المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الباب الثاني والثلاثونفي الماء وما جرى مجراه - مطالع البدور ومنازل السرور

[الغزولي]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأولفي تخير المكان المتخذ للبنيان

- ‌الباب الثانيفي أحكام وضعه وسعة بنائه وبقاء الشرف والذكر ببقائه

- ‌الباب الثالثفي اختيار الجار والصبر على أذاه وحسن الجوار

- ‌الباب الرابعفي الباب

- ‌الباب الخامسفي ذم الحجاب

- ‌الباب السادسفي الخادم والدهليز

- ‌الباب السابعفي البركة والفوارة والدواليب وما فيهن من كلام وجيز

- ‌الباب الثامنفي الباذهنج وترتيبه

- ‌الباب التاسعفي النسيم ولطافة هبوبه

- ‌الباب العاشرفي الفرش والمساند والأرائك

- ‌الباب الحادي عشرفي الأراييح الطيبة والمروحة وما شاكل ذلك

- ‌الباب الثاني عشرفي الطيور المسمعة

- ‌الباب الثالث عشرفي الشطرنج والنرد وما فيهما من محاسن مجموعة

- ‌الباب الرابع عشرفي الشمعة والفانوس والسراج

- ‌الباب الخامس عشرفي الخضروات والرياحين

- ‌الباب السادس عشرفي الروضات والبساتين

- ‌الباب السابع عشرفي آنية الراح

- ‌الباب الثامن عشرفيما يستجلب بها الأفراح

- ‌الباب التاسع عشرفي الصاحب والنديم

- ‌الباب العشرونفي مسامرة أهل النعيم

- ‌الباب الحادي والعشرونفي الشعراء المجيدين

- ‌الباب الثاني والعشرونفي الحذاق المطربين

- ‌الباب الثالث والعشرونفي الغلمان

- ‌الباب الرابع والعشرون في الجوارى ذات الألحان قال الثعالبي في تحفة الأرواح وموائد السرور والأفراح إن كان أجود منه وذلك مع الروية وقال أفلاطون: غناء الملاح تحرك فيه الشهوة والطرب وغناء القباح يحرك فيه الطرب لا الشهوة وقد قيل أحسن الناس غناء من تشبه بالنساء من الرجال ومن تشبه بالرجال من النساء وما أحسن قول القائل:جائت بوجه كأنه قمر…على قوم كأنه غصن

- ‌الباب الخمس والعشرون في الباءة

- ‌الباب السادس والعشرونفي الحمام وما غزى مغزاه

- ‌الباب السابع والعشرونفي النار والطباخ والقدور

- ‌الباب الثامن والعشرونفي الأسماك واللحوم والجزور

- ‌الباب التاسع والعشرونفيما تحتاج إليه الأطعمة من البقول في السفرة

- ‌الباب الثلاثون في الخوان والمائدة وما فيهما من كلام مقبول

- ‌الباب الحادي والثلاثونفي الوكيرة والأطعمة المشتهاة

- ‌الباب الثاني والثلاثونفي الماء وما جرى مجراه

- ‌الباب الثالث والثلاثونفي المشروب والحلواء

- ‌الباب الرابع والثلاثونفي بيت الخلاء المطلوب

- ‌الباب الخامس والثلاثونفي نبلاء الأطباء

- ‌الباب السادس والثلاثون في الحساب والوزراء اعلم أن الوزير مشتق اسمه من حمل الوزر عمن خدمه وحمل الوزير لا يكون إلا بسلامة من الوزير لا يكون إلا بسلامة من الوزير في خلقته وخلائقه أما في خلقته فإنه يكون تام الصورة حسن الهيئة متناسب الأعضاء صحيح الحواس وأما في خلائقه فهو أن يكون بعيد الهمة سامي الرأي ذكي الذهن جيد الحدس صادق الفراسة رحب الصدر كامل المروءة عارفاً بموارد الأمور ومصادرها فإذا كان كذلك كان أفضل عدد المملكة لأنه يصون الملك عن التبذل ويرفعه عن الدناءة ويغوص له عن الفكرة ومنزلته منزلة الآلة يتوصل بها إلى نيل بغيته وبمنزلة الذي يحرز المدينة من دخول الآفة ومنزلة الجارح الذي يصيد لطعمة صاحبه وليس كل أحد وإن أصلح لهذه المنزلة يصلح لكل سلطان ما لم يكن معروفاً بالإخلاص لمن خدمه والمحبة لمن استنصحه والإيثار لمن قربه وقال الثعالبي في يواقيت المواقيت، الوزارة اسم جامع للمجد والشرف والمروءة وهي تلو الملك والإمارة والرتب العلياء والدرجة الكبرى بعدهما، قال المنصور النميري يمدح يحيى البرمكي:ولو علمت فرق الوزارة رتبة…تنال بمجد في الحياة لنالها

