الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فلا يزال يشرب ويردد البيت إلى أن يغلبه السكر وينام وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله ويسمع جلبته وإنشاده ففقد صوته ليال فسأل عنه، فقيل أخذه العسس منذ ثلاثة أيام وهو محبوس فصلى صلاة الفجر وركب بغلته ومشى واستأذن على الأمير، فقال ائذنوا له وأقبلوا به راكباً حتى يطأ البساط ففعل لك به فوسع له الأمير في مجلسه وقال له ما حاجتك؟ فقال لي جاراً سكاف أخذه العسس منذ ثلاثة ليال فتأمر بتخليته، فقال نعم وكل من أخذ من تلك الليلة إلى يومنا هذا، ثم أمر بتخليته وتخليتهم أجمعين فركب أبو حنيفة رحمه الله تعالى وتبعه جاره الاسكاف فلما وصل إلى داره قال له أبو حنيفة أترانا أضعناك، فقال لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيراً عن صحبة الجوار ورعاية الحق ولله علي أن لا أشرب خمراً ابداً فتاب ولم يعد إلى ما كان عليه.
قلت: وقد ضمن هذا البيت الشيخ برهان الدين القيراطي تضميناً حسناً (ومولده سنة ست وعشرين وشبعمائة، ووفاته سنة إحدى وثمانين وسبعمائة) :
فقال دعاني منيتي لكريه راح
…
ورشف الثغر منه عقيب سكر
فقلت له دعوت فتى يرجى
…
ليوم كريهة وسداد ثغر
ونقلت من المستجاد في فعلات الأجواد عرض محمد بن الجهم داراً بخمسين ألف درهم فلما حضروا ليشتروا قال بكم تشتروا مني جوار سعيد بن العاص وكان بجواره فقالوا وإن الجوار ليباع، فقال وكيف لا يباع ويفرد بثمن وهو جوار من إذا سألته أعطاك، وإن سكت ابتدأك، وإن أسأت أحسن فبلغ ذلك سعيداً فوجه إليه بمائة ألف درهم وقال أمسك عليك دارك.
وعلى ذكر الجار فما أحسن قول الشيخ جمال الدين بن نباتة (ومولده سنة ست وستمائة، ووفاته سنة ثمان وستين وسبعمائة) .
بروحي جيرة أبقوا دموعي
…
وقد رحلوا بقلبي واصطباري
كأنا للمجاورة اقتسمنا
…
فقلبي جارهم والدمع جاري
وقال الشيخ بدر الدين بن الصاحب (ومولده سنة ست عشرة وسبعمائة، ووفاته سنة ثمان وثمانين وسبعمائة) وقد انتقل النيل السعيد عن بر مصر إلى البر الغربي شط الجيزة.
يا أيها السلطان إن النيل عن
…
مصر تنقل بعد طول جوار
فاحفظ لنا جريانه وجواره
…
فالله قد أوصى بحفظ الجار
وأنشدني سيدي وأخي الجناب المجدي فضل الله بن مكانس أبقاه الله_تعالى_من موشحة لنفسه
أجريت ما بين دموعي الغزار*مثل البحار*ولم يدع لي طول دهري قرار
هجر حبيبي وهو مني قريب*مع الرقيب*قد صيراني بين قومي غريب
دأبي النحيب*فآه من جورك يا ذا الحبيب*على الكثيب
وما احتيالي في قريب الديار*ونائي المزار*هو على الحالين يا قلب جار
رجع إلى ما كنا فيه: كان أبو سفيان إذا نزل به جار قال له يا هذا إنك قد اخترتني جاراً واخترت داري داراً فجناية يدك على دونك وإن جنيت عليك فاحتكم حكم الصبي على أهله.
