المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الباب السابع والأربعون في الحصون والقصور والآثار وما قيل فيها من رائق الأشعار - مطالع البدور ومنازل السرور

[الغزولي]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأولفي تخير المكان المتخذ للبنيان

- ‌الباب الثانيفي أحكام وضعه وسعة بنائه وبقاء الشرف والذكر ببقائه

- ‌الباب الثالثفي اختيار الجار والصبر على أذاه وحسن الجوار

- ‌الباب الرابعفي الباب

- ‌الباب الخامسفي ذم الحجاب

- ‌الباب السادسفي الخادم والدهليز

- ‌الباب السابعفي البركة والفوارة والدواليب وما فيهن من كلام وجيز

- ‌الباب الثامنفي الباذهنج وترتيبه

- ‌الباب التاسعفي النسيم ولطافة هبوبه

- ‌الباب العاشرفي الفرش والمساند والأرائك

- ‌الباب الحادي عشرفي الأراييح الطيبة والمروحة وما شاكل ذلك

- ‌الباب الثاني عشرفي الطيور المسمعة

- ‌الباب الثالث عشرفي الشطرنج والنرد وما فيهما من محاسن مجموعة

- ‌الباب الرابع عشرفي الشمعة والفانوس والسراج

- ‌الباب الخامس عشرفي الخضروات والرياحين

- ‌الباب السادس عشرفي الروضات والبساتين

- ‌الباب السابع عشرفي آنية الراح

- ‌الباب الثامن عشرفيما يستجلب بها الأفراح

- ‌الباب التاسع عشرفي الصاحب والنديم

- ‌الباب العشرونفي مسامرة أهل النعيم

- ‌الباب الحادي والعشرونفي الشعراء المجيدين

- ‌الباب الثاني والعشرونفي الحذاق المطربين

- ‌الباب الثالث والعشرونفي الغلمان

- ‌الباب الرابع والعشرون في الجوارى ذات الألحان قال الثعالبي في تحفة الأرواح وموائد السرور والأفراح إن كان أجود منه وذلك مع الروية وقال أفلاطون: غناء الملاح تحرك فيه الشهوة والطرب وغناء القباح يحرك فيه الطرب لا الشهوة وقد قيل أحسن الناس غناء من تشبه بالنساء من الرجال ومن تشبه بالرجال من النساء وما أحسن قول القائل:جائت بوجه كأنه قمر…على قوم كأنه غصن

- ‌الباب الخمس والعشرون في الباءة

- ‌الباب السادس والعشرونفي الحمام وما غزى مغزاه

- ‌الباب السابع والعشرونفي النار والطباخ والقدور

- ‌الباب الثامن والعشرونفي الأسماك واللحوم والجزور

- ‌الباب التاسع والعشرونفيما تحتاج إليه الأطعمة من البقول في السفرة

- ‌الباب الثلاثون في الخوان والمائدة وما فيهما من كلام مقبول

- ‌الباب الحادي والثلاثونفي الوكيرة والأطعمة المشتهاة

- ‌الباب الثاني والثلاثونفي الماء وما جرى مجراه

- ‌الباب الثالث والثلاثونفي المشروب والحلواء

- ‌الباب الرابع والثلاثونفي بيت الخلاء المطلوب

- ‌الباب الخامس والثلاثونفي نبلاء الأطباء

- ‌الباب السادس والثلاثون في الحساب والوزراء اعلم أن الوزير مشتق اسمه من حمل الوزر عمن خدمه وحمل الوزير لا يكون إلا بسلامة من الوزير لا يكون إلا بسلامة من الوزير في خلقته وخلائقه أما في خلقته فإنه يكون تام الصورة حسن الهيئة متناسب الأعضاء صحيح الحواس وأما في خلائقه فهو أن يكون بعيد الهمة سامي الرأي ذكي الذهن جيد الحدس صادق الفراسة رحب الصدر كامل المروءة عارفاً بموارد الأمور ومصادرها فإذا كان كذلك كان أفضل عدد المملكة لأنه يصون الملك عن التبذل ويرفعه عن الدناءة ويغوص له عن الفكرة ومنزلته منزلة الآلة يتوصل بها إلى نيل بغيته وبمنزلة الذي يحرز المدينة من دخول الآفة ومنزلة الجارح الذي يصيد لطعمة صاحبه وليس كل أحد وإن أصلح لهذه المنزلة يصلح لكل سلطان ما لم يكن معروفاً بالإخلاص لمن خدمه والمحبة لمن استنصحه والإيثار لمن قربه وقال الثعالبي في يواقيت المواقيت، الوزارة اسم جامع للمجد والشرف والمروءة وهي تلو الملك والإمارة والرتب العلياء والدرجة الكبرى بعدهما، قال المنصور النميري يمدح يحيى البرمكي:ولو علمت فرق الوزارة رتبة…تنال بمجد في الحياة لنالها

- ‌الباب السابع والثلاثون في كتاب الإنشاء وهو فصلانالفصل الأول: فيما يحتاج إليه كاتب الإنشاء من الأخلاق والأدوات والآلات

- ‌الباب الثامن والثلاثون في الهدايا والتحف النفيسة الأثمانذكر ابن بدرون في شرحه لقصيدة ابن عبدون عند ذكر كسرى وبنائه للسور المذكور في الباب السادس من هذا الكتاب ولما بنى كسرى هذا السور هادته الملوك وراسلته، فمنهم ملك الصين كتب إليه من يعقوب ملك الصين صاحب قصر الدار والجوهر الذي في قصره نهران يسقيان العود والكافور والذي توجد رائحة قصره على فرسخين والذي تخدمه بنات ألف ملك والذي في مربطه ألف فيل أبيض إلى أخيه كسرى أنوشروان وأهدى إليه فارساً من در منضد علينا الفارس والفرس من ياقوت أحمر وقائم سيفه من الزمرد منضد بالجوهري وثوباً حريرا صينياً وفيه صورة الملك على إيوانه وعليه حلته وتاجه وعلى رأسه الخدام بأيديهم المذاب المصورة من ذهب تحمله جارية تغيب في شعرها يتلألأ جمالها وغير ذلك مما تهديه الملوك إلى أمثالها

- ‌الباب التاسع والثلاثون في خواص الأحجار وكيانها في المعادنقال الفاضل أبو العباس شهاب الدين أحمد بن يوسف التيشاء: في الجوهر اسم عام يطلق على الكبير والصغير منه فما كان كبيراً فهو الدر وما كان صغيراً فهو اللؤلؤ المسمى حباً ويسمى أيضاً اللؤلؤ الدق ولؤلؤ النظم وحيوان الجوهر الذي يتكون فيه كبيره وصغيره يسمى باليونانية أسطوروس يعلو لحم ذلك الحيوان صدفتان ملازمتان لجسمه والذي يلي الصدفتين من لحمه أسود ولهذا الحيوان فم وأذنان وشحم يلي الفم من داخلهما إلى غاية الصدفتين والباقي رغوة وصدفة وماء

- ‌الباب الأربعون في خزائن السلاح والكنائنسأل عمر بن الخطاب (عمرو بن معدي كرب عن السلاح فقال ما تقول في الرمح قال أخوك وربما خانك فانقصف، قال فما تقول في الترس قال هو المجن وعليه تدور الدوائر، قال فالنبل قال منايا تخطئ وتصيب، قال فما تقول في الدرع قال مفشلة للراجل مغلة للفارس وإنها لحصن حصين، قال فما تقول في السيف قال هنالك لا أم لك يا أمير المؤمنين فعلاه عمر بالدرة وقال له تقول لا أم لك قال الحمى أصرعتني

- ‌الباب الحادي والأربعون في الكتب وجمعها وفضل اتخاذها ونفعهاقال ابن الخشاب ملغزا فيها:

- ‌الباب الثاني والأربعونفي الخيل والدواب ونفعها

- ‌الباب الثالث والأربعونفي مصائد الملوك وما فيها من نظم السلوك

- ‌الباب الرابع والأربعونفي خطائر الوحوش الجليلة المقداد

- ‌الباب الخامس والأربعون في الأسد النبل والزرافة والفيل

- ‌الباب السادس والأربعون في الحمام وما في وصفها من بديع النظام

- ‌الباب السابع والأربعون في الحصون والقصور والآثار وما قيل فيها من رائق الأشعار

- ‌الباب الثامن والأربعون في الحنين إلى الأوطان وتذكر من بها من القطانروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صوتا فارتاع فقيل له في ذلك فقال ظننت أن ساكنا أزعج من منزله، وجاء أيضا حب الوطن من الإيمان وقال ابن عباس (لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ما اشتكى أحد الرزق وكانت العرب إذا سافرت أخذت معها من تربة بلدها تستنشق ريحها وتطرحه في الماء إذا شربته وهكذا كان المتفلسف من البرامكة إذا سافر أخذ معه من تربة مولده في جراب يتدواى به ولما غزا اسفندبار بلاد الخرز اعتل بها فقيل له ما تشتهي قال شربة من دجلة وشميما من تراب اصطخر فأتي به بعد أيام بماء وقبضة من تراب وقيل له هذا من ماء دجلة ومن تربة أرضك فشرب واشتم بالوهم فنقه من علته

- ‌الباب التاسع والأربعونفي دار سكنت كثيرة الحشرات قليلة الخير عديمة النبات

- ‌الباب الخمسونفي وصف الجنان وما فيها من حور وولدان

الفصل: ‌الباب السابع والأربعون في الحصون والقصور والآثار وما قيل فيها من رائق الأشعار

‌الباب السابع والأربعون في الحصون والقصور والآثار وما قيل فيها من رائق الأشعار

ما أسخن وقول القاضي الفاضل ووردنا حصين كوكب وهو نجم في سحاب وعقاب في عقاب وهامة لها الغمامة عمامة وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لنا قلامة، وقال الشيخ شهاب الدين محمود: حصن قد تفرط بالنجوم وتقرطق بالغيوم وسما فرعه إلى السماء ورسى أصله إلى التخوم وتخال الشمس إذا علت أنها تنتقل في أبراجه ويظن من سها إلى السها أنها ذبالة في سراجه لا يعلوه من مسمى الطير غير نسر السما وزمامه ولا يرمق متبرجات بروجه غير عين الشمس والمقل التي تطرف من أنجمه وحوله كل شامخ تهيب عقاب الجو قطع عقابه وتقف الريح حسرى إذا توقلت في هضابه تخفق العيون إذا رمقته سلوك ما دونه من المحاجر ويحيل الفكر وصورة الترقي إليه لا يبلغها حتى تبلغ القلوب الحناجر وحوله من الأودية خنادق لا تعلم منها الشهور إلا بأصنافها ولا تعرف فيها الأهلة إلا بأوصافها.