- ‌الباب السابع والثلاثون في كتاب الإنشاء وهو فصلانالفصل الأول: فيما يحتاج إليه كاتب الإنشاء من الأخلاق والأدوات والآلات

- ‌الباب الثامن والثلاثون في الهدايا والتحف النفيسة الأثمانذكر ابن بدرون في شرحه لقصيدة ابن عبدون عند ذكر كسرى وبنائه للسور المذكور في الباب السادس من هذا الكتاب ولما بنى كسرى هذا السور هادته الملوك وراسلته، فمنهم ملك الصين كتب إليه من يعقوب ملك الصين صاحب قصر الدار والجوهر الذي في قصره نهران يسقيان العود والكافور والذي توجد رائحة قصره على فرسخين والذي تخدمه بنات ألف ملك والذي في مربطه ألف فيل أبيض إلى أخيه كسرى أنوشروان وأهدى إليه فارساً من در منضد علينا الفارس والفرس من ياقوت أحمر وقائم سيفه من الزمرد منضد بالجوهري وثوباً حريرا صينياً وفيه صورة الملك على إيوانه وعليه حلته وتاجه وعلى رأسه الخدام بأيديهم المذاب المصورة من ذهب تحمله جارية تغيب في شعرها يتلألأ جمالها وغير ذلك مما تهديه الملوك إلى أمثالها

- ‌الباب التاسع والثلاثون في خواص الأحجار وكيانها في المعادنقال الفاضل أبو العباس شهاب الدين أحمد بن يوسف التيشاء: في الجوهر اسم عام يطلق على الكبير والصغير منه فما كان كبيراً فهو الدر وما كان صغيراً فهو اللؤلؤ المسمى حباً ويسمى أيضاً اللؤلؤ الدق ولؤلؤ النظم وحيوان الجوهر الذي يتكون فيه كبيره وصغيره يسمى باليونانية أسطوروس يعلو لحم ذلك الحيوان صدفتان ملازمتان لجسمه والذي يلي الصدفتين من لحمه أسود ولهذا الحيوان فم وأذنان وشحم يلي الفم من داخلهما إلى غاية الصدفتين والباقي رغوة وصدفة وماء

- ‌الباب الأربعون في خزائن السلاح والكنائنسأل عمر بن الخطاب (عمرو بن معدي كرب عن السلاح فقال ما تقول في الرمح قال أخوك وربما خانك فانقصف، قال فما تقول في الترس قال هو المجن وعليه تدور الدوائر، قال فالنبل قال منايا تخطئ وتصيب، قال فما تقول في الدرع قال مفشلة للراجل مغلة للفارس وإنها لحصن حصين، قال فما تقول في السيف قال هنالك لا أم لك يا أمير المؤمنين فعلاه عمر بالدرة وقال له تقول لا أم لك قال الحمى أصرعتني

- ‌الباب الحادي والأربعون في الكتب وجمعها وفضل اتخاذها ونفعهاقال ابن الخشاب ملغزا فيها:

