الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثّالث
في يوم النحر
اعلموا أن يومَ النحرِ يوم عظيمٌ، قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أَفْضَلُ الأَيَّامِ يَوْمُ النَّحْرِ"(1).
وروي عنه صلى الله عليه وسلم في الأضحية: أنه قَالَ: "بِكُلِّ شَعْرَةٍ
حَسَنَةٌ" (2).
للهِ درُّ أقوامٍ أعيادُهم قبولُ الأعمال، ومرادُهم [أ] شرفُ الأعمال، وأحوالُهم تجري على كمال، وجَمالهم التقى، ويا لَه من جمال!
يا من كلما جُذِبَ عن لهوه رَسَب، هذا بريدُ الموتِ لك في الطلب، بادرْ قبلَ الفوات، فالزمانُ يُـ[نْتَـ]ـهَب.
أين مخاصمُ الأقدار؟ قل لي: من غلب؟!، أتاه الفاجعُ فاقترب وما ارتقب، وأبرزه عن قصره ويا طالما احتجب.
يا معرضاً عنا! عناك التعب، يا هاجراً لنا! إِلَى كم هذا
(1) رواه ابن حبان في "صحيحه"(2811) عن عبد الله بن قُرط رضي الله عنه.
(2)
رواه ابن ماجه (3127)، والإمام أحمد في "المسند"(4/ 368) عن زيد بن أرقم رضي الله عنه.
الغضب؟! يامضغةً، يا علقةً! خدمتنا نَسب، يا مؤثِراً غيرَنا! بعتَ الدُّرَّ بالخشب.
أما يشوقك إِلَى الخير ما يشوق؟! أما يعوقك عن الضير ما يعوق، متى ترجع حُرّاً يا مرقوق؟! متى تصير سابقاً يا مسبوق؟! إياكَ والهوى، فكم قتل عاشقاً معشوق، أولُ الهوى سهلٌ، ثم تتخرق الخروق، كلما حصد نباته بمنجل الصبر، أخرجت العروق، إن لذّ شربُه في الفم، فشربه شَجًا في الحلوق، وإنما لَذَّةُ الدنيا مثلُ خطفِ البروق، خلِّ، خلِّ التواني إن شئت تفوق، تالله! ما نصحك إلا محبٌّ أو صدوق.
ستعلم -أيها العاصي- ما أتيت، وستدري يومَ الحساب من عصيت، وستبكي دماً لقبيح ما جنيت، كأنك بالموت قد جاء فانتبهت وارعويت، وذكرتَ تلك الخطايا فتعست وبكيت، وأُخلي منك البيت، شئتَ أو أبيت، وصِحْت بلسان الأسف:{رَبِّ ارْجِعُونِ} [المؤمنون: 99] وليت، انهض يا حياً قادراً قبل أن تسمى باسم مَيْت، ويحك! تأمَّلْ أمرَك، وافتح عينك، ويحك! كم تعبي من الذنوب عليك، إن سهام الموت قد فُوِّقَت إليك، اقبلْ نصحي، وقمْ نادماً على قدميك، واحسبها أرضَ عرفةَ، وقل: لبيك لبيك.
قَالَ بعض العارفين: ما فرح أحدٌ بغير الله إلا بغفلته عن الله، فالغافلُ يفرح بلهوه وهواه، والعاقل يفرح بمولاه.
وأنشد سمنون في هذا المعنى:
وَكَانَ فُؤَادِي خَالِياً (1) قَبْلَ حُبِّكُمْ
…
وَكَانَ بِذِكْرِ الخَلْقِ يَلْهُو وَيَمْرَحُ
فَلَمَّا (2) دَعَا قَلْبِي هَوَاكَ أَجَابَهُ
…
فَلَسْتُ أَرَاهُ عَنْ فِنَائِكَ يَبْرَحُ
رمُيتُ بِبُعْدٍ مِنْكَ إِنْ كُنْتُ كَاذِباً
…
وَإِنْ كُنْتُ في الدُّنْيا بِغَيْرِكَ أَفرَحُ
وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ في البِلادِ بِأَسْرِهَا
…
إِذَا غِبْتَ عَنْ قَلْبِي لِقَلْبِيَ يَمْلُحُ
فَإِنْ شِئْتَ وَاصِلْنِي وَإِنْ شِئْتَ لا تَصِلْ
…
فَلَسْتُ أَرَى قَلْبِي لِغَيْرِكَ يَصْلُحُ
• • •
(1) في الأصل: "خلياً".
(2)
في الأصل: "فلمن".