الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على أحكام كثيرة لصيقة بنفسية الإنسان وتطلعاته ومواقفه التي يمر بها في الحياة من خوف وضعف، وتردد وإدبار، وانهزام وسطحية في التفكير، بالرغم من وجود أصل الإيمان الذي ينبغي أن يكون مذكرا بالثبات والجرأة والشجاعة والحرص على انتزاع النصر، وقطع طريق العودة إلى سبيل الكفر والكافرين، وعدم التأثر بموت القائد أو النبي؛ لأن الاستقامة أبدية دائمة ليست موقوتة بحياة النبي ولا من أجل شخصية النبي.
1 -
إن دخول الجنة مرهون بسلوك طريق المجاهدين المخلصين الذين قتلوا وصبروا على ألم الجراح، وضحوا بأنفسهم في سبيل الله.
2 -
إن الظفر بشرف الشهادة في سبيل الله لا يكون بالأماني والتمنيات، وإنما بالثبات والصبر على الجهاد.
وتمني الموت يرجع من المسلمين إلى تمني الشهادة بالوصف السابق، لا تمني قتل الكفار لهم، فذلك معصية وكفر، ولا يجوز إرادة المعصية، وهذا هو مراد المسلمين وسؤالهم من الله أن يرزقهم الشهادة، فهم يسألون الصبر على الجهاد، وإن أدى إلى القتل.
3 -
إن الرسل ليست بباقية في قومها أبدا، وإنما يجب التمسك بما أتت به الرسل، وإن فقد الرسول بموت أو قتل، وأما من حاول الردة إلى الكفر بعد الإيمان، فلن يضر الله شيئا، بل يضر نفسه ويعرضها للعقاب بسبب المخالفة، والله تعالى لغناه لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية، وسيجزي الله الشاكرين الذين صبروا وجاهدوا واستشهدوا.
وكل هذه الأحكام عتاب للمنهزمين يوم أحد، وهو درس لأمثالهم. وإن
موقف أبي بكر الصديق يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أدل دليل على شجاعته وجرأته، فإن الشجاعة والجرأة: هما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبي صلى الله عليه وسلم، ففي ثباته واستدلاله بالآية:{وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ} تثبيت للمؤمنين، وقطع لدابر الفتنة، واستئصال لأوهام ومقالات الجاهلين.
وأما تأخر الصحابة عن دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن السنة تعجيل الدفن فلأمور ثلاثة: عدم اتفاقهم على موته، وعدم علمهم بمكان دفنه، حتى أخبرهم أبو بكر
بقوله صلى الله عليه وسلم: «ما دفن نبي إلا حيث يموت»
(1)
، واشتغالهم بالخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار في البيعة، حتى انتهوا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه في مبدأ الأمر، ثم بايعوه في الغد عن رضا واتفاق شامل.
ثم نظروا في دفنه عليه الصلاة والسلام وغسّلوه وكفنوه، ثم صلوا عليه فرادى، أخرج ابن ماجه بإسناد حسن صحيح عن ابن عباس: «فلما فرغوا من جهازه يوم الثلاثاء، وضع على سريره في بيته، ثم دخل الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا
(2)
يصلّون عليه، حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء، حتى إذا فرغن أدخلوا الصبيان، ولم يؤمّ الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد.
4 -
إن محمدا بشر كسائر الأنبياء، وهم قد ماتوا، وإن مهمة كل نبي وهي تبليغ الدين تنتهي بتحقيق الغرض المقصود، ولا يلزم من ارتحالهم نقض رسالتهم. وإن المصائب التي تنزل بالإنسان لا صلة لها بكونه على حق أو باطل، فقد يبتلى الطائع بأنواع المصائب، والعاصي بأصناف النعم.
5 -
الموت أمر حتمي مقضي به في أجل معين لا يتجاوزه ولا يتقدم عنه لحظة، وكل إنسان مقتول أو غير مقتول ميّت إذا بلغ أجله المكتوب له، وهذا
(1)
أخرجه ابن ماجه والموطأ وغيرهما.
(2)
أرسالا: أفواجا وفرقا متقطعة، بعضهم يتلو بعضهم، واحدهم: رسل.
معنى قوله: {كِتاباً مُؤَجَّلاً} . وأما معنى قوله {بِإِذْنِ اللهِ} أي بقضاء الله وقدّره. وأجل الموت: هو الوقت الذي في معلومه سبحانه أن روح الحي تفارق جسده، ومتى قتل العبد علمنا أن ذلك أجله، ولا يصح أن يقال: لو لم يقتل لعاش، لقوله تعالى:{كِتاباً مُؤَجَّلاً} {إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} [يونس 49/ 10]{فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ} [العنكبوت 5/ 29]{لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ} [الرعد 38/ 13].
ودلت الآية {وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ.} . على الحض على الجهاد، وعلى أن الموت لا بد منه، وأن كل إنسان يموت بأجله، والقتيل يموت بأجله.
6 -
من قصر رغبته وعمله على الدنيا دون الآخرة، آتاه الله منها ما قسم له، ومن جعل رغبته في الآخرة من تضعيف الحسنات لمن يشاء، آتاه الله الآخرة والدنيا معا.
7 -
دلت آية {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ.} . على غاية التجرد والموضوعية والعدالة وإنصاف الحقائق، فليس العمل الصالح والجهاد في سبيل الله والثبات والصبر في الحرب مقصورا على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فكثير من أتباع الأنبياء السابقين كانت لهم مواقف رائعة، وبطولات خارقة، فجاهدوا وقاتلوا، وصبروا وقتلوا، وما لانت لهم قناة، ولا خارت لهم عزيمة، ولا ذلوا ولا خضعوا لما أصابهم في الجهاد، وكان فعلهم هذا مقرونا بقولهم الدال على قوة إيمانهم، وطهارة نفوسهم، وإخلاصهم في طلب رضوان الله، فتضرعوا إلى ربهم وقت الشدة والمحنة وعند لقاء العدو، فاستحقوا إنعام الله عليهم في الدنيا بالنصر والظفر على عدوهم، وفي الآخرة بالجنة، ووصفوا بالإحسان، وأوتوا ثوابا عظيما دائما لا يحده حصر.
وفي موقفهم المهيب بالابتهال والتضرع والدعاء والاستغفار دليل على أن إجابة الدعاء تتطلب الإخلاص وطهارة النفس وخشوعها لله، وأن الذنوب