- ‌الباب الثاني والأربعونفي الخيل والدواب ونفعها

- ‌الباب الثالث والأربعونفي مصائد الملوك وما فيها من نظم السلوك

- ‌الباب الرابع والأربعونفي خطائر الوحوش الجليلة المقداد

- ‌الباب الخامس والأربعون في الأسد النبل والزرافة والفيل

- ‌الباب السادس والأربعون في الحمام وما في وصفها من بديع النظام

- ‌الباب السابع والأربعون في الحصون والقصور والآثار وما قيل فيها من رائق الأشعار

- ‌الباب الثامن والأربعون في الحنين إلى الأوطان وتذكر من بها من القطانروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صوتا فارتاع فقيل له في ذلك فقال ظننت أن ساكنا أزعج من منزله، وجاء أيضا حب الوطن من الإيمان وقال ابن عباس (لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ما اشتكى أحد الرزق وكانت العرب إذا سافرت أخذت معها من تربة بلدها تستنشق ريحها وتطرحه في الماء إذا شربته وهكذا كان المتفلسف من البرامكة إذا سافر أخذ معه من تربة مولده في جراب يتدواى به ولما غزا اسفندبار بلاد الخرز اعتل بها فقيل له ما تشتهي قال شربة من دجلة وشميما من تراب اصطخر فأتي به بعد أيام بماء وقبضة من تراب وقيل له هذا من ماء دجلة ومن تربة أرضك فشرب واشتم بالوهم فنقه من علته

- ‌الباب التاسع والأربعونفي دار سكنت كثيرة الحشرات قليلة الخير عديمة النبات

- ‌الباب الخمسونفي وصف الجنان وما فيها من حور وولدان

الفصل: ‌الباب الثاني والثلاثونفي الماء وما جرى مجراه

في الاحتياط باعتبار الأسباب المتعلقة بغسل اليد المؤدية إلى الهلاك ذكر جماعة من المصنفين وفي كتاب شاناق وزنطاح الهنديين صفات مياه تمتزج بماء القراح وتخفى فيه فمن اغتسل بها او تمضمض منها اتصل به بمسام جلده ولهواته داء مهلك ومنها ما تحمر به الأسنان ومنها ما ينفع فيه الخلال ومنها ما يجعل في الثياب والمناشف والمناديل ومنها ما يجب من حفظ مهج مدبري دولهم والذي يجب الاحتياط فيه أربة: الأشنان والماء والمنشفة والخلال ولكل واحد منها نوع من الاحتياط يخصه أما الأشنان والماء فوجه الاحتياط فيهما هو ان الغلام إذا قدم الطست جثا على ركبته ثم قدم قدح الأشنان والمحلب أو البنك ففتحه ثم أخذ الملعقة فحرك بها الأشنان جميعه حتى يقلبه ظهر البطن ثم يتناول برأس الملعقة منه يسيرا قدر الدرهم أو ما يقاربه فيجعله في كفه ثم يستفه ميعمد إلى الإبريق فيمسكه بيده اليسرى ويبسط يده اليمنى ويجمعها قليلاً ويصب فيها الماء من الإبريق ويشربه على أثر سف الأشنان ثم يوضع الإبريق ويناول الرئيس الأشنان بالملعقة ويسكب عليه الماء وأما المنشفة فإنه يكون مع الغلام منشفتان إحداهما يناولها للرئيس عندما يقدم الطست يضعها مبسوطة على حجرة تقي ثيابه رش الماء الزفر والأخرى تكون مطوية معلقة في وسطه على طيها وهي التي يجفف يده بها فهذه إذا وضع الطست بين يدي الرئيس أو الملك حواشيها باليمنى إلى آخرها ثم يقيمها قائمة ويقبض عليها بيده اليسرى من تحت اليمنى ويستلها بيده اليسرى سلتا قوياً ثم يمسكها باليسرى من وسطها ويثنيها ويقبض عليها باليمنى من تحت يده اليسرى وهي مثنية كما فعل باليسرى وهي غير مثنية ثم يستلها باليمنى إلى آخرها ثم يجمعها بين يديه ويفركها ثم يقبض عليها من حاشيتها الأخرى ويقيمها قائمة كما جعلها في المرة الأولى ويسلتها بيده حتى يستوى تجعيدها ثم يعلقها في وسطه وحينئذ يجثو لمناولة الأشنان وأما الخلال فقد ذكرنا أنه يجب أن ينقع ليلة أو ليلتين ويعوج عند التخلل لئلا يتشظا بين الأسنان فيكون له قدح صغير من زجاج طول الإصبع بحيث تدخله الإصبع يجعل فيها ماء ورد أو ماء قراح وماء الورد انفع لأن فيه قبضا تنتفع به الأسنان ويشد اللثة ثم يترك فيه الخلال قبل الحاجة إليه فإذا احتيج غليه اخرج الغلام قدح الخلال مغطى بغطاء محكم مغلفا بغلاف من أديم معدود له يعلقه الغلام في وسطه فيعمد إلى ماء الورد أو الماء الذي يكون فيه الخلال واليسير منه يجري فيصبه في راحته ويشربه جميعه ثم يناول الرئيس حينئذ الخلال على الصور السابقة في مناولته تم ذلك.

