الأحاجي ليس يخلو من ولع

ما مثل قولك للذي يبكي الحبيب اسكت رجع

وظرف من قال:

وروضة رقصت أغصانها وشدت

أطيارها وتولى سقيها المحب

وظل شحرورها الفريد تحسبه

أسويداً زامراً مزماره ذهب

وقال ابن خفاجة في نهر تحف به أشجار:

قد رق حتى ظن درعا مفرغا

من فضة في بردة خضراء

وغدت تحف بها الغصون كأنها

هدب تحف بمقلة زرقاء

وقال الرصافي نهر تحف به شجرة:

فاتت عليه مع الظهيرة سرجة

صدئت لعينها صفيحة مائه

فتراه أزرق في غلالة سمرة

كالراع يستقلي بظل لوائه

وقال نور الدين علي بن سعيد:

كأنما النهر صفحة كتبت

أسطرها والنسيم ينشئها

لما أبانت عن حسن منظرها

مالت عليه الغصون تقرؤها

وقال بعض المغاربة وأجاد الغاية:

ومنمنم الشطين أحكم صقله

كالمشرق قد اكتسى بفرنده

فخمائل الديباج منه حمائل

متعانق فيها البهار بورده

ولقد اختفى طرف له في دوحة

كالسيف رد ذبابه في غمده

وقال محيي الدين بن عبد الظاهر رحمه الله:

وبطحاء في روض يروقك روضها

ولا سيما إن جاد غيث مبكر

تلاحظها عين تفيض بأدمع

يرقرقها منه هنالك محجر

بها فاض نهر من لجين كأنه

صفايح أضحت بالنجوم تسمر

كأن حصاها إذ بدا فيه أحمر

وأبيض دمع في خدود ينثر

وإلا فبرد بالظلال مسهم

وإلا فطراس بالتجعد يسطر

وما لاح في جنبيه نبت وإنما

تبدا عذارا منه في الخد أخضر

وكم غازلته للغزالة مقلة

تسارق أوراق الغصون فتنظر

وتبصر منه كل حسن فينبري

حياء لديه وجهها وهو أصفر

إذا فاخرته الريح ولت عليلة

بأذيال كثبان الربى تتعثر

به الفضل يبدو والربيع وكم غدا

به الروض يحيى وهو لا شك جعفر

وقال علي بن ظافر: مررت أنا والقاضي الأعز رحمه الله تعالى بساقية تتلوى تلوي الأفعوان، وتخفق خفقان قلب الجبان، والزهر قد نظم بلبتها عقودا فوق أثوابها الممسكة والنسيم يكسوها ويسلبها غلائل معركة فقلت: أساقية أم أرقم فر هاربا فقال: أم الريح قد هزت من الماء قاضبا فقلت:

حصا مثل در الثغر أجرى زلاله

رضاباً وأبدى نبته النضر شاربا

فقال:

يوشحها زهر الرياض قلائدا

ويلبسها مر الرياح جلائبا

وقال الأديب أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة:

ورائحة رباتها تهابها الصبا

تهادى عطف المترف المتخرر

وقد صقلت من صفحة الماء منصلا

به من شعاع الشمس رونق جوهر

فمن شبك قد حيك حوك مفاضة

ومن سمك قد صيغ صيغة خنجر

وقد نظرت شمس الأصيل إلى الربا

فأضعف من طرف المريب وأفتر

ولاح على بلورة من غديره

شعاع شراب للعيشة أصفر

وصفرة مسواك الأصيل تروقني

على لعس من مسقط الشمس أسمر

ص: 58