وذكر ابن الجوزي في كتاب الأذكياء قال رجل يا رسول الله إن لي جاراً يؤذيني قال انطلق وأخرج متاعك إلى الطريق، فانطلق فأخرج متاعه فاجتمع الناس إليه فقالوا ما شأنك؟ قال لي جار يؤذيني فجعلوا يقولون الله العنه اللهم اخزه اللهم أخرجه، فبلغه ذلك فأتاه فقال ارجع إلى بيتك فوالله لا أوذيك بعدها. وهذه من الحيل التي أباحها الشرع الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده.
وورد أن أبا مسلم الخراساني صاحب الدعوة عرض عليه فرس سابق فقال لأصحابه لما يصلح هذا الفرس؟ فقالوا ليوم الحرب، فقال كلا ولكن ليهرب عليه من جار السوء.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثلاث كن في الجاهلية الإسلام أولى بها: كان الرجل منهم إذا نزل به ضيف سعى له أهل البيت كبيرهم وصغيرهم حتى ينقلب وهو راض، وكان الرجل منهم إذا طال ثواء امرأته معه كره طلاقها لئلا تذل بعده، وكان الرجل إذا جنى جاره جريمة باع فيها ولو ولده حتى ينقذ جاره.
الباب الرابع
في الباب
الباب يجمع على أبواب وقد قالوا فيه أبوبة للازدواج، وقيل أبواب مبوبة كما قيل أصناف مصنفة، ولبعضهم فيما يكتب عليه.
لذ بذا الباب كلما
…
خفت ضيق المناهج
فهو باب مجرب لقضاء الحوايج
وأنشد الأصمعي وفي أبيات المعاني قول بعض العرب:
وذي رجلين لا يمشي عليها
…
ولكن في القيام له صلاح
فندفعه إذا احتجنا إليه
…
ونجذبه إذا حان الرواح
وقال الحاتمي في باب بمصراعين (توفي المذكور سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة) :
عجبت لمحرومين من كل لذة
…
يبيتان طول الليل يعتنقان
إذا أمسيا كانا على الناس مرصدا
…
وعند طلوع الفجر يفترقان
وقال الشيخ شمس الدين بن دانيال (توفي سنة عشر وسبعمائة) :
قل للوزير محمد بن محمد
…
يا من هو المسك الذكي لمن درج
أنت الذي دار السعادة داره
…
طول الزمان وبابه باب الفرج
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
بشر أمير المعالي باتصال هنا
…
يحفه السعد من أقصى جوانبه
واكتب على بابه الغربي معتمداً
…
عز يدوم وإقبال لصاحبه
وقال:
أيا دار دار اليمن من كل وجهة
…
عليك ولا زال الهنا لك يجاب
ولا عدم القصاد بابك إنه
…
لنجح الرجا باب صحيح مجرب
قلت: قوله صحيح على غير طائل وصاحب الذوق السليم يشهد والمعنى يقدم.
وقال:
يا زائري قاضي القضاة لينهكم
…
ما صحح التجريب من أبوابه
أقسمت ما الحجر المكرم للغني إلا الذي تغشون من أعتابه
وقال:
يا مالكاً تقصر عن وصفه
…
بذائع الشاعر والكاتب
في بابك العلم وفيض الندى
…
فلا خلا بابك من طالب
وقال ناصر الدين ابن النقيب في المجون (توفي سنة سبع وثمانين وستمائة) :
قال لي الخارج صف لي
…
مثل ما أعرف وصفك
أين باب الخرق قل لي
…
قلت باب الخرق خلفك
وعلى ذكر باب الخرق فلا بأس بإيراد نبذة مما قيل في باب زويلة، فمن ذلك قول إبراهيم المعمار (توفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة) :
زويلة بابك هذا سفيه
…
يشرب ماء الخمر جهراً بفيه
ولم يزل يألف سفك الدما
…
وكل ما يقطعه الشرع فيه
وله فيه:
حاذر زويلة إن مررت ببابها
…
وطعامها كن آيساً من خيره
فوسط القتلا يقول به انظروا
…
من لم يمت بالسيف مات بغيره
وقال شهاب الدين بن أبي حجلة (مولده سنة خمس وعشرين وسبعمائة، ووفاته سنة ست وسبعين وسبعمائة) :
برت زويلة إذا أمسى يقول لنا
…
باب لها قول صدق غير مكذوب
إذا وعدت حراميا بسفك دما
…
في الحال علق من وعدي بعرقوب
وقال الشيخ شمس الدين الضفدع فيما يكتب على الباب (مولده سنة ثلاث وتسعين وستمائة، ووفاته سنة ست وخمسين وسبعمائة) :
من ذا الذي ينكر فضلي وقد
…
فزت من الحسن بمعنى غريب
عندي لمن يخذله دهره
…
وقال إبراهيم المعمار:
يا من بباب علاه
…
العيش للنا سطابا
أرسلت مدحي غلاماً
…
إليك يخدم بابا
وما أظرف قول من قال وإن كان غير ما نحن فيه ولا تحسبه لك وحدك إن كنت راقداً اتنبه كما فتحت الطاقة غيرك يسد الباب.