وفي ربيع الأبرار للزمخشري: أول من عمل الصابون سليمان عليه السلام، ولبعض الأدباء في رئيس بيده صابونة:

صابونة في راحتي ماجد

قد أضحت السحب لها حسدا

تلاطم البحران من حولها

فزصبح الموج بها مزبدا

‌الباب الثاني والثلاثون

في الماء وما جرى مجراه

قالوا وينبغي أن لا يشرب الماء على المائدة ولا بعد الأكل إلى أن يجف أعالي البطن إلا بمقدار ما يسكن بعض العطش ولا يروى منه ريا واسعاً حتى إذا جف البطن وانحدر الطعام استوفى منه ومن المشروب وفي آداب شرب الماء أحاديث نبوية ومنها أدبية حض عليها العلماء في مراعاتها أما الشرعية فلا يشرب قائماً روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لو يعلم أحدكم ما في بطنه إذا شرب قائماً لاستقى، ومنها أن تمز الماء مزا ولا تعبه عبا وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الكياد من العب والكياد داء الكيد، ومنها أن لا يستوفى الماء إلى آخره ومنها أن يناول من على يمينه ومنها أن لا يشرب من ثلمة الإناء هذه كلها من الماء إلى آخره الدين ومن آداب الماء أن يجلس ويتناول الكوز بيمينه ويسمى الله عز وجل وينظر في الإناء قبل الشرب ويضع يده اليسرى من تحته لعله يكون قد وضع على موضع يقطر منه على ثيابه قطرة غير نظيفة ثم يشرب ثلاثة أنفاس ولا يتنفس في الكوز ويحمد الله تعالى بعد الشرب وأن يسر أن كان معه غيره.

ص: 176

آداب شرب الماء في مجلس الملوك اتفق أكابر العلماء بالأدب أن استدعاء الكوز في مجلس الملك والرئيس وشرب الماء في مواجهته من سوء الأدب وأما مجلس الملك خاصة فلا سبيل إلى شرب الماء فيه البتة، ذكر في سيرة كافور الأخشيدي حكاية ينتفع بسماعها من يلزم مجالس الملوك قالوا كان أبو جعفر مسلم وأبو الفضل جعفر بن الفضل الوزير عند كافور عشية صيف ولم يكن عنده غيرهما فقال لهما قد اشتد الحر وللثلج أيام ما جاءنا من الشام وما كان كافور يذوق الثلج وغنما كانت الكيزان توضع عليه فيشرب منها وبهذا سلم من ضرر الثلج فبينما هم كذلك إذا خبر بمجيء الثلج فقال هاتوا ثلاث كيزان فجاءوا بها فأخذ كافور كوزاً فشربه واخذ أبو الفضل كوزاً وشربه وأخذ أبو جعفر كوزاً وقام فخرج من المجلس وشربه ثم عاد وأكب على يد كافور ثم قعد أبو جعفر ساعة وانصرف وأراد أبو الفضل أن ينصرف فشاغله كافور ثم قال هاتوا أبا اليمن فجاء فقال زد في جزاءة الشريف أبي جعفر ألف دينار في كل عام وإنما اجلس أبا الفضل ليريه مكافأته لأبي جعفر عن حسن أدبه معه في شرب الماء.

كتب أبو الخطاب الصابي إلى عمه أبي اسحق الصابي مع كوز ما بعث به إليه شرط المودة أطال الله بقاء سيدي أن لا أنفرد دونه بلذة ولا اختص قبله بعطية إذا كان لا فرق بين محبتي ومحبة ولا فصل بين مبرتي ومبرته وقد شربت الساعة في هذا الكوز فوجدته أعذب ارتشافا من الأفواه وأحلى مصا من الشفاه وأصفى جوهراً من فاخر الدر وأنقى من الثنايا من المسك الأذفر:

رقت حواشيه فخ

ف على الأنامل والقلوب

فكأنه مستعمل

من طيب أنفاس الحبيب

يتم على القدا ولا يحول بين الماء والهوى يلطف عن صفاء الزجاج ولا يحوج الغلام إلى الثلاج أن أفرغ شف وان أترع رف تتساوى المياه فيه عذوبة وتعجب العيون قبل النفوس رؤية:

اشهى إلى الأبصار من

وجه الحبيب بلا رقيب

تهدى لنا أنفاسه

ما فيك من كرم وطيب

حتى كان طينته من طينتك وعذوبته مشتقة من عذوبتك وقد أنفدته مملوءاً إليك لتعلم أن قبلى مملوء من المحبة عليك والسلام.

