الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجهه، فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، انظر ما صنع صاحبك بي، فقال:
يا أبا بكر، ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله، قال قولا عظيما، يزعم أن الله فقير، وأنهم عنه أغنياء، فجحد فنحاص، فأنزل الله:
{لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا} الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً} فقالوا: يا محمد، افتقر ربك، يسأل عباده، فأنزل الله:{لَقَدْ سَمِعَ اللهُ.} . الآية.
المناسبة:
تناولت الآيات السابقة أحداث معركة أحد، وما صاحبها من مكائد المنافقين ودسائسهم ومحاولاتهم تثبيط عزائم المسلمين عن الجهاد. وبدأت هذه الآيات ببيان دسائس اليهود في محاربة المسلمين، ليحذرهم الله منها كما حذرهم من المنافقين. غير أن أفعال اليهود كبائر ومخازي لا تحتمل، مثل نسبتهم الفقر إلى الله، ونقضهم العهود، وقتلهم الأنبياء، وخيانة الأمانة.
هذه الآيات تسجيل لبعض قبائح اليهود، فإنه تعالى سمع قولهم الشنيع وسيعاقبهم عليه أشد العقاب، وهو تهديد ووعيد على مقالتهم، وهي نسبة الفقر إلى الله والغنى إلى أنفسهم، ولكنه تعالى سيجازيهم على ذلك، إذ يلزم من كتابة الذنب وحفظه إنزال العقوبة عليه.
ومن جرائمهم الشنيعة قتلهم الأنبياء قديما بغير حق ولا ذنب، ونسبة القتل إلى اليهود المعاصرين في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم، مع أنه كان من أجدادهم؛ لأنهم كانوا راضين عنه، مقرين بما ارتكبوا، متعاطفين مع بني جنسهم، مما يدل على أن
الأمة متكافلة متضامنة فيما بينها في القضايا العامة، وأنها تؤخذ بجريرة وذنب أفرادها، إذا كانوا مقرين أفعالهم ولم ينكروها عليهم.
لذا قال تعالى: {وَنَقُولُ: ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ} أي النار، أي سيجازيهم الله على ذلك شر الجزاء، وإن هذا العذاب المحرق المؤلم بسبب أعمالكم في الدنيا وبما سلف من الذنوب كقتل الأنبياء، ووصف الله بالفقر، ومناصرة الكفر وغير ذلك. وأضيف العمل إلى الأيدي؛ لأن أكثر أعمال الناس تكون بالأيدي، وللدلالة على أن العذاب بسبب عملهم الصادر منهم حقيقة، ولتوليهم الفعل ومباشرته، بل إنهم حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم بإلقاء الجدار عليه في المدينة، وبدس السم في شاة في خيبر.
وليس هذا العذاب في غير محله، وإنما هو في غاية العدل والحكمة؛ لأن الله لا يظلم أحدا، ولأنه لا يعقل التسوية بين العاصي والطائع، وبين الكافر والمؤمن، كما قال تعالى:{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ، ساءَ ما يَحْكُمُونَ} [الجاثية 21/ 45]. {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟} [القلم 35/ 68 - 36]{أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ} [ص 28/ 38].
يقال لهم تلك المقالات: {ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ، ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ} تقريعا وتوبيخا، وتحقيرا وتصغيرا، وتبيانا لبشاعة جرائمهم، وذلك إما في جهنم، أو عند الموت، أو عند الحساب، والقائل إما الله أو الملائكة.
ثم يقول تعالى تكذيبا لليهود أيضا الذين زعموا أن الله عهد إليهم في كتبهم ألا يؤمنوا لرسول، حتى يكون من معجزاته: أن من تصدق بصدقة من أمته أي قربان، فتقبلت منه: أن تنزل نار من السماء تأكلها.
والقربان: ما يتقرب به إلى الله تعالى من نسك (إراقة دم من المواشي) وصدقة وعمل صالح.
والقصد من زعمهم هذا عدم الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يأت بما قالوه، ولو أتى به لآمنوا.
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في كعب بن الأشرف ومالك بن الصّيف، وفنحاص بن عازوراء في جماعة آخرين، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، تزعم أنك رسول الله، وأنه تعالى أوحى إليك كتابا، وقد عهد إلينا في التوراة ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، ويكون للنار دويّ خفيف حين تنزل من السماء، فإن جئتنا بهذا صدقناك، فنزلت الآية.
ولكن ادعاء هذا العهد من مفترياتهم وأباطيلهم، لذا ردّ الله تعالى موبخا لهم ومكذبا، بأن نزول النار معجزة، والمعجزة لتأييد الرسالة، وإثبات صدق النبي المبعوث، وقد جاءكم رسل كثيرون مثل زكريا ويحيى وغيرهما بالمعجزات أو بالبينات الواضحة الدالة على صدق نبوتهم، فلم كذبتموهم؟ ولم تصدقوهم، ولم قتلتموهم؟ إن كنتم صادقين أنكم تتبعون الحق وتنقادون للرسل.
وقد نسب هذا الفعل لليهود الذين كانوا في عصر التنزيل القرآني، مع أن تلك الجرائم كانت من أسلافهم؛ لأنهم كما بينا سابقا رضوان عما فعلوه، معتقدون أنهم على حق في ذلك، والأمة أو القبيلة عادة تتأثر بصنع بعض أفرادها، ويعيبها جرمه وانحرافه، لنسبته إلى تلك الجماعة.
ثم قال تعالى مسليا لنبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أي معزّيا ومؤنسا له، ومخففا عليه سوء موقف اليهود وأمثالهم وهم قومه، وتكذيب الفريقين، فأخبر: إن كذبوك بعد أن جئتهم بالدلائل-والمعجزات، فقد كذّب رسل من قبلك، جاؤوا بمثل ما جئت به من البينات والمعجزات، والكتب ذات الأصل الإلهي كالصحف المنزلة