قال الشيخ جمال الدين بن نباتة من باب محرم الخاطر وإذا هي سماء يتقاعس الفكر عن محاولة شهبها وحسناء كلما رمت أن تنظر وجهها الحسن فكان قرص الشمس مرآة وجهها تزاحم برجها السماء بالمناكب وتضيء إضاءة نجومها الثواقب وتلقى إذا عطشت كوكب الدلو بأرشية في البروق قليب السحائب لا تسامى ولا تسام ولا يحصل منها قادم سفر إلا على معانقة العوالى ومصافحة السهام، وقال علاء الدين بن غانم: ذات أودية ومحاجر لا ترها العيون لبعد مرامها إلا شزرا ولا ينظر ساكنها العدد الكثير إلا نزرا ولا يظن ناظرها إلا أنها طالعة بين النجوم مما لها من الأبراج ولها من الفرات خندق يحفها كالبحر إلا أن هذا أعذب فرات وهذا ملح أجاج ولها واد لا يقي لفحة الرمضاء ولا حر الهواجر وقد توعرت مسالكه فلا يداس فيها إلا على المحاجر وتفاوت ما بين مرات العلا وقراره العميق ويقتحم راكبه الهول في هبوطه فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق، وقال سيدي الأخ العزيز الفاضل تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي سلمه الله تعالى في وصف قلعة دمشق عندما حوصرت في الوقعة المشهورة ونظرت بعد ذلك إلى القلعة المحروسة وقد قامت قيامة حربها حتى قلنا أزفة الأزفة وقد ستروا بروجها من الطارق وهم يتلون ليس لهما من دون الله كاشفة واستجليت عروس الطارمة عند زفتها وقد تجهزت للحرب ولم نرض بغير الأرواح مهر وقد أعقدت على رأسها تلك العصائب وقد توشحت بتلك الطوارق وأدارت على معصمها الأبيض سوار النهر وغازلت بحواجب قسيها ورمت القلوب من عيون مراميها بالنبال وأهدت إلى العيون من مكاحل نارها أكحالاً كانت السهام لها أميال وطلبها كل من الحاضرين وقد غلا دست الحرب وشمخ وهو على فرسه بنفسه الغالية وراموا كشفها وهم في رقعة الأرض كأنهم لم يعلموا أن الطارمة عالية وتالله لقد حرست بقوم لم يتدرعوا بغير آية الحرس في الأسحار وقد استيقظوا لحمل قيسهم ولم تنم أعينهم عن الأوتار فأعيد رواسيها التي كالجبال الشامخة بمن أسس المحجوج وأحصنها قلعة بالسماء ذات البروج.

قلت ويحسن ذكر المنجنيق في هذ1 الموطن نقلت من خط القاضي صلاح الدين الصفدي قال نقلت من خط الزجاج الوراق لنفسه يصف حجارة المنجنيق:

ترقى بمكر المنجنيق إلى السها

وتعود تطلب مركز أرباها

وحمت بها الأسوار ثم تكلمت

لم لا وقد فتحت بها أفواها

وتولت السمر الطوال سواكها

وثغورها لا تنجلى بسوادها

وقال ابن النبيه من قصيدة يمدح بها الأشرف ويصف دارا بناها بقلعة أخلاط:

سقى الله من أعلام أخلاط قلعة

يحوم بها نسر السها على وكر

ودار على خير الطوالع أسست

فمن حل فيها في أمان من الدهر

تجلى مدى الأبصار لمع بياضها

فأحسبها قد ألبست بهجة الدر

وقد أثبتت أركانها من نقوشها

تماثيل روض لم يزل يانع الزهر

تكاد تشم المسك من نسماتها

ويقطر من أرجائها ورق التبر

تسر وتلهى ساكنيها بحسنها

فإن شئت أغنت عن غناء وعن خمر

إذا فتحت أبواب مستبشر بها

جلت لك نور البحر والوحش في البر

فإن شئت للاخرى فمحراب ناسك

وإن شئت للدينا فريحانة العمر

وإن جمعا فالله ما زال جامعاً

شتيت العلا للاشراف بن أبي بكر وللشيخ بن أبي حجلة في مدرسة القاضي بدر الدين بن الجزولى بمصر:

ص: 285

تأمل ففضلى سار في البر والبحر

ولى خبر في مصر يغنى عن الخير

يقابلني المقياس يوم وفائه

بوجه فتاة لاح من خلل الستر

فشباكه يرنو إلى بأعين

جلبن الهوا من حيث أدري وما أدري

أهيم بها في مصر حتى كأنها

عيون المها بين الرصافة والجسر

فلا عذرى عندي للنسيم إذا سرى

وكم من الهوى العذري للصب من عذر

تداوى بشرب الماء عندى جماعة

كما يتداوى شارب الخمر بالخمر

مماتى من عين الحيوة لأنه

من الروض يأتيني على قدم الخضر

وبسطى روضى والقناديل زهرها

وثغر حباب الماء يبسم عن در

فلا يعجبا من زائري إن توقدت

عليه مصابيح الطلاقة البشر

تشاهد منى العين في مصر روضة

ترى زهرها في الماء كالأنجم الزهر

وكم وردة أبدى دهاني حسنها

يبيت قلب الحسود على الجمر

وله فيها:

دار يصان الجار في أرجائها

ويذل فيها صين الأموال

نسيت بها الأهرام لما إن غدت

بضيائها هولاً من الأهوال

الشيخ شمس الدين بن القريه السكندري فيمن له غلام اسمه ريحان:

ان الأمير حباه رب ال

عرش أحسانا ومنه

هو الغلام وداره

روح وريحان وجنه

حكى عن سنمار أنه كان رجلاً حاذقاً بالبنيان فأمره النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بم امرئ القيس اللخمي أن يبني له حصنا بظاهر الجزيرة وهو الذي يقال له الخواريق فلما فرغ من بنائه عجبوا من حسنه وإتقان عمله فقال له لو وفيتموني أخرى لبنيته بناء يدور مع الشمس كيفما دارت، فقال النعمان أقدرت على أحسن منه ولم تفعل فأمر بقذفه من أعلاه وقيل إنما قتله لأنه لما فرغ من بناءه خلا به وقال له إن هذا البنيان كله مردود إلى هذا الحجر فاحتفظ به فإنه إن نزع سقط البناء كله فقتله لئلا يطلع على ذلك غيره، فضربت به العرب المثل وأكثرت فيه فقالوا: جزاه الله جزاء سنمار.

وقال الشاعر أنشده ابن مالك:

جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر

وحسن فعل كما يجزى سنمار

وقال عبد العزيز بن امرئ القيس:

جزاني جزاه الله شر جزائه

جزاء سنمار وما كان ذا ذنب

قال ابن الشجري يقال رجل سنمار إذا كان حسن الوجه أبيضه، ويقال للقمر سنمار ولما أراد المنصور أن بيني بغداد في سنة أربعين ومائة سأل راهباً كان في صومعة في مكان بغداد عندما أراد أن يختطها أريد أن أبني هنا مدينة فقال له الراهب إنما بينيها ملك يقال له الدواني فضحك وقال له المنصور أنا هو وشرع في بنائها سنة أربعين ومائة ونزلها سنة ست وأربعين، وفي سنة ست وأربعين تم بناؤها وهي بغداد القديمة التي بالجانب الغربي على دجلة وهي بين الفرات ودجلة كما جاء في الحديث لا بغداد الثانية وهي الجديدة التي في الجانب الشرقي وفيها دور الخلفاء وبغداد عبارة عن سبع محال لا تفتقر منها محلة إلى غيرها على شاطئ دجلة فالذي في الجانب الشرقي الرصافة، بناها المهدي بن المنصور حين ضاقت بالرعية والجند سنة قلت: إحدى وخمسين وهي مدينة مسورة، والثانية مشهد أبي حنيفة مسورة، والثالثة جامع السلطان غير مسورة، والرابعة مدينة المنصور في الجانب الغربي وتسمى باب البصرة وكان بها ثلاثون ألف مسجد وخمسة آلاف حمام، والخامسة مشهد موسى بن جعفر مسورة، والسادسة الكرخ مسورة، والسابعة دار القمر مسورة، قلت: مكتوب على ظاهر المدرسة التي أنشأها الشيخ الإمام العالم أوحد القراء أبو عبد الله شمس الدين محمد بن الجزري تغمده الله برحمته بعقبة الكتاب عمرها الله ببركته وأظن أنها من نظمه:

يا دار علم للمآثر تقصد

وبصدرها تروى العلوم وتسند

خلعت عليك الكائنات بجمالها

فلذاك سعدك دائماً يتجدد

أضحيت للراجين قبلة قاصد

لكمالها تعنو الوجوه وتسجد

نظرتك شمس العلوم منيرة

منها لطلاب الفضائل منجد

يا باذلاً لمال غير مذمم

حاشاك من ذم وأنت محمد

كم قلد الناس اجتهادك منة

فحمدت مجتهداً وأنت مقلد

طربت بذا المعنى العقول فيا له

من دار قرآن وفيه معبد

بالأمس كان على الطريق قمامة

واليوم فهو على الحقيقة مسجد

ص: 286

ما أن تراه مشاهداً لجماله

إلا وتعجب من سناه فتنشد

وإذا نظرت إلى البقاع وجدتها

تشقى كما تشقى الرجال وتسعد

وقال الشيخ بدر الدين ابن الصاحب في عمارة السلطان الملك الظاهر برقوق التي بناها بين القصرين عمرها بحياته عمارة الظاهر قد أصبحت أركانها شاهقة كالعلم وبشرت أحجارها بالبقاء وأنه يبلغ سن الهرم.