وقال صالح بن يونس في كوز ومرفع:

أم الحياة على سرير من نحاس

عريانة أبداً بغير لباس

هي في الممات لدى الورى معدودة

لكنها ضمنت حياة الناس

وأهدى رجل لرئيس كيزانا وكتب إليه:

ما بعثت الكيزان إلا احتيالا

جعلت مهجتى وروحي فداكا

منعتني الأيام تقبيل كفي

ك فأرسلتها تقبل فاكا

ولا يسمى الكوز كوزاً لا إذا كان له عروة وإلا فهو كوب وعى ذلك فسر قوله عز وجل (بأكواب وأباريق) ولذلك نظائر في اللغة وهو ما أن المائدة لا يقال لها مائدة إلا إذا كان عليها الطعام وإلا فهي خوان كما تقدم ولا يسمى الكأس كأساً إلا وفيه شراب وإلا فهو قدح وإلى ذلك أشار العلامة ذو الوزارتين وأمام العروتين لسان الدين أبو عبد الله محمد بن الخطيب وزير صاحب الأندلس وكاتم سره في قوله لما وقف على كتاب ديوان الصبابة تأليف الشيخ شهاب الدين احمد بن أبي حجلة مخاطباً له على قوله في الكتاب المذكور:

كتاب حوى أخبار من قتل الهوى

وسار بهم في شرق ومغرب

مقاطيعه مثل المواصيل لم تزل

يشيب فيها بالرياب وزينب

قوله هذه الأبيات:

يا من أدار من الصبابة بيننا

قدحا ينم المسك من رياه

وأتى بريحان الحديث فكلما صبح النسيم براحة حياه

أنا لا أهيم بذكر من قتل الهوى

لكن أهيم بذكر من أحياه

أنشدني هذه الأبيات المرحوم فخر الدين بن مكانس وذكر أن شهاب الدين بن أبي حجلة أنشده إياها وأنه تبجح بكونه مدح كتابه قال فقلت له يا شيخ شهاب الدين خثر عليك لسان الدين وذكر أن كتابك فارغ من المحاسن قال وكيف ذا قلت لقوله:

يا من أدار من الصبابة بيننا

قاحا ينم المسك من رياه

أما علمت أن الكأس لا يقال له الكأس إذا شرب وإلا فهو قدح فامتغص له شهاب الدين وأخبرني أن لسان الدين عارضه بكتاب سماه روضة التعريف بالحب الشريف في التصوف انتهى.

ص: 177

رجع إلى ما كنا فيه سأل رجل الشيخ أبا الفرج بن الجوزي رحمه اله ما لنا نرى الكوز الجديد إذا صب فيه الماء نش وخرج منه صوت فما معناه قال له يا ولدي ذاك صوت شكواه يشكو إلى برد الماء مالقيه من حر النار فقال السائل فما لنا نراه إذا ملأناه لا يبرد فإذا نقص برد فقال الشيخ حتى تعلموا أن الهوى إلا يدخل إلا على ناقص، وذكر الوداعي في تذكرته قال حدثني جماعة من أهل عانة وهيت بالعراق أنه إذا كان أو أن الأربعينات ملئت فإذا انقضت رفعوها إلى زمان الصيف وشربوا فيها الماء فإنها تبرده برداً كثيراً يقوم مقام الثلج انتهى.

