الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثّاني
في ذكر رَضاعه
قَالَت حَليمةُ: كنا أهلَ بيتٍ أشدَّ الناس فقراً، وأكثرَهم جوعاً، وكنا وقعنا في غلاء، وكنا نأكل العظامَ والجلودَ المحرقةَ، وكنت قد وَلَدْت مولوداً، وكان لي سبعة أيام، ما استطعمت فيها بطعام، إني أتقوَّت بالحشيش، وأنا أقنَعُ وأصبر، وأحمدُ الله على كل حال.
قَالَت: فدخل عليَّ نسوانُ العرب، وقلن: يا حليمةُ! قومي بنا إِلَى مكة نرضعْ أولادَ الأغنياء، ليواسونا بشيء من النفع، فقلت: قوموا معي، والله! وأنا أيضاً: أُخبرت بدخولِ مكةَ في منامي.
فسبقني نسوانُ العرب، فكان تحتي حمارٌ حضيض الماء في بطنه، قد بدت عظامُه، فخرج شخص من بين يديَّ من الجبلين، وقَالَ لي: حليمة! جدِّي سيرك، وأنا ملك أمرني ربي بحفظك من كل شيطانٍ مَريد، فقلت: ما أرى حماري يمشي، إن شيطاناً تعلق في ذنبه، فضربه بحربة من نور، فطار الحمار، وذهب الشيطان.
وسرنا، فكنت لا أمرُّ بحجر ولا شجر، ولا شيءٍ إلا ينادي: هنيئاً
لك يا حليمةُ، حَتَّى وصلنا مكة، وإذا عبد المطلب ينادي: يا معشرَ المراضع! هل بقي منكن أحد؟
فقلت: أَبركُ الأيامِ أيها السيد.
فقَالَ: أهلا بك وسهلاً يا حليمةُ.
فقَالَ: إن عنده ولد [اً] اسمه محمد، عرضْتُه على أصحابِكِ، فلم يقبلْنَ، ويقلن: ما في اليتيم من الخير، فهل لكِ أن تأخذيه؟ قَالَت: حَتَّى أشاور بعلي، قَالَ: ادخلي الدار، وتضيفي من أمه [
…
]، فشاوري بعلَكِ، فدخلتِ الدار، فأضافتها أمُّه، ورحَّبت فيها، فقَالَت: بشرى ولد مكة، فقلت: نعم، فأدخلتني الدارَ، وكشفت عن وجهه، فلمعَ منه نورٌ عظيم، لحقَ عَنانَ السماء، فوضعتُه في حِجْري، فتبسَّم ضاحكاً، فخرج نورُ النبوة من ثَغْره، فامتلأ قلبي محبة، فناولتُه ثديى الأيمنَ، فشربه، فناولته الأيسر، فلم يشربْه، فعلمتُ أنه مبارك، فخرجتُ إِلَى زوجي، فقَالَ: خذيه، فقضيتُ حوائجي، وقصدتُ منزلَ آمنةَ، فأخذتُه، واللهُ قدَّره عليَّ بقضائه، يحكم ما يريد، ولا مانع لحكمه.