وله في رباط المعشوق الذي بمصر المحروسة المشرف بالآثار الشريفة:

لنا رباط وبالمعشوق شهرته

أثار خير الورى فيه يتحقق

يصبو فؤادي لمرآة ولا عجب

ان هام قلبي في أثار معشوق

غيره:

أتيت إلى المعشوق من بعد فرقة

وهجر وقلبي بالنوى يتضرم

فقابلني والثغر بالزهر باسم

وما أحسن المعشوق للصب يبسم

قلت وأنشدني من لفظه لنفسه الشيخ الإمام الفاضل اللغوي جلال الدين أبو المعالي ابن خطيب داريا:

يا عين إن بعد الحبيب وداره

ونأت مرابعه وشط مزاره

يا عين ويحك فانظري وتمتعي

إن لم تريه فهذه آثاره

وقال الشيخ شمس الدين بن الصائغ الحنفي موريا به وبغيره من منارة مصر المحروسة:

وليلة مرت بنا حلوة

إن رمت تشبيها لها عبتها

لا يبلغ الواصف في وصفه

حدا ولا يلقى لها منتهى

بت مع المعشوق في خلوة

نلت من خرطومه المشتهى

وقرأت في شرح قصيدة بني الأفطس التي شرحها الكاتب أبو القاسم عبد الملك بن بد الله بن بدرون الحضرمى السلمي رحمه الله عند ذكر كسرى هو كسرى أنوشروان بن ساسان كان ملكه ثمانية وأربعين سنة وقيل سبعا وأربعين سنة وثمانية أشهر وهو الذي بنى سور الباب والايوان وجعل هذا السور من جوف البحر مقدار ميل وبناه على الزقاق بلين الحديد والرصاص كلما ارتفع البناء نزلت إلى أن استقرت في قرار البحر وارتفع السور على الماء فغاصت الرجال بالخناجر والسكاكين إلى ذلك الزقاق فشقتها وتمكن السور على وجه الأرض في قاع البحر وذكر المسعودي أن هذا السور كان باقياً سنة اثنين وثلاثين وثلثمائة ويسمى هذا السور الذي في قاع البحر القيد وصعد هذا السور في أكر على جبل الفتح أربعين فرسخاً حتى انتهى إلى طربستان وجعل على كل ثلاثة أميال من هذا السور بابا من الحديد وأسكن من داخله أمة من الناس تراعي ذلك الباب وما يليها من السور وذلك لدفع الأمم المتصلة بذلك الجبل وهم أنواع من الأمم منهم اللان والجزر والترك والبرغز وغيرهم وذكر في كتابه هذا عند ذكر المأمون ومن تسمى باسمه فمنهم يحيى بن ذي النون صاحب طليطلة يحكى أنه بنى قصر طليطلة وتأنق في بناءه وأنفق فيه أموالاً كثيرة وصنع فيه بحيرة وبنى في وسطها قبة وسيق الماء إلى رأس القبة حواليها محيطاً بها متصلاً بعضه ببعض فكانت القبة في غلالة من ماء تكسب ولا تفتر والمأمون بن ذي النون قاعد فيها لا يمسه فيها شيء ولو شاء أن يوقد فيها الشمع لفعل فبينما هو نائم فيها إذ سمع منشدا ينشد:

أتبنى بناء الخالدين وإنما

بقاؤك فيها لو عقلت قليل

لقد كان في ظل الاراك كفاية

لمن كان يوماً يقتضيه رحيل

فما لبث بعد هذا إلا يسير حتى قضى نحبه: أنشدني الشيخ شمس الدين الجرائحي من لفظه لنفسه وقد أمره القاضي فتح الدين بن الشهيد أن ينظم شيئاً يكتبه على طراز في صدر إيوانه:

أيا من يطرز الدر أكمامهم سمت

قفوا وانظروا دار الطراز على خصري

وصدري لاسرار الممالك حائط

من الفضة البيضاء والذهب المصري

فمن ذا يضاهني افتخار وقد غدت

خزائن أسرار الممالك في صدري

ص: 287

نقلت من خط الشيخ بهاء الدين الموصلي ولد شيخنا العلامة عز الدين أبي الخير الموصلي من مقامة وسماها بسلوة الغريب وخلوة الحبيب منها في وصف القصر الأبلق بدمشق وقصرها الأبلق ليس بالعقوق من شاهد بديع معانيه لنهى عن العاشق والمعشوق قد شام في غمده مشهور عمدان وأسبل على أيوان كسرى ستر النسيان يبهر الناظر حسن معناه ولا يقدر على وصف محاسنه من يراه الماء مرفوع في أقطاره ونواحيه منتصف في فوار بركه لتمييز ناظريه يتكسر جمعه على شازرواناته بإضافته إلى مجاريه فقد اجتمع لقاطنه إضافة المعنى والحسن الباهر ولم يكمل ذلك البهاء إلا بكمال جمال الظاهر أعين شبابيكه إلى ميدانه الأخضر ناظرة قد جمع الصادح والباغم واللاقط والطاغم به الظباء الأوانس والمها الكوانس أقطاره عريضة طويلة لا ترجع الأبصار من السفر في زمنه إلا كليلة أخجلت خمائله الأيك والغصون ولاذ القائف بالسلوان عن اقتفاء أثر السلوك في معانيه التي كلها عيون وقف الأبلق حين جرى إلى منتهاه وأدركه الإعياء فسكن بأقصاه وشاهد الشقراء تمرح في ميدان واديها فأراد الوصول إليه فعاوده الاضطراب فقطعت على الأنهار الطريق وضرب بينهما بسور له باب.

الإيوان: من بعد هدمه بناه وزير كسرى أبرويز في نيف وعشرين سنة ومائة ذراع في عرض خمسين في سماك مائة من الآجر الكبار والجص وثخن الجدار الأزج خمس أجرات وطول الشرف خمسة عشر ذراعا ولما بنى المنصور بغداد حب أن ينقضه ويبني به فاستشار خالد بن برمك فنهاه وقال هو آية الإسلام ومن علم أن هذا بناؤه لا يزيل أمره إلا نبي وهو مصلى علي بن أبي طالب (والمؤنة في نقضه أكثر من الارتفاق به فقال أتت الأمثلاء من العجم فهدمت ثلمة منه فبلغت النفقة عليها مالاً كثيرا فأمسك فقال خالد أنا لا أشير بهدمه لئلا يتحدث بعجزك عنه فلم يفعل وعلى ذكر الإيوان فما أحسن ما أنشدني من لفظه لنفسه أجازة شيخنا العلامة عز الدين أبو الخير الموصلي محاجيا:

يا من له الطول في المعالي

وبالمعاني لنا يبصر

أنى كما قلت في سؤالي

ما مثل قولي ينعم مقصر

القاضي فتح الدين بن الشهيد على لسان مجلس داره وقد بنى لبعض الأجلاء في داره مجلس عال:

يا من ينزه في حسني نواظري

اسمع صفات بها فقت أمثالي

أنى مقام مقر عز جانبه

ودون قدر جناب المجلس العالي

أنشدني من لفظه لنفسه الأديب الفاضل الكامل شمس الدين أبو عبد الله الجراحي في مجلس بناه سيدنا ومولانا قاضي القضاة وشيخ الشيوخ خطيب الخطباء أبو الحسن علاء الدين بن أبي البقاء السبكي الشافعي تغمده الله برحمته:

ومجلس قد قال لي منشي

ما مثله في الفضل قاضي القضاه

قد لأسس البنيان مني على

تقوى من الله وأرضى الإله

فصرت كالكعبة من أجله

تسعى إلى نحوي الحفاة العراه

فما سعى نحوي أخو شدة

إلا ومن ربي لاقى رضاه

فالاسم مني في الهجا معرب

وإنما للمدح قصدا بناه

خص بخفض العيش من أمني

ورفعه يبقى بقصد النحاه

قاض قضى بالحق لكنه

جار على ما ملكته يداه

فما اشتكى الفقر إليه امرئ

إلا ونادى المال كن في رضاه

وأنشدنني لنفسه فسح الله في أجله في منزل القاضي فتح الدين بن الشهيد:

يا منزلا بالبهاء والحسن ناظر من

طرز الملوك طرازي لست من طرزي

والناس دون محل الغير تقصدني

من القبول لأن السر في حرزي

ص: 288

ومن المباني العظيمة المذكورة في القرآن العظيم إرم ذات العماد قال أصحاب الآثار ورواة الأخبار لما سمع شداد بن عاد بن أرم وصف الجنة سولت له نفسه أن يبني مثلها فبنى مدينة بين حضرموت وصنعاء طوله أثنى عشر فرسخا وعرضها مثل ذلك وأحاط بها سوراً ارتفاعه خمسمائة ذراع وغشى خارجها فضة مموهة بالذهب وبنى داخلها مائة مائة ألف قصر بعدد رؤساء أهل مملكته بلبن الذهب والفضة وكذلك جذوع سقوفها وأساطينها وأجرى في وسطها نهرا صفح أرضه بالذهب وجعل على حافتيه أنواع الجواهر والياقوت بدلا من الحصباء وألقى فيه المسك الغبر عوضا عن الحمأة وفرع منه جداول إلى تلك القصور والمنازل وغرس على شطوطها من الأشجار ما كان لزهره عرف ورائحته ذكية وزعموا أنه أقام في بنائها ثلاثمائة سنة فلما تم بناؤها زاد في طغيانه ولم يعبأ بربه فبعث الله هوداً عليه السلام يدعوه إلى الله تعالى ويحذره سطوته ويخوفه نقمته فلم يجبه إلى ما دعاه إليه وخرج من حضرموت إلى ذات العماد ليبلغ نفسه مناها بسكناها فلما أشرف عليها جاءته صيحة من السماء فأهلكته وجنوده وأفانته أمله ومقصوده.

ويروى أن عبد الله بن قلابة خرج في طلب إبل ندت له فوقع عليها فحمل ما قد عليه مما تم فلبغ خبره معاوية فاستحضره فقص عليه فبعث إلى كعب فقال هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وفي ذقنه خال يخرج في طلب إبل ندت له ثم التفت فرأى ابن قلابة فقال هذا والله ذلك الرجل وزعم الأحباريون أنه كان بها أربعمائة ألف وأربعون ألف عمود ولهذا سميت ذات العماد.