قلت: وذكر لي الوزير فخر الدين بن مكانس رحمه الله إن ماء طوبا إذا شيل إلى الصيف وسكب منه في آنية الماء برده إلى الغاية وغن ماء هذا الفصل لا يفسد إذا شيل بخلاف غيره من الفصول، وما احسن قول ابن عبد الظاهر ملغزا في شربة:

وذى أن بلا سمع

له قلب بلا قلب

إذا استولى على حب

فقل ما شئت في الصب

قال وأهل مصر تقول للزير الحب وإليه أشار المرحوم فخر الدين بن مكانس في السبيل أنشأه الوزير الملكي الشهير بالنشو بجامع عمرو بن العاص (آمين:

أنشى القصيم النشو لما أرتقى

وزارة زادته في وزره

بالجامع العمري سبيلا وقد

قالت لنا عنه بنو مصره

هذا سبيل حاله فاسد

وزيره يرشح من قعره

أنشدني الشيخ شمس الدين الرئيس لنفسه وكتبها على الخوابي:

ترفق أيها الساقي

وزد في الطف بالصب

وداو القلب لي واعلم

بأني منزل الحب

فصل: في المحمود من المياه قال ابن النفيس في الموجز أفضل المياه مياه الأنهار وخصوصاً الجارية على تربة نقية فيتخلص الماء من الشوائب أو على حجارة فيكون أبعد عن قبول العفوفة وخصوصاً الجارية إلى الشمال المشرق وخصوصاً المنحدرة إلى أسفل وخصوصاً إذا بعد المنبع فإن كان مع هذا خفيف الوزن يخيل لشاربه انه حلو ولا يحتمل الشراب منه إلا قليلاً فذلك هو البالغ وماء النيل قد جمع أكثر هذه المحامد وماء العين لا يخلو من الغلظ وأردأ منه ماء البئر وما النز أردأ وأما الشرب على الريق وعقيب الحركة وخصوصاً الجماع وعلى الفاكهة وخصوصاً البطيخ فردئ جداً سواء كان المشروب ماء أو شراباً فإن لم يكن بد فقليل من كوز ضيق الرأس امتصاصاً وكثيراً ما يكون عطش عن بلغم لزج أو مايح وكلما روعى بالشرب حركه فإن صبر عليه أنضجت الطبيعة المادة المعطشة وإذابتها فيسكن من ذاته وفي مثل هذا كثير ما يسكن بالأشياء الحارة كالعسل.

ص: 178

قلت وعلى ذكر النيل فلا بأس بإيراد نبذة مما قيل فيه، قال الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة في كتابه السكران ذكر المهدوى في تفسيره عن عبد الله بن عمر (أن الله تعالى سخر للنيل كل نهر يجري على وجه الأرض في المشرق والمغرب وذلله له فإذا أراد الله تعالى أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمده فإذا انتهى جريه إلى ما قدره الله تعالى أمر كل نهر أن يرجع إلى عنصره ومصداق هذا إلا ترى أن النيل مخالف لكل نهر على وجه الأرض لأنه أن يزيد إذا نقصت وينقص إذا زادت لأنها والله اعلم تمده بمائها، وفي أصل النيل أقول للناس حتى ذهب بعضهم إلى أن مجراه من جبال الثلج وهي بجبل قاف وأنه يخترق البحر الأخضر بقدرة الله تعالى ويمر على معادن الذهب والياقوت والزمرد فيسير ما شاء الله تعالى إلى أن يأتي بحيرة الريح قال الحاكي لهذا القول ولولا ذلك يعني دخوله في البحر المالح وما يختلط به منه لما كان يستطاع أن يشرب منه لشدة حلاوته وقال قوم مبدأه من جبل القمر وانه ينبع من اثني عشر عينا واختلف في سبب زيادته ونقصانه فقال قوم لا يعلم ذلك إلا الله تعالى وكان الملك الصالح نجم أيوب يشتهى أن يعرف أصل هذا النيل فرسم أن تشتري عبيد صغار زنوج وما شاكلهم جلب لم يسعربوا وسلمهم لصيادي السمك والبحارة ليعلموهم صنعة البحر وصيد السمك وان يكون قوتهم من السمك لا غير فإذا مهروا في ذلك تصنع لهم مراكب صغار ليركبوا فيها ويأتوه بخبر النيل وكان فرعون يحي خراج مصر في كل سنة ألف ألف دينار فيأخذ الربع من ذلك لنفسه وأهل بيته وبيت ماله والربع الثاني لوزارته وامرأته وكتابه وجنده ويكنز الربع الثالث ذخيرة ويصرف الربا الرابع في حفر الخلجان وسد الترع وعمل الجسور ومصالح الأرض وكان في كل سنة إذا كمل التخضير ينفد مع قائدين من قواده أردبين من قمح فيذهب أحدهما إلى أعلى مصر والآخر إلى أسفلها فيتأمل القائد كل ناحية وأرض كل قرية فإن وجد موضعاً بائراً عطلا قد أغفل بذره كتب إلى فرعون بذلك وأعلمه اسم العامل وأخذ ماله وولده فربما عاد القائدان ولم يجد أحد منهما موضعاً لبذر الأردب لتكامل العمارة واستظهار الزرع وجباها عمرو بن العاص اثني عشر ألف دينار وكان ذلك أول دخوله إياها والكلام على ذلك طويل (ومما) قالت الفضلاء في النيل المبارك فمن ذلك قول علاء الدين والوداعي:

روَّ بمصر وبسكانها

شوقي وجدد عهدي الخالي

وصف لي القرط وشنف به

سمعي وما العاطل كالحالي

واروا يا سعد عن نيلها

حديث صفوان بن عسال

وقال الشيخ زين الدين بن الوردي:

ديار مصر هي الدنيا وساكنها

هم الأنام فقابلها بتقبيل

يا من يباهي ببغداد ودجلتها

مصر مقدمة والشرح للنيل

وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي:

رأيت في أرض مصر مذ حللت بها

عجائباً ما رآها الناس في جبل

تسود عيني في الدنيا فلم أرها

تبيض إلا إذا ما كنت في النيل

وقال الشيخ جمال الدين بن نياتة:

زادت أصابع نيلنا

وطمت فأكمدت الأعادي

وأتت بكل جميلة

ما ذي أصابع ذب أيادي

وقال الشيخ برهان الدين القيراطي:

لنيل مصر كمال في زيادته

وفضله غير مخفى ومكتتم

إذا بدت لك من تياره شيم

رأيته طاهر الأوصاف والشيم

وقال الشيخ شمس الدين بن الصائغ رحمة الله:

سما النيل إذ يحكى السما في انبساطه

فللَّه ما أحلى وأصدقه حاكى

تسير به الأفلاك شرقاً ومغربا

وحافاته ايضاً تحف بأملاك

وقال الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلى:

نشروا القلوع وبشروا بوفائه

الراية البيضاء عليه بالوفاء

وقال الشيخ بدر الدين بن الصاحب:

لله يوم الوفا والخلق قد أجمعوا

كالروض تطفو على نهر أزاهره

وقال الشيخ سديد الدين بن كاتب المرج:

يا نيل يا ملك الأنهار قد سقيت

منك البرايا شرابا طيبا رغدا

وقد دخلت القرى تبغي منافعها

فمعها بعد فرط النفع منك أذى

فقال تذكر عني أنني ملك

وتثنى ناسيا أن الملوك إذا

وقال إبراهيم المعمار:

سمعت يوماً سد مصر يقل

النيل وافي زائداً عندي

فكأن هذا خبر صادق

فرحت أرويه عن السدي

ص: 179

وفي هذه النبذة كفاية وعلى الجملة فمحاسن النيل مستكثرة ولو استوعبنا ما للفضلاء في ذلك من النظم والنثر لحفيت من تسطيرها الأقلام وضاقت صدور الأوراق وما أحق هذه المقاطيع أن تسمى مقاطيع النيل.