وقال القاضي مدي الدين بن عبد الظاهر ملغزاً فيه (مولده سنة عشرين وستمائة ووفاته سنة اثنين وتسعين وستمائة) :
أي شيء تراه في الدور والكت?
…
?ب مجازاً هذا وذاك محقق
يحفظ المال والحريم ولو
…
لاه حفيظاً لكان ذلك يسرق
هو زوج تارة وهو فرد
…
وهو في أكثر الأحايين يطرق
وطليق في نشأتيه ولكن
…
بحديد من بعد ذلك يوثق
وثلاثاً تراه في الخط لكن
…
هو اثنان كله إن يفرق
وتراه للحشو ينسب حيناً
…
وهو مع ذلك لا يرى يتزندق
وهو في القلب يستوي وتراه
…
بان تصفيحه لمن يترمق
فأجبني عنه بقيت مطاعاً
…
لست في حلبة الفضائل تسبق
كتب الشيخ شرف الدين عبد العزيز الحموي المعروف بشيخ الشيوخ إلى والده ملغزاً (مولده سنة ست وثمانين وخمسمائة، ووفاته سنة إحدى وستين وستمائة) :
ما واقف في المخرج
…
يذهب طوراً ويجي
لست تخاف شره
…
ما لم يكن بمرتج
فكتب إليه والده الجواب ذهاب وجيء وخوف وهذا باب خصومة والسلام.
وكتب الأديب نصر الدين الحمامي إلى السراج الوراق وكان السراج يسكن بالروضة (مولده سنة خمس وعشرة وستمائة، وتوفي سنة خمس وتسعين وستمائة) :
كم قد أردد للباب الكريم لكي
…
أبل شوقي وأحيي ميت أشعاري
وأنثني خائباً فيما أؤمله
…
وأنت في روضة والقلب في نار
فكتب الجواب إليه:
الآن نزهتي في روضة عبقت
…
أنفاسها بين أزهار وأثمار
أسكرتني بشذاها فانثنت بها
…
وكل بيت أراه بيت خمار
ولا تغالط فمن فينا السراج ومن
…
أولى بأن قال إن القلب في نار
وقال الصاحب جمال الدين بن مطروح في قصيدة يمدح بها الملك الأشرف مظفر الدين موسى (ولد ابن مطروح سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وتوفي سنة تسع وأربعين وستمائة) :
ما كان أشوقني للئم بنانه
…
ولقد ظفرت بلئهما فليهنني
ودخلت من أبوابه في جنة
…
يا ليت قومي يعلمون بأنني
وقال علاء الدين الوداعي (مولده سنة أربعين وستمائة وتوفي سنة ست عشرة وسبعمائة) :
من أم بابك لم تبرح جوارحه
…
تروي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلة
…
والقلب عن جابر والسمع عن حسن
قلت: أما قرة فهو قرة بن خالد السدوسي وهو ثقة روى عن الحسن وابن سيرين وليس بتابعي، وأما صلة فهو صلة بن أشيم العدوي كان من عباد التابعين وهو زوج معاذة العدوية وهي تروي عن عائشة رضي الله عنها، وأما جابر فهو جابر بن عبد الله كان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس هو جابر الجحفي لأن جابر الجحفي ضعيف وهو تابعي وإنما ضعفوه لأنه كان يؤمن بالرجعة، وأما حسن فهو حسن البصري كان تابعياً كبيراً رأى من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نحو ثلاثمائة رجل، ولقد أجاد علاء الدين في استعمال هؤلاء الرجال في أوصاف الممدوح ودل على جودة اطلاعه على أسماء رجال الحديث، رحمه الله تعالى.