ومن المباني العظيمة سد ذي القرنين الذي بناه على يأجوج ومأجوج وصفته على ما حكاه ابن حردأدبة أن مكانه جبل أملس مقطوع بواد عرضه مائة وخمسين ذراعا وفي جانبي الوادي عضادتان مبنيان عرض كل عضادة خمسة وعشرون ذراعا كل ذلك مبني بلبن الحديد مغيب في نحاس في سمك خمسين ذراعا وعلى العضادتين دروند حديد طرفاه في العضادتين طوله مائة وعشرون ذراعا وفوق الروند بناء بتلك اللبن الحديد المغيبة في النحاس إلى رأس الجبل وارتفاعه مد البصر وفوق ذلك شرافات من حديد في طرف كل شرافة قرنان يبني كل واحد منهما إلى صاحبه بين العضادتين باب من حديد بمصراعين وبين كل مصراع خمسون ذراعا في خمسة أذرع وعلى الباب قفل طوله سبعة أذرع في غلظ باع في الاستدارة وارتفاع القفل من الأرض خمسة وعشرون ذراعا وعتبة الباب عشرة أذرع بسط مائة ذراع سوى ما كان تحت العضادتين ويقال أن آلة البناء التي بنى بها هذا السد موجودة بحصون بناها ذو القرنين ورتب فيها حراسا يحرسون هذا السد وهي مغارف وبقية لبن كل ذلك من حديد وأن كل لبنة ذراع ونصف في مثل ذلك في سمك شبر قد ألصق الصداء بعضها ببعض.

ومن المباني المشهورة قصر غمدان وكان بصنعاء قال الجاحظ أحبت العرب أن تشارك الفرس في البناء وتنفرد بالشعر فبنوا غمدان وكعبة بحران وحصين مارد والأبلق ويزعم بعض الأحباريين أن بانيه حام بن نوح ويزعم آخرون أن بيوراسف بناه على اسم الزهر وذكر ابن هشام أن الذي أسسه قحطان بن يعرب وأكمله بعده وأصله وائل بن حمير بن سبأ بن يعرب وخربه عثمان بن عفان (وكانت صفته على ما نقلته من الكتب المدونة في العجائب مربعا أحد أركانه مبني بالرخام الأبيض والثاني بالرخام الأصفر والثالث بالرخام الأخضر والرابع بالرخام الأحمر فيه سبع سقوف طباقا ما بين السقف والآخر خمسون ذراعا وجعل على كل ركن تمثال أسد من النحاس إذا هبت الريح دخل من دبره وخرجت من فيه فيسمع له صوت كزمير الأسد وقال ابن الكلبي كان على ركن أركان غمدان مكتوب بالحميرية أسلم غمدان معاديك مقتول بسيف العدوان، وذكر الجاحظ في كتاب الأمصار أن قصر غمدان كان أربعة عشر غرفة بعضها فوق بعض ويروى أن عمر بن الخطاب (قال: لا يستقيم أمر العيوب ما دام فيها غمدانها وهذا القول الذي حض عثمان على هدمه وأثره باق على تل عال مطل على البلد قريب الجامع.

ص: 289

ومن المباني التي تبلي الزمان ولا تبلى وتندرس معالمه وأخبارها لا تندرس ولا تبلى الأهرام التي بأعلام مصر وهي أهرام كثيرة أعظمها الهرمان اللذان بجزيرة مصر غربي النيل يقال أن بانيها شوندبر بن شرناق قبل الطوفان ويقال أن هرمس المثلث بالحكمة وهو الذي تسميه العبرانيون أخنخ وهو إدريس عليه السلام استدل من أحوال الكواكب على كون الطوفان فأمر ببناء الأهرام وإيداعها الأموال وصحائف العلوم وما يخاف عليه من الذهب والدثور وكل هرم منها مربع القاعدة مخروطي الشكل ارتفاع عموده سبعة عشر ذراعا يحيط به أربع سطوح متساويات الأضلاع كل ضلع منها أربعمائة ذراع وستون ذراعا ويرتفع إلى أن يكون سطحه ستة أذرع في مثلها ويقال إنه كان على أعلاه حجر يشبه المكبة فرمته الرياح والعواصف وهو مع هذا العظم من الصنعة وإتقان الهندام وحسن التقدير بحيث لم يتأثر إلى الآن بعصف الرياح وهطل السحاب وزعزعة الزلازل وهذا البناء ليس بين حجارته منابر البلدان المشهورة الكعبة فوق المحراب وسائر الأقاليم يمنة ويسرة وما في البلدان من الأشجار الحسنة المثمرة والمزهرة وغير ذلك وسقفه مقرنس بالذهب والسلاسل المعلقة فيه من ذهب وفضة وأنوار الشمع في أماكن متفرقة قالوا وكان في محراب الصحابة منه حجر من بلور ويقال حجر من جوهر وهي الدرة وكانت تسمى القليلة وكان إذا طفئت القناديل تضيء لمن هنالك بنورها فلما كان زمن الأمين بن الرشيد وكان يحب البلور بعث إلى سليمان وإلى شرطة دمشق أن يبعث بها إليه فسرقها وسيرها إلى الأمين فلما ولي المأمون أرسل بها إلى دمشق ليشنع بذلك على الأمين، قال الحافظ ابن عساكر ثم ذهبت بعد ذلك فجعل مكانه برنية من زجاج وقد رأيت تلك البرنية ثم انكسرت بعد ذلك فلم يجعل مكانها شيء وكانت الأبواب الشارعة من الداخل إلى الصحن ليس عليها أغلاق وإنما عليها الستور مرخاة وكذلك الستور على سائر جدرانه إلى حد الكرمة التي فوقها الفصوص المذهبة ورؤوس الأعمدة مطلية بالذهب الكثير وعملوا له شرافات تحيط به وبنى الوليد المنارة الشمالية التي يقال لها مأذنة العروس فأما الشرقية والغربية فكانتا قبل ذلك بدهور متطاولة وقد كان في كل زاوية من هذا المعبد صومعة شاهقة جدا بنتها اليونان للرصد فسقطت وبقيت القبليتان إلى الآن وقد احترق بعض الشرقية بعد الأربعين وسبعمائة ونقضت وجدد بناؤها من أموال النصارى حيث اتهموا بحريقها فقامت على أحسن الأشكال بيضاء بذاته والله أعلم، الشرقية التي ينزل عليها عيسى ابن مريم في آخر الزمان بعد خروج الدجال كما ثبت في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان والمقصود أن الجامع الأموي لما أكمل بنائه لم يكن على وجه الأرض أحسن بناء منه ولا أبهى ولا أجل منه بحيث إذا نظر الناظر في أي جهة منه أو إلى بقعة أو إلى مكان منه تحير فيما ينظر إليه لحسنه جميعه وكانت فيه طلسمات من أيام اليونان فلا يدخل هذه البقعة شيء من الحشرات بالكلية لا من الحيات ولا من العقارب ولا من العناكب ويقال ولا العصافير تعشش فيه ولا الحمام ولا شيء مما يتأذى الناس به وأكثر هذه طلسمات أو كلها كانت مودعة في سقف الجامع مما يلي السبع فاحترقت لما وقع فيه الحريق وكان ذلك ليلة النصف من شعبان بعد العصر من سنة إحدى وستين وأربعمائة ومازال سليمان بن عبد الملك في تكميله وزيادته مدة ولايته وجددت له فيه المقصورة رحمه الله فلما ولي عمر بن عبد العزيز عزم على أن يحرد ما فيه من الذهب ويقلع السلاسل والرخام والسقوف ويرد ذلك كله إلى بيت المال ويطين ذلك كله فشق ذلك على أهل البلد واجتمع أشرافهم إليه وقال خالد بن عبد الله القشيري أنا أكمله لكم فلما اجتمعوا قال خالد: يا أمير المؤمنين بلغنا أنك تريد أن تصنع كذا وكذا قال نعم قال خالد ليس ذلك لك يا أمير المؤمنين قال ولم يا بن الكفرة وكانت أمه نصرانية رومية فقال يا أمير المؤمنين إن كانت كافرة فقد ولدت رجلا مؤمنا قال صدقت واستحى عمر، قال فلم قلت ذلك قال يا أمير المؤمنين لأن غالب ما فيه من الرخام إنما حمله المسلمون من أموالهم من سائر الأقاليم وليس هو من بيت المال فأطرق عمر رحمه الله قالوا واتفق في ذلك الزمان قدوم جماعة من الروم رسلا من عند ملكهم فلما دخلوا من باب البريد وانتهوا إلى الباب الكبير الذي تحت النسر فلما رأوا ذلك النور الباهر

ص: 290

والزخرفة التي لم يسمع بمثلها صعق كبيرهم مغشيا عليه فحملوه إلى منزلهم فبقي أياما مدنفا فلما تماثل سألوه عما عرض له فقال ما كنت أظن أن تبني المسلمون مثل هذا البناء وكنت أعتقد أن مدتهم تكون أقصر من هذا فلما بلغ ذلك عمر بن عبد العزيز قال وإن هذا ليغيظ الكفار دعوه.

والمقصود أن الجامع الأموي كان حين تكامل بناؤه وليس له في الدنيا نظير في حسنه وبهجته قال الفرزدق أهل دمشق في بلدهم قصر من قصور الجنة يعني به الجامع الأموي.

