الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأوّل
في ذكر البرد
خَرَّجَ الإمامُ أحمدُ من حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال:"الشِّتَاءُ رَبيعُ المُؤمِنِ"(1).
وخرَّجَه البيهقيُّ، وغيره، وزاد:"طَالَ لَيْلُهُ فَقَامَهُ، وَقَصُرَ نَهارُهُ فَصَامَهُ"(2).
المؤمنُ يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقة ولا كلفة تحصل له؛ من جوعٍ، ولا عطش؛ فإن نهارَه قصير بارد، فلا يحس فيه بمشقة الصيام.
وفي "المسند"، و"الترمذي": عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال:"الصِّيَامُ في الشِّتَاءِ الغَنِيمَةُ البَارِدَةُ"(3).
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 75).
(2)
رواه البيهقي فى "السنن الكبرى"(4/ 297).
(3)
رواه الترمذي (797)، والإمام أحمد في "المسند"(4/ 335) عن عامر بن مسعود، مرسلاً.
وكان أبو هريرةَ يقول: ألا أدلكُم على الغنيمة الباردة؟ قَالَوا: بلى، قَالَ: الصيامُ في الشتاء (1).
وأما القيامُ في الشتاء، فيشقُّ على النفس من وجهين:
أحدهما: من جهة تألُم النفس بالقيام من الفراش في شدة البرد.
قال داودُ بن رشيدٍ: قام بعضُ إخواني إلى وِرْدِهِ بالليل في ليلة باردةٍ شديدةِ البرد، فكان عليه خُلْقَانٌ، فضربه البردُ، فبكى، فهتف به هاتف: أقمناكَ وأنمناهم، ثم تبكي علينا! (2).
الثاني: إسباغُ الوضوء في شدة البرد يتألم به.
روي في "صحيح مسلم" عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال:"أَلا أَدلكم عَلَى ما يَمحُو الله بِهِ الخَطَايَا، ويرفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ "، قالوا: بلى يا رسولَ الله، قال:"إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعدَ الصَّلاةِ، فَذلكمُ الرِّبَاطُ، فَذلكمُ الرِّبَاطُ"(3).
إسباغُ الوضوء في شدة البرد من أعلى خصال الإيمان.
في "المسند"، و"صحيح ابن حبان": عن عقبةَ بن عامرٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: "رَجُلانِ مِنْ أُمَّتِي؛ يَقُومُ أَحَدُهُما مِنَ اللَّيْلِ فَيُعَالِجُ
(1) رواه البيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 297).
(2)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(8/ 335).
(3)
رواه مسلم (251).
نَفْسَهُ إِلَى الطهُورِ، وَعَلَيْهِ عُقَدٌ، فَيَتَوَضَّأُ، فَإِذَا وَضَّأَ يَدَيْهِ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَإِذَا وَضَّأَ وَجْههُ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَإِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَإِذَا وَضَّأَ رِجْلَيْهِ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ؛ فَيَقُولُ الرَّبُّ عز وجل: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هذا يُعَالجُ نَفْسَهُ، ما سَأَلنِي عَبْدِي هذا، فَهُوَ لَهُ" (1).
ورأى بعضُهم خِياما ضُربت، فسأل: لمن هي؟ فقيل: للمجتهدين بالقرآن، فكان بعد ذلك لا ينام.
فَمَالِي بَعِيدَ الدَّارِ لَمْ أَقْرُبِ الحِمَى (2)
…
وَقَد نُصِبَتْ لِلسَّاهِرِينَ خِيَامُ
عَلامَةُ طَردِي طُولَ لَيْلِيَ نَائِمٌ
…
وَغَيْرِي يَرَى أَنَّ المَنَامَ حَرَامُ
عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال:"إِنَّ جَهنَّمَ تَتَنَفَّسُ نَفَساً في الشِّتَاءِ، ونَفَسَاً في الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ ما تَجدُونَ مِنَ البَرْدِ مِنْ زَمهرِيرها، وَأَشَدُّ ما تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ مِنْ سَمُومِهَا"(3).
كَف يَكُونُ الشِّتَاءُ ثُمَّ المَصِيفُ
…
وَرِبيعٌ يَمضِي وَيَأْتِي خَرِيفُ
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 159)، وابن حبان في "صحيحه"(1052).
(2)
في الأصل: "إلى الحمى".
(3)
رواه البخاري (512)، ومسلم (617)، وابن ماجه (4319) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وَازتجَالٌ مِنَ الحَرُورِ إِلَى البَرْ
…
دِ وَسَيْفُ الرَّدَى عَلَيْكَ مُنِيفُ
يا قَلِيلَ المُقَامِ في هذهِ الدُّ
…
نْيا إِلَى كَم يَغُرُّك التَّسْوِيفُ
يا طَالِبَ الزَّائِلِ حَتَّى مَتَى
…
قَلْبُكَ بِالزَّائِلِ مَشْغُوفُ