وأنشدني سيدي وأخي تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي سلمه الله تعالى لنفسه الكريمة إجازة من قصيدة.
قصدت باب الحبيب والرقبا
…
عليّ من خيفة اللقا حنقه
قالوا: فما تبتغي فقلت لهم
…
حتى تخلصت أبتغي صدقه
والشي يذكر بلوازمه ما ألطف وأبلغ ما ذكره ذو الوزارتين لسان الدين بن الخطيب الأندلسي في ترجمة شهاب الدين بن رضوان الغرناطي أبو جعفر في تاريخه بالإحاطة (وذكر أن وفاته سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة) :
يا من اختار فؤادي مسكنا
…
بابه العين التي ترمقه
فتح الباب سهادي بعدكم
…
فابعثوا طيفكم يغلقه
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة نثراً: أي والله تخلى الشباب وخمد آب الذهن اللهاب وخلا الفكر الحائم من صوب والفهم الخادم من صواب، واقصر عن نظمه ونثره من كانت له في الإنشاء نشأة وكانت له في الشعر أسباب، وغض بصر القريحة وتقاص ذيلها فما يرفع لها ولا تجر أهداب، واختبى لسان المنشئ المنشد عجزاً وأغلق عليه من شفتيه مصراعي الباب.
وقال القاضي الفاضل نثراً (مولده سنة اربع وعشرين وخمسمائة، ووفاته سنة ست وتسعين وخمسمائة) : لا زالت الملوك ببابه وقوفاً والأقدار له سيوفاً والخلق له في دار الدنيا ضيوفاً ودين دين الحق تعلمه الناس أنه إذا جرد لتقاضيه سيوفاً سيوفى.
ومن نثره: كل لفظة موصولة بأنه وفي كل قلب من حربه وفي كل دار من فضله جنة فروح الله تلك الروح وفتح لها أبواب الجنة فهي آخر ما ترجوه من الفتوح.
من رسالة كتبها المرحوم العلامة فتح الدين بن الشهيد إلى بعض أصحابه، وقد طرق عليه الباب فوجده مقفلاً: فما هو إلاا أن قبلت العتبة فأعتبت، وتأدت فريضة الخدمة لما وقفت وتأدبت، وأطلت قرع حلقة الباب فقال الصدى ضربت من حديد بارد وجئت، وقد استقل ركاب المسود والسائد فاذكر حاجتك أبلغ عنك ما تقول وأسبق، يرجع الجواب إليك الرسول قلت محب يراهم بالقلب إن عاقب الحوايج والجوانح ورحت، وقلت إن جئت بجواب فسل عن سايح بن رايح وعدت أمشي بخفي حنين.
وأصغي إلى صوت الصدى عند ذكركم
…
فأطرب للمغني وأهتف بالدار
وأسعى بها داراً على مروة الصفا
…
أطوف بها سبعاً ولم أقض أوطاري
وما نافعي التطواف في دارة الحمى
…
إذا لم يكن في دارة الحي أقماري
وترددت حتى كلل دمعي للطرق بالعقيق ورمت أنفاسي النار في الدار وصاحت الحريق.
وللقاضي الفاضل يصف الستائر من قصيدة أولها:
يا طالب الجود يمم كعبة الكرم
…
وقل سلام لها عن كعبة الحرم