وقال أحمد بن أبي الحواري عن الوليد بن أبي المسلم عن أبي ثوبان ما ينبغي أن يكون أحد أشد تشوقا إلى الجنة من أهل دمشق لما يرون من حسن مسجدها ولما دخل المهدي أمير المؤمنين العباسي دمشق يريد زيارة بيت المقدس فنظر إلى جامع دمشق قال لكاتبه عبد الله الأشعري سبقنا بنو أمية بثلاثة بهذا المسجد لا أعلم على ظهر الأرض مثله وبنيل الموالي وبعمر بن عبد العزيز لا يكون فينا والله مثله أبدا ثم لما أتى بيت المقدس فنظر إلى الصخرة وكان الوليد بن عبد الملك بناها فقال لكاتبه وهذا أربعة أيضاً ولما دخل المأمون دمشق نظر إلى جامعها وكان معه أخوه المعتصم وقاضيه يحيى بن أكتم قال ما أعجب ما فيه فقال أخوه هذا الأدهان التي فيه وقال ابن أكتم الرخام وهذه العقد فقال المأمون إنما أعجب من بنيانه على غير مثال متقدم وقال المأمون لقاسم التمار أخبرني اسما حسنا أسمي به جاريتي هذه فقال سمها مسجد دمشق فإنه أحسن من كل شيء وقال عبد الرحمن بن الحكيم عن الشافعي عجائب الدنيا خمسة أحدها منارتكم هذه يعني منارة ذي القرنين التي بالإسكندرية والثانية أصحاب الرقيم وهي بالروم اثنا عشر رجلا أو ثلاثة عشر رجلا والثالثة مرآة بباب الأندلس على باب مدينتها يجلس الرجل فينظر فيها صاحبه من مسافة مائة فرسخ والرابع مسجد دمشق وما يوصف به من الإتقان عليه والخامس من الرخام والقيقسا فإنه لا يدري له موضع ويقال إن الرخام معجون والدليل على ذلك أنه مذوب على النار قال الحافظ ابن عساكر وذكر إبراهيم بن أبي الليث الكاتب وكان قدم دمشق سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة في رسالة قال أمرنا بالانتقال إلى البلد فانتقلت منه إلى بلد تمت محاسنه ووافق ظاهره باطنه أزقته أرجه وشوارعه فرجه فحيثما مشيت شممت طيبا وأين سعيت رأيت منظرا عجيبا وأمضيت إلى جامعه فشاهدت منه ما ليس في استطاعة الواصف أن يصفه ولا الرائي أن يعرفه وجملته أنه بكر الدهر ونادرة الوقت وأعجوبة الزمان وغريب الأوقات ولقد أيقنت به ذكرا يدرس وجليت به أمرا لا يخفى ولا يدرس.

ومما قيل في الساعات قال القاضي عبد الله بن أحمد بن زين إنما سمي باب الجامع القبلي باب الساعات لأنه كان عمل هناك بلكار الساعات يعلم بها كل ساعة تمضي من النهار عليها عصافير من نحاس وحية من نحاس وغراب فإذا تمت الساعة خرجت الحية فصفرت العصافير وصاح الغراب وسقطت حصاة في الطست.

قلت هذا الكلام على أحد شيئين إما أن الساعات كانت في الباب القبلي من الجامع وهو باب يسمى بباب الزيادة اليوم ولكن قد قيل إنه محدث بعد الجامع وهو لا ينفي أن الساعات كانت عنده في زمن القاضي ابن زبر وإما أنه قد كان في الجانب الشرقي من الجامع في حائطه القبلي في باب آخر في محاذاة باب الزيادة وعنده الساعات ثم نقلت بعد هذا كله إلى باب الوراقين اليوم وهو باب الجامع من الشرق والله أعلم.

وأما القبة التي في وسط الجامع التي فيها الماء الجاري ويقال لها قبة أبي نواس فكان بناؤها في سنة تسع وستين وثلاثمائة أرخه الحافظ ابن عساكر عن خط بعض الدماشقة.

وأم القبة الغربية التي في وسط الجامع التي يقال لها قبة عائشة فسمعت شيخنا أبا عبد الله الذهبي يقول إنها بنيت في حدود سنة ستين ومائة في أيام المهدي بن المنصور العباسي وجعلوها لحواصل الجامع وكتب أوقافه.

وأما القبة الشرقية التي على باب مشهد فقال بنيت على زمن الحاكم العبيدي في حدود سنة أربعمائة.

ص: 291

وأما الفوارة التي تحت درج جيرون عملها الشريف فخر الدولة أبو يعلي حمزة بن الحسين العباسي الحسيني وكأنه كان ناظر الجامع وجر إليها قطعة من حجر كبير من قصر حجاج وأجري فيها الماء ليلة الجمعة لسبع خلون من ربيع الأول سنة سبعة عشر وأربعمائة وعمل حولها قناطر وعقد عليها قبة ثم سقطت القبة بسبب جمال احتكت فيها وذلك في صفر من سنة سبع وخمسين وأربعمائة فأعيدت ثم سقطت عمدها وما عليها في حريق اللبادين بسبب حريق النصارى في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة استوثق بناء الطهارة على أحسن مما كانت وذهبت تلك القصعة فلم يبق لها أثر وعمل الشاذروان الذي هو شرقي الفوارة بعد الخمسمائة أظنه سنة أربع عشرة وخمسمائة.

فصل: وكان ابتداء عمارته في أواخر عام سنة ست وثمانين وهدمت الكنيسة في ذي القعدة منها فلما فرغوا من الهدم شرعوا في البناء وتكامل في عشر سنين فكان في هذه السنة أعني سنة ست وتسعين ووضع العمودان اللذان في صحن الجامع لأجل التنوير في ليالي الجمع في شهر رمضان سنة إحدى وأربعين وأربعمائة قاضي البلد أبي محمد فيما ذكره بنو عساكر في بعض تواريخهم نقلت هذه الترجمة في بناء جامع دمشق من تاريخ الحافظ عماد الدين بن كثير الذي أسماه البداية والنهاية:

يا حسن ترخيم بجامع جلق

متناسب التركيب والتقسيم

فإن يتغالى في الزيادة معسر

فقل لهم باب الزيادة مفتوح

وقال بعضهم:

أرى الحسن مجموعاً بجامع جلق

وفي صدره معنى الملاحة مشروح

فإن يتغالى في الزيادة معسر

فقل لهم باب الزيادة مفتوح

وقال بعضهم:

دمشق لها منظر رائق

وكل إلى حسنها تائق

وكيف يقاس بها بلدة

أبى الله والمسجد الفارق

قلت: أحسن منه قول من قال:

إني أدل على دمشق وطيبها

من حسن وصفي بالدليل القاطع

جمعت جميع محاسن في غيرها

والفرق بينهما بنفس الجامع

وما أحسن قول الشيخ برهان الدين القيراطي:

دمشق في الحسن لها منصب

عال وقدر في الورى شائع

فحد من قاس بها غيرها

وقل له ذا الجامع المانع

ذكر أبو الفرج الأصفهاني قال حدثني بذلك جماعة منهم أبو عثمان يحيى بن عمر قال قرأت في بعض الدواوين أن المتوكل أنفق على أبنيته وقصوره والمسجد الجامع ومنتزهاته في خلاوته يسر من رأى وأعمالها من الأموال ما لا يعلم أن أحدا أنفق على بناء مثله ومبلغ ذلك من العين مائة ألف وخمسين ألف دينار ومن الدراهم مائتي ألف ألف وثلاثة وتسعون ألف ألف وخمسين ألف درهم من ذلك القلايا مائة ألف وخمسون ألف دينار العروس ثلاثون ألف درهم الشاة عشرون ألف درهم البرج ثلاثون ألف ألف درهم البركة ألفا ألف درهم الجوسق الإبراهيمي ألفا ألف المختار خمسة آلاف ألف الجعفري ثلاثة وعشرون ألف ألف البديع عشرة آلاف ألف المليح خمسة آلاف ألف الصبيح خمسة آلاف ألف التل خمسة آلاف الجوسق في الميدان خمسمائة ألف بر كوازاء عشرون ألف ألف المسجد الجامع خمسة عشر ألف ألف الغراء بدجلة ألف ألف القصر بالمتوكلية خمسة عشر ألف ألف لؤلؤة خمسة آلاف ألف النهر بالمتوكلية خمسون ألف ألف وبنى المعتز بعد ذلك البيت المعروف بالكامل ولم أعرف مبلغ النفقة عليه وبنى المعتمد المعشوق والبيتين المعروفين بالفنح والبهج.

كتب الشيخ جمال الدين ابن نباتة إلى الجناب القطبي بن شيخ السلامية يصف: يقبل الأرض ويسأل الله تعالى أن يديم أيام مولانا التي غفرت ذنوب الأيام والليالي وعمرت الوجود بما سمع عن أهل العصور الخوالي وينهى أنه سطر هذه الخدمة وقد ترادفت عليه معاني الشكر فلم يدر ما يذكره ولا ما يحصيه ويحضره إلى أن ألقى السلاح وغص الجماح وأنشد:

تعالى عن المداح قدرك رتبة

فاقصارهم عن مدحه غاية المدح

ص: 292

هذا على أنه الآن في نشو سكره وذهول فكره باستجلاء هذه المنازل كل شمال فيها شمول لابل الرياح الأربع على أرجائها قبول فهي الجنة وثناء مولانا مسكها الأرج والهالة وأوصافه بدرها المبتلج والدنيا إلا أنها المحسوبة من العيش النضر ومحلة موسى وكل غصن من أغصانها الخضر ما شئت من صدحات مسجوعة وبيوت معمورة وسقف مرفوعة وثمرات كثمرات الجنة غير مقطوعة ولا ممنوعة وعقود على أجيال القضب من الأزاهير وسوق أشجار على نهر كأنه صرح ممرد من قوارير وكل دوحة تنحفر كما تنحفر العذراء ومرجة هي نفس اللذة بدليل أن النفس خضراء وجداول تتلوى في الروض تلوي الأراقم في الصعيد وأبكار وورد كما أشارت شفاه الملاح بالقبل من بعيد راواوين كأنما طارت إلى الأفق بأجنحتها وشبابيك كأنما أصابت القلوب من فتكات الهم بحديد أسلحتها وشرافات دلت على همة الأمن بمبانيها وعلت حتى كأن الثريا عقدت على تراقيها وتجري ماء ترق بمحواتها القلوب الجافية ولا عيب فيها إلا النسيم الواشي والعين الصافية قد مرج الله تعالى بهما البحرين يلتقيان وأخرج منهما في أعطاف الغصون اللؤلؤ والمرجان ولو أخذ المملوك في وصف المحاسن المبدعة والأصول المتفرعة لكاثر غصونها بأقلامه وأزهارها بنثاره ونظامه ولا بلغ معشارها ولا حدث بأخبارها ولكن ليس فيها ما يقال إن كملت لو أن ذا كملا فجعلها الله أول منازل نعيم مولانا المستمر وعمر ببقائه أرجاها التي ينعم الأمل ويعتمر بمنه وكرمه.