رجع إلى ما كنا فيه أنشدني من لفظه لنفسه ونقلته من خطه الشيخ الفاضل زين الدين ابن العجمي رحمه الله ملغزا سألتك أعزك الله عن سائل لاحظ له في الصدقة وغن لم يكن متصل النسب بالإشراف كثير الرجفان من غير أن يخاف كم يرد سائله نهرا وعفر وجه فاقده بالتراب قمرا مذكر كثير الحيض لطيف الانبساط سريع الغيض مطلق التصرف وعليه الحجر وطالما قبل العشاء أبدى لنا الفجر يتشعب ويتكسر ويتعوج ويتدور وله خمسون عيناً وأكثر يحمل القناطير المقنطرة ويعجز عن حمل إبرة سريع الاستحالة قل ما يثبت على حاله بعيد الغوص ليس له قرارا يعاجل صفاء وراده بالاكدار يسكن في تخوم الغبرا وينم على أحوال أهل السما رقيق القلب على كل عديم وكيف لا وهو الولي الحميم يجود بأفخر الحلى ولا يرد من نداه مؤملا كم عمر سبيلا وقطع طريقاً وأخاف سبيلاً كم طفا واحترق وأظهر الحقائق وهو كثير الملق كم علا درجاً وحط قدر الدقائق وقلع بأصابعه عين كل مارق وكم طهر أمما من أرجاسها وأماط عن أرض رديئ أدناسها وكم درأ عن شيخ خبثا ورفع كهلا وحدثا صقيل يجلو الصدا ويظهر على شدة البرد تجلدا يبلغ فيه بشئ يسير مقاماً لا ترقى إليه همة الملك الكبير كم أباح محرماً للعباد واكثر الفساد في البلاد وكم رأينا شموساً تجرى لمستقرها فيه وتجنح وتلوح في فلكه وتسبح كم خاص في ذاته خائض مع كثرة سياحته وربما وجد في الجبال رابض قد جمع فيه الخوف والرجا والكدر والصفا ومن العجائب انه كافر وكم أعان على العبادة أهل الصلاح وأضاف نزيله بالميتة ولم يخش في ذلك من جناح فسبحان من جمع فيه الأضداد وأرسله رحمة للعباد.

وقال أبو الفضل أحمد بن محمد الخازن فيه:

وخل صفاء زرته بعد هجرة

فألقيت شخصي في حشاه مصوراً

وادعته سرا فأفشاه للورى

فيا حسن ما أفشى الغداة واظهر

أبو حليف للثريا وأمه

به حامل في بطن منخفض الثرى

سطح له جسم بغير جوارح

يبارى الرياح الجاريات إذا جرى

تصافح كفى منه كفا رطيبة

يخادع عيني كالخيال إذا سرى

تزر عليه الريح ثوبا مفرَّكا

ويكسوه شهب الليل ثوبا مدثرا

وقال أبو الحسن الباهرزي ملغزا:

لا أحاجي في زمرة الفضلاء

فير خل خصصته بأخائي

في شبيه البلو ردَّ إلى الماء

وقد كان قبل عين الماء

ينذر الحر بالهزيمة بردا

فهو المنذر بن ماء السماء

وأنشدني المقر الاشرف المرحوم أبو عبد الله محمد بن الأنصاري صاحب ديوان الإنشاء بالشام لنفسه حكاية حال:

ضلو عن الورد لما انهم رحلو

قومي فظلوا حيارى يلهثون ظما

والله أكرمني بالورد دونهم

فقلت يا ليت قومي يعلمون بما

وعلى ذكر الماء ذكرت ما أنشدنيه من لفظه لنفسه شيخاً العلامة أقضى القضاة بدر الدين أبو عبد الله محمد المخزومي المالكي الشهير بالدمامينى ملغزا في قرية وكتب به إلى المرحوم الأميني صاحب ديوان الإنشاء على يد مسطرها:

أكاتب سر الملك والفاضل الذي

ثناه على الأفكار فرض مرتب

ومن فاه في فن البديع بمنطق

فأمست غويصات المعاني تهذب

تحدّث عن سهل رواة كومه

إذا ما أتاه اللغز يرويه مصعب

فديتك ما ذات أطالعكم بها

ويبحث في الأسفار عنها ويطلب

تشدَّ وكم في الأرض قارا ما لها

فصدق إذا ما قيل تملى وتكتب

وما هي في التحقيق رواية وكم

لها خبر في الذوق يحلو ويعذب

مليحة شكل يألف الحب صبها

زمانا وفي وقت لها يتجنب

ويبلغ منها للحياض حقيقة

ولكن رأينا قلبه وهو طيب

يزيد مريدوها إذا ما تصوَّفت

ويشكرها أهل الزوايا ويطنبوا

لها أربع لكن بساق رأيتها

على السعى في الأحياء بالنقع تدأب

وترضع أحياناً وما حان وضعها

وكم من فتى في حملها راح يرغب

وتحمل ما فيه الحياة لربها

فيا حبذا منها البسيط المركب

ص: 180