صلاح الدين الصفدي متضمنا:

تقول دمشق إذا تفاخر غيرها

بجامعها الزاهي البديع المشيد

جرى للتهاني حسنه كل جامع

وما قصبات السبق إلا لمعبد

ص: 293

وضعف الحال وضيقه على الناس لما توفي صلى الله عليه وسلم بعث الصديق الجيوش قبل الشام وإلى العراق كما تقدم في كتابنا هذا ولله الحمد والمنة ففتح الله على المسلمين الشام بكاملها ومن ذلك مدينة دمشق بأعمالها، كتب أمير الجيوش إذ ذاك وهو أبو عبيدة وقيل خالد بن الوليد لهم كتاب أمان وأقروا أيدي النصارى على أربع عشرة كنيسة كما ذكرنا وأخذوا منه نصف هذه الكنيسة التي كانوا يسمونها كنيسة مرتحيا بحكم أن البلد فتحه خالد من الباب الشرقي بالسيف وأخذت النصارى الأمان من أبي عبيدة وهو على باب الجابية بالصلح فاختلفوا ثم اتفقوا على أن جعلوا نصف المسجد صلحا ونصفه الآخر عنوة فأخذوا نصف هذه الكنيسة الشرقي فجعله أبو عبيدة مسجدا وكان قد صارت له إمرة الشام فكان أول من صلى في هذا المسجد أبو عبيدة (ثم الصحابة بعده في البقعة التي يقال لها محراب الصحابة ولكن لم يكن الجدار مفتوحا بمحراب محني وإنما كانوا يصلون عند هذه البقعة المباركة والظاهر أن الوليد هو الذي فتق المحاريب في الجدار القبلي وكان المسلمون والنصارى يدخلون من باب واحد وهو باب المعبد الأعلى الذي كان من جهة قبلة مكان المحراب الكبير اليوم فتنصرف النصارى إلى جهة المغرب إلى كنيستهم ويأخذون المسلمون يمينه إلى مسجدهم ولا يستطيع النصارى أن يجهروا بقراءة كتابهم ولا يضربوا بناقوسهم إجلالا للصحابة ومهابة وخوفا وقد بنى معاوية (في أيامه على الشام داراً للإمامة قبلي المسجد الذي كان للصحابة وبنى فيها قبة خضراء فعرفت الدار بكمالها بهاء فسكنها معاوية أربعين سنة كما قدمنا ثم لم يزل الأمر كما ذكرنا من سنة أربع عشرة إلى سنة ست وثمانين في ذي القعدة منها وقد صارت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك في شوال منها فعزم على أخذ بقية الكنيسة وإضافتها إلى ما بأيدي المسلمين منها وجعل الجميع مسجدا واحدا وذلك لتأذي بعض المسلمين بسماع قراءة النصارى الإنجيل ورفع أصواتهم في صلواتهم فأحب أن يبعدهم عن المسلمين ويضيف ذلك المكان إلى هذا المسجد الجامع فطلب النصارى وسألهم أن يخرجوا عن هذا المكان ويعوضهم منه إقطاعات كثيرة عرضها عليهم وأن يقر لهم أربع كنائس لم تدخل في العهدة وهي كنيسة مريم وكنيسة المصلبة داخل باب شرقي وكنيسة تل الحين وكنيسة حميد بن درة التي بدرب الصقيل فأبوا ذلك أشد الإباء فقال ائتونا بعهدكم الذي بأيديكم فأتوا بعهدهم الذي بأيديهم في زمن الصحابة فقرىء بحضرة الوليد فإذا كنيسة توما التي خارج باب توما عند النهر لم تدخل في العهدة وكانت فيما يقال أكبر من كنيسة مرتحيا فقال أنا أهدمها وأجعلها مسجدا فقالوا يتركها أمير المؤمنين وما ذكر من الكنائس ونحن نرضى بأخذ بقية هذه الكنيسة فأقرهم على تلك الكنائس وأخذ بقية هذه الكنيسة ويقال غير ذلك والله أعلم، ثم أمر أمير المؤمنين بإحضار الآلات للهدم واجتمع إليه الأمراء والكبراء من رؤوس الناس وجاءت أساقفة النصارى وقساوستهم قالوا يا أمير المؤمنين إنا نجد في كتبنا أن من يهدم هذه الكنيسة يجن فقال أنا أحب أن أجن في الله والله لا يهدم فيه أحد قبلي ثم صعد المنارة الشرقية ذات الأضلاع المعروفة بالساعات وكانت صومعة فإذا راهب أمره بالنزول منها فأكبر الراهب ذلك قال فأخذ الوليد بقفاه ولم يزل يدفعه حتى أحدره منها ثم صعد الوليد على أعلا مكان في الكنيسة فوق المذبح الأكبر منها الشاهد وأخذ أذيال قبائه وكان لونه أصفر سفرجليا فغرزها في المنطقة ثم اخذ فأسا في يده فضرب في أعلاه حجرا فألقاه وتبادر الأمراء إلى الهدم وكبر المسلمون ثلاث تكبيرات وصرخت النصارى بالعويل على درج جيرون وقد اجتمعوا هنالك فأمر الوليد أمير الشرطة وهو أبو نائل رباح الغساني أن يضربهم حتى يذهبوا من هنالك ففعل ذلك وأمر نائبه على الخراج يزيد بن تميم بن حجر السلمي بإحضار اليهود ليساعدوا في هدم الكنيسة فجاءوا فكانوا كالفعلة ذكره الحافظ ابن عساكر في ترجمة يزيد بن تميم هذا فهدم المسلمون واليهود والوليد جميع ما جددته النصارى في تربيع هذا المكان من المذابح والأبنية والحنايا حتى بقي صرحة مربعة ثم شرع في بنائه في فكرة جيدة على الضفة الحسنة الأنيقة التي لم يشهد مثلها قبلها على ما سنذكره ونشير إليه وقد استعمل الوليد في بناء هذا المسجد خلقا كثيرا من الصناع والمهندسين

ص: 294

والفعلة وكان المستحث على عمارته أخوه بعده وولي عهده من بعده سليمان بن عبد الملك ويقال إن الوليد بعث إلى ملك الروم يطلب منه صناعا في الرخام وغير ذلك ليعمروا هذا المسجد على ما يريد وأرسل يتوعده لئن لم يفعل ليغزون بلاده بالجيوش وليخربن كل كنيسة في بلاده حتى كنيسة القدس وكنيسة الرها وسائر آثار الروم فبعث الملك صناعا كثيرة جدا وكتب إليه يقول له إن كان أبوه فهم هذا الذي تصنعه وتتركه فإنه لوصمة عليك وإن لم يكن فهمه وفهمته أنت فإنه لوصمة عليك فلما وصل ذلك إلى الوليد أراد أن يجيب عن ذلك واجتمع الناس عنده وكان فيهم الفرزدق الشاعر فقال أنا أجيبه يا أمير المؤمنين من كتاب الله قال وما هو ويحك قال قوله تعالى (ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) فأعجب ذلك الوليد فأرسل به جوابا لملك الروم ولما أراد الوليد بناء القبة التي في وسط الرواقات عن يمينها وشمالها كالأجنحة لها حفروا لأركانها حتى وصلوا إلى الماء وشربوا منها عذبا زلالا ثم إنهم وضعوا فيه جرار الكرم وبنوا فوقه بالحجارة فلما ارتفعت الأركان بنوا عليها القبة فسقطت فقال الوليد لبعض المهندسين آمر لك أن تبن لي هذه القبة فقال على أن تعطيني عهد الله وميثاقه أن لا يبنيها أحد غيري ففعل فبنى الأركان ثم غلفها بالبواري وغاب سنة كاملة لا يدري الوليد أين ذهب فلما كان بعد السنة حضر فهم الوليد به فأخذه ومعه رؤوس الناس فكشف البواري عن الأركان فإذا هي قد هبطت بعد ارتفاعها حتى ساوت الأرض فقال له من هذا أبيت ثم بناها فانعقدت وقال بعضهم أراد الوليد أن يجعل بيضة القبة من ذهب خالص ليعظم بذلك شأن المسجد فقال له المعمار إنك لا تقدر على ذلك فضره خمسين صوتا وقال ويلك أنا أعجز عن ذلك قال نعم قال فبينا ذلك فأمر فأحضر من الذهب ما سبك منه لبنة فإذا هي قد دخلها ألوف من الذهب فقال يا أمير المؤمنين أنا أريد من هذا كذا وكذا ألف لبنة فإن كان عندك ما يكفي ذلك عملناه فلما تحقق الوليد صحة قوله أطلق له خمسين دينارا ولما سقف الوليد الجامع جعل لسقفه جملونات وباطنها مسطح مقرنص بالذهب فقال له بعض أهله أتعبت الناس بعدك في تطيين هذا المسجد كل عام فأمر الوليد أن يجمع ما في بلاده من الرصاص ليجعل عوض الطين ويكون أخف على السقف فجمع من كل ناحية من الشام وغيره من الأقاليم فعازوا فإذا عند امرأة قناطير مقنطرة فساوموها فيه فأبت أن تبيعه إلا بوزنه فضة فكتبوا إلى أمير المؤمنين بذلك فقال اشتروه منها ولو بزنته فلما بدا له ذلك قالت أما إذا قلتم ذلك فهو صدقة لله تعالى يكون في سقف هذا المسجد فكتبوا على ألواحها بطابع لله ويقال إنها كانت إسرائيلية وأنه كتب على الألواح التي أخذت منها الذي أعطتهم الإسرائيلية وقال محمد بن عائد سمعت المشايخ يقولون ما تم المسجد بدمشق إلا بأداء الأمانة لقد كان يفضل عند الرجل من القرمة بعنون الفعلة الفلس ورأس المسمار فيجيء حتى يضعه في الخزانة وقال بعض المشايخ بدمشق ليس بالجامع من الرخام شيء إلا الرخامتان اللتان في المقام من عرش بلقيس والباقي مرمر وقال بعضهم اشترى الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين العامودين الأخضرين اللذين تحت النسر من حرة بن خالد بن معاوية بألف وخمسمائة دينار وقال دحيم عن الوليد بن ملسم حدثنا مروان ابن جناح عن أبيه قال كان في مسجد دمشق اثنا عشر ألف مرخم وقال أبو قصي عن دحيم عن الوليد بن مسلم عن عمرو بن مهاجر الأنصاري أهم حسبوا ما أنفق على الكرمة التي في قبة المسجد فإذا هو سبعون ألف دينار وقال أبو قصي انفق في مسجد دمشق أربعمائة صندوق في كل صندوق أربعة عشر ألف دينار، قلت وذلك خمسة آلاف ألف دينار وستمائة ألف دينار وفي رواية في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار.

قلت: فعلى هذا يكون المصروف في عمارة الجامع الأموي أحد عشر ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار، والله أعلم.

ص: 295

قال أبو قصي وأتى الحرس إلى الوليد بن عبد الملك فقالوا يا أمير المؤمنين إن الناس يقولون أنفق الوليد أموال بيت المال في غير حقها فنودي في الناس الصلاة جامعة فصعد المنبر وقال إنه بلغني عنكم كذا وكذا ثم قال عمرو بن مهاجر قم فأحضر أموال بيت المال فحملت على البغال وبسطت على الانطباع تحت القبة وفرغ عليها المال ذهبا وفضة حتى كان الرجل لا يرى من الجانب الآخر وجيء بالقبانيين وقبنت فإذا هي تكفي الناس ثلاث سنين مستقبلة وفي رواية ستة عشر سنة مستقبلة لو لم يدخل للناس فيه شيء بالكلية ففرح الناس وكبروا وحمدوا الله عز وجل على ذلك ثم قال الخليفة يا أهل دمشق إنكم تفتخرون على الناس بأربع بهوائكم ومائكم وفاكهتكم وحماماتكم فأحببت أن أزيدكم خامسة وهي هذا الجامع فحمدوا الله وانصرفوا شاكرين وذكروا أن أرضه كانت مفصصة كلها والرخام في جدرانه إلى قامات وفوق ذلك كرمة عظيمة من ذهب وفوقها الفصوص المذهبة والخضر والحمر والزرق والبيض قد صور بها ملاط ولا يتخلل بينهما الشعر وطول الحجر منه خمسة أذرع في سمك ذراعين ويقال إن بانيها جعل لها أبوابا على أزاج مبنية بالحجارة في الأرض طول كل أزج عشرون ذراعا كل باب من حجر واحد يدور بلولب إذا طبق لم يعلم أنه باب والأزج الشرقي في ناحية الجنوب والأزج الغربي في ناحية المغرب يدخل من كل باب منها إلى سبعة بيوت كل بيت منها على اسم كوكب من الكواكب السبعة وكلها مقفلة بأقفال وحذاء كل بيت صنم من ذهب مجوف إحدى يديه على فيه وفي جبهته كتابة بالقلم المسند إذا قرئت انفتح فوه فيوجد فيه مفتاح ذلك القفل فيفتح به والقبط تزعم أنها والهرم الصغير الملون قبور فالهرم الشرقي فيه سوندير الملك والهرم الغربي فيه أخوه هوجيب والهرم الملون قبر صاب بن هرمس وإليه ينسبون على قول من زعم ذلك وهم يحجون إليها ويذبحون عندها الديكة ويزعمون أنهم يعرفون عند اضطرابها عند الذبح ما يريدون به من الأمور المغيبة ولم تزل همم الملوك قاصرة عن أن تعرف ما هذين الهرمين إلى أن ولي المأمون وورد مصر وأمر بفتح واحد منهما ففتح بعد عناء طويل وأنفق بسعادته المعينة له على تحصيل غرضه إلى أن فتح مكاناً يسلك منه إلى الغرض المطلوب وهو زلاقة ضيقة من الحجارة الصوان المانع الذي لا يعمل فيه الحديد بين حاجزين ملتصقين في الحائط قد نقرا في الزلاقة لئلا تزلق وأسفل الزلاقة بئر عظيمة بعيدة القعر ويقال إن أسفل البئر إيوانا يدخل منه إلى مواضع كثيرة وبيوت ومخادع وعجائب وانتهى بهم الطريق إلى مواضع مربع في وسطه حوض من رخام مغطى فلما أزيل عنه غطاؤه لم يوجد فيه إلا رمة بالية قد أتت عليها العصور الخالية فأمر المأمون بالكف عما سواه.

رأى بعض الفضلاء هذه الأهرام فقال كل بناء أخاف عليه من الدهر إلا هذا البناء فإني أخاف على الدهر منه.

ومما قيل فيه من الشعر قول الفقيه عمارة اليمني:

خليلي ما تحت السماء أبنية

تماثل في إتقانها هرمي مصر

بناء يخاف الدهر منه وكلما

على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر

وبالقرب من الأهرام صنم على صورة وجه إنسان تسميه العامة أبو الهول لعظمه ويقال إن اسمه بالقبطية بلهونه ويقال بلهيب وتزعم القبط أنه طلسم للرمل لئلا يغلب على أرض الجزيرة وعنده أحقاف من الرمال كأنها الجبال مما يلي الطين الإبليز.

ص: 296

ومن العجائب منارة إسكندرية وهي مبنية بحجارة مهندسة مضيبة بالرصاص على قناطر من زجاج والقناطر على ظهر سرطان من نحاس فيها نحو من ثلثمائة بيت تصعد الدابة بحملها إلى سائر البيوت من داخلها وللبيوت طاقات ينظر منها إلى البحر وبين أهل التاريخ خلاف فيمن بناها فزعم قوم أنها من بناء الإسكندر بن فيلبس المقدوني وزعم آخرون أنها من بناء دلوكاء ملكة مصر ويقال إنه كان على جانبه الشرقي كتابة وأنها نقلت فوجدت بنت هذه المنظرة قرثباء بنت مرسوس اليونانية لترصد الكواكب ويقال إن طولها كان ألف ذراع وفي أعلاها تماثيل من نحاس منها تمثال قد أشار بسبابته اليمنى نحو الشمس أينما كانت من الفلك يدور معها حيثما دارت ومنها تمثال وجهه إلى البحر متى صار العدو منهم على نحو من ليلة سمع له صوت هائل تعلم به أهل المدينة طروق العدو ومنها تمثال كلما مضى من الليل ساعة صوت صوتا مطربا ويقال إنه كان بأعلاها مرآة يرى منها قسطنطينية وبينهما عرض البحر وكلما جهز الروم جيشا رؤى فيها.

وحكى المسعودي أن هذه المنارة كانت في وسط الإسكندرية وأنها تعد من بنيان العالم العجيب بناها بعض البطالمة من ملوك اليونان بعد الإسكندرية لما كان بينهم وبين الروم من الحرب في البر والبحر فجعلوا هذه المنارة مرقبا وجعلوا في أعاليها مرآة من الأحجار المشفة فيكشف بها مراكب العدو إذا أقبلت من رومية على مسافة تعجز الأبصار عن إدراكها فاحتال ملك الروم لما انتفع به المسلمون في مثل ذلك على الوليد بن عبد الملك بأن أنفذ خواصه ومعه جماعة إلى بعض ثغور الشام على أنه راغب في الإسلام وأخرج كنوزا ودفائن كانت في الشام ما حمله على أنه صدقة أن تحت المنارة أموالا وأسلحة دفنها الإسكندر فجهز معه جماعة إلى الإسكندرية فهدم ثلث المنارة وأزال المرآة ثم فطن الناس أنها كانت مكيدة منه واستشعر ذلك فهرب في مركب كانت له معدة ثم بنى ما هدم بالجص والآجر ثم قال المسعودي وطول هذه المنارة اليوم في هذا الوقت الذي وضع فيه هذا الكتاب وهو سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ثلاثون ذراعا وكان طولها قديما نحو من أربعمائة ذراع وبناؤها في عصرنا ثلاثة أشكال فقريب من الثلث مربع مبني بحجارة بيض ثم بعد ذلك مثمن الشكل مبني بالآجر والجص نحو نيف وستين ذراعا وأعلاها مدور الشكل وكان أحمد بن طولون قد بنى في أعلاها قبة من الخشب ثم هدمت وبنى مكانها مسجدا في أيام الملك الكامل صاحب مصر ثم أن وجهها البحري تداعى وكاد أن ينقض فرمم وأصلح وكذلك الرصيف وذلك في أيام الملك الظاهر بيبرس رحمه الله.

قلت ذكرت هنا ما أنشدنيه من لفظه لنفسه ومن خطه المرحوم الوزير فخر الدين ابن مكانس في صاحبه الشيخ سراج الدين القوصي السكندري يداعبه:

يا ذا السراج اشتري أيرى فأنت به

أولى وذلك للأمر الذي وجبا

سكندري وتدعى بالسراج وذا

مثل المنار إذا ما قام منتصبا

وأنشدني من لفظه لنفسه سيدنا مولانا المقر المجدي فضل الله ولد المرحوم المشار إليه أولا أدام الله نعمته محاجيا وكتب إلى سيدنا ومولانا أوحد المتكلمين نادرة الدهر المقر الأشرف الأميني كاتب الأسرار الشريفة بدمشق المحروسة أسبغ الله ظلاله:

يا من سمى قدره نحو النجوم علا

فأوقع الضد قسرا في مهالكه

ما بلدة أن تحاجي في اسمها فطنا

مصحفا قلت يشكو مكر مالكه

فكتب إليه الجواب الجناب المشار إليه:

أحجية بديعة أن صحفوا

خمسة أجزاء لها على قدر

وعكسوا باقيها وقدموا

فإنما هي طفلة كقمر

ص: 297

قلت: هذه الطريقة غريبة جدا ووجه الحل فيها أن يأتي بالمرادف ثم يصحفه فيكون المقصود ومثاله في قول المقر المجدي يشكو مكر مالكه فإن مرادف يشكو يبث ومرادف مكر كيد ومرادف مالكه ربه فيصير مجموع ذلك يبث كيد ربه فإذا صحفت هذه الكلمات تجدها سكندرية وهي البلدة المعمى بها فأفهمه وأما الثانية فقوله فإنما هي طفلة كقمر فالمراد أن مرادف طفلة بنت ومرادف كقمر كبدر فيحصل من ذلك بنت كبدر ثم تضيف إلى ذلك معكوس هي وهويه فإذا صحفت جميعه وجدته سكندرية وهذا من المعمى الغريب ولم يحلها أحد من متأدبي دمشق والقاهرة غير سيدنا ومولانا أقضى القضاة بدر الدين المخزومي المالكي الشهير بابن الدماميني أعز الله أحكامه وذلك بتاريخ سنة ست وتسعين وسبعمائة وأنا بالقاهرة المحروسة.

رجعنا إلى ما كنا بصدده ومما قيل في المنارة من الشعر قول الوجيه الدوري:

وشامية الأرجاء تهدي أخا السرى

ضياء إذا ما حندس الليل أظلما

لبست بها بردا من الأنس صافيا

فكان بتذكار الأحبة معلما

وقد طلبتني من ذراها بقية

ألاحظ فيها من صحابي أنجما

تخيلت أن البحر تحت غمامة

وأني قد خيمت في كبد السما

وللقاضي الفاضل لوصفه بيت المقدس من الرخام الذي يطرد ماؤه ولا ينطرد لآلائه قد لطف الحديد في تجريعه وتفنن في توسيعه إلى أن صار الحديد الذي فيه بأس شديد كالذهب الذي فيه نعيم عتيد فما ترى إلا مقاعد كالرياض لها من بياض الترخيم رقراق وعمد كالأشجار لها من النبت أوراق.

وقال أبو عبادة البحتري يصف قصرا بناه المتوكل يسر من رأى وسماه الكامل:

غرف من ميادن فيه دنيا

يوجب الله فيه أجر الإمام

شوقنا إلى الجنان فزدنا

في اجتناب الذنوب والآثام

وله يصف قصرا آخر بناه المتوكل وسماه الجعفري:

قد تم حسن الجعفري ولم يكن

ليتم إلا بالخليفة جعفر

ملك تبوأ خير دار أسست

في خير بدو للأمام ومحضر

في خيره مشرفة حصاها لؤلؤ

مبيضة والليل ليس بمقمر

رفعت بمنخرق الرياح وجاوزت

ظل الغمام الصيب المستعبر

وهذان القصران من جملة قصور بناها المتوكل وهي بركوانا والعروس والبركة والجوسق والمختار والغريب والبديع والصبيح والمليح والقصر والبرج والمتوكلية والقلايا.

حكى المؤرخون أنه أنفق في بنائها مائتي ألف ألف وأربعة وسبعين ألف ألف درهم ومنها ذهب بصرف الوقت مع ما فيه من العين ثلاثة عشر ألف ألف وخمسمائة ألف وخمسة وعشرون ألف دينار وكان البرج من أحسنها وكانت فيه صور عظيمة من الذهب والفضة وبركة عظيمة غشي ظاهرها وباطنها بصفايح الفضة وجعل عليها شجرة ذهب فيها كل طائر يصوت ويصفر سماه طوبى بلغت النفقة على هذا القصر ألف ألف وستمائة ألف دينار.

ص: 298

ومن المباني العظيمة جامع دمشق ذكر الشيخ عماد الدين بن كثير في تاريخه البداية والنهاية وفي سنة ست وتسعين م الهجرة تكامل بناء الجامع الأموي بدمشق المحروسة على يد بانيه أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان جزاه الله عن المسلمين خيرا وكان أصل موضع الجامع قديما معبد بنته اليونان والكلدانيون الذين كانو يعمرون دمشق وهم وضعوها أول ما بنيت وقد كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيزة وكانت أبواب دمشق سبعة وهي القمر الذي في سماء الدنيا وعطارد في السماء الثانية والزهرة في الثالثة والشمس في الرابعة والمريخ في الخامسة والمشتري في السادسة وزحل في السابعة وكانوا قد صوروا على كل باب من أبواب دمشق هيكلا للكواكب من هذه الكواكب السبعة وكانت أبواب دمشق سبعة وضعوها قصدا لذلك وكان لهم عند كل باب عيد في السنة وهؤلاء هم الذين وضعوا الأرصاد وتكلموا على حركات الكواكب واتصالاتها ومقارناتها وبنوا دمشق واختاروا لها هذه البقعة إلى جانب الماء الوارد بين هذين الجبلين وصرفوه أنهارا تجري إلى الأماكن المرتفعة والمنخفضة وسلكوا الماء إليها في أفنية الدور وبنوا هذا المعبد وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي فكانت محاربته تجاه الشمال وبابه يفتح إلى جهة القبلة خلف المحراب اليوم كما شاهدنا ذلك عيانا وهو باب حسن من الحجارة المنحوتة وعن يمينه ويساره بابان صغيران بالنسبة إليه وكان غربي المعبد قصر منيف جدا تحمله هذه الأعمدة التي بباب البريد وشرقيه قصر حيزون داران يكونان لمن تملك دمشق قديما ويقال إنه كان مع المعبد ثلاث دور عظيمة يحيط بالجميع سور واحد وهي دار المطبخ ودار الخيل ودار كانت تكون مكان الخضر التي بناها معاوية.

ص: 299

قال الحافظ بن عساكر فيما حكاه عن كتب بعض الأوائل أنهم مكثوا يأخذون الطالع لبناء هذه الأماكن ثماني عشرة سنة وقد حفروا أساس الجدران حتى أتاهم الوقت الذي طلع فيه الكوكبان اللذان أرادوا أن المسجد لا يخرب أبدا ولا يخلو من العبادة، قال كعب الأحبار وأن هذه الدار إذا بنيت لا تخلو من أن تكون دار التملك والسلطنة قال الشيخ أما المعبد فلم يخل من العبادة قال كعب الأحبار ولا يخلو حتى تقوم الساعة والمقصود أن اليونان استمروا على هذه الصفة التي ذكرنا بدمشق مددا طويلة تزيد عن أربعة آلاف سنة حتى يقال إن أول من بنى جدران هذا الجاع الأربعة هود عليه السلام وقد كان هود قبل إبراهيم الخليل بمدة طويلة وقد ورد إبراهيم عليه السلام شمالي دمشق عند برزة وقاتل قوما من أعدائه فظفر بهم وكان مقامه لمقاتلتهم عند برزة وهذا المكان المنسوب إليه بها منصوص عليه في الكتب المتقدمة وكانت دمشق إذ ذاك عامرة آهلة بمن فيها من اليونان وهم خصماء الخليل وقد ناظرهم الخليل في غير موضع في عبادتهم الكواكب كما قررنا ذلك في التفسير وفي قصة إبراهيم الخليل عليه السلام والمقصود أن اليونان لم يزالوا يعمرون دمشق ويبنون فيها وفي معاملاتها من حوران وغيرها البنايات الغريبة العجيبة حتى كان بعد المسيح عليه السلام بمدة نحو من ثلاثمائة سنة فتنصرت أهل الشام على يد قنيطين بن قسطنطين الذي بنى المدينة المشهورة في بلاد الروم وهو الذي وضع لهم القرابين ووضعت بتاركة النصارى له دينا مخترعا مركبا من أصل دين النصرانية ممزوجا بشيء من عبدة الأوثان وصلوا إلى المشرق وزادوا في الصيام وأحلوا الخنزير وعلموا أولادهم الأمانة الكبيرة فيما يزعمون وهي في الحقيقة خيانة كبيرة وقد تكلمنا على ذلك فيما سلف وبيناه وبنى لهم هذا الملك الذي تنسب إليه الطائف الملكية منهم كنائس كثيرة بدمشق وغيرها حتى يقال إنه بنى في زمانه اثنتي عشر ألف كنيسة من ذلك كنيسة بيت نجم ومن ذلك قمامه بنتها هيلانة الفندقانية والمقصود أنهم حولوا بناء هذا المعبد الذي هو بدمشق معظما عند اليونان فجعلوه كنيسة وبنوا له المذابح في شرقية وسموها كنيسة مرتحيا ومنهم من يقول كنيسة يوحنا وبنوا بدمشق كنائس غيرها مستأنفة واستمر النصارى على دينهم هذا بدمشق وغيرها نحو ثلاثمائة سنة حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وكان من شأنه صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا بعضه في كتاب السيرة وقد بعث صلى الله عليه وسلم إلى ملك الروم في زمانه وهو قيصر ذلك الوقت واسمه هرقل يدعوه إلى الله عز وجل فكان من مراجعته ومخاطبته لأبي سفيان صخر بن حرب ما تقدم ثم بعث صلى الله عليه وسلم أمراءه الثلاثة: زيد بن حارثة، جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة إلى البلقاء نحو الشام فبعث الروم إليهم جيشا كبيرا فقتلوا هؤلاء الثلاثة وجماعة ممن معهم فعزمصلى الله عليه وسلم على قتال الروم ودخول الشام عام تبوك ثم رجع صلى الله عليه وسلم عامه ذلك لشدة الحر.

ابن سناء الملك من قصيدة صلاحية:

كل القلاع تروم السحب في صعد

إلا العواصم تبغي السحب في صبب

لو رامها النجم لم يظفر ببغيته

ولو رماها بقوس الأفق لم يصب

ملقى إذا عطشت والبرق أرسية

كواكب الدلو في بئر من السحب

جليسة النجم في أعلا مراتبه

وطالما غاب عنها وهي لم تغب

شهاب الدين بن حجر:

أهوى الجلوس بمقعد الصدق الذي

فرشت به بسط الزهور وزخرفا

حفت به أيدي السعود وأبصرت

عيني به طير المسرة رفرفا

ذكر أبو عبد الله بكر بن عياش كاتب المنصور أبي يوسف يعقوب قال كان لأبي بكر محمد بن مجير وفادة على المنصور في كل سنة فصادف المنصور في إحدى وفاداته فراغه من أحداث المقصورة التي كان أحداثها بجامعه المتصل بقصره في حضرة مراكش وكانت قد وضعت على حركات هندسية ترفع لخروجه وتخفض لدخوله وكان جميع من بباب المنصور يومئذ من الشعراء والأدباء قد نظموا أشعار أنشدوها إياه في ذلك فلم يزيدوا على شكره وتجرئته الخير فيما جدد من معالم الدين وآثاره ولم يكن فيهم من تصدى إلى وصف الحال حتى قام أبو بكر بن مجير فأنشد قصيدته التي أولها:

أعلمتني ألقي عصا السيار

في بلدة ليست بدار قرار

ص: 300