الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{أَوْ كانُوا غُزًّى} أي مقاتلين في الحرب، واحدهم غاز {لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ} القول في عاقبة أمرهم {حَسْرَةً} ندامة في قلوبهم. {وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ} فلا يمنع الموت قعود.
المناسبة:
حذر الله تعالى في الآية السابقة من وسوسة الشياطين التي أدت إلى الهزيمة يوم أحد، وحذر هنا من وسواس المنافقين أعوان الشياطين.
التفسير والبيان:
ينهى الله تعالى عباده المؤمنين ويحذرهم من مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد الذي وضح بقولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب: لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم.
يا أيها المؤمنون لا تكونوا كأولئك المنافقين الذين قالوا في شأن إخوانهم حين سافروا في البلاد للتجارة فماتوا، أو كانوا غزاة محاربين فقتلوا: لو كانوا باقين عندنا ما ماتوا وما قتلوا.
لأن هذا جهل في الدين وضلال في الإيمان؛ لأن الحياة والموت بيد الله، كما قال:{وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً} [آل عمران 145/ 3].
والقضاء والقدر لا يجعلان الإنسان مجبورا على أفعاله؛ لأن القضاء: معناه تعلق العلم الإلهي بالشيء، والعلم انكشاف وإحاطة بالشيء لا يقتضي الإلزام؛ والقدر: وقوع الشيء بحسب العلم، وعلم الله لا يكون إلا مطابقا للواقع، وإلا كان جهلا. والإنسان مختار في أعماله، لكنه ناقص القدرة والإرادة والعلم، وله حدود لا يتعداها، فقد يعزم على شيء أو يختار عملا، ولكنه لا يحيط علما بأسباب الموت. ومتى وقع الشيء علم أن وقوعه لا بد منه، وإذا كان الإنسان مؤمنا بمعونة الله وتأييده وأنه يوفقه إلى ما يجهل من أسباب سعادته، يكون مع أخذه بالأسباب أنشط في العمل وأبعد عن العثرات والفشل.
لا تكونوا كالذين كفروا الذين قالوا فيمن ماتوا أو قتلوا ما قالوا، ليكون عاقبة ذلك القول حسرة في قلوبهم على من فقدوا، تزيدهم ضعفا، وتورثهم ندما، فإذا كنتم مثلهم أصابكم من الحسرة مثل ما يصيبهم، وتضعفون عن القتال كضعفهم.
فالله خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتاهم وقتلاهم. ثم رد الله تعالى عليهم بقوله: {وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ} أي بيده الخلق والإيجاد، وإليه يرجع الأمر والإعدام، ولا يحيى أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته وقدره، ولا يزاد في عمر أحد، ولا ينقص منه شيء إلا بقضائه وقدره.
والله بما تعلمون بصير، أي علمه وبصره نافذ في جميع خلقه، لا يخفى عليه شيء من أمورهم ظاهرها وباطنها، يعلم بما تكنّه النفوس وما تعتقده، وإن لم تعبر عنه. وفي هذا ترغيب للمؤمنين وتهديد للكافرين.
والقتل في سبيل الله والموت أيضا وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا وجميع حطامها الفاني الذي يجمعونه.
فما أجدر المؤمن أن يؤثر مغفرة الله التي تمحو الذنوب، ورحمته التي ترفع الدرجات على حظوظ الدنيا الفانية، فما هو خالد باق خير مما هو مؤقت فان.
ثم حث سبحانه وتعالى على العمل في سبيل الله؛ لأن المال إليه، فأخبر بأن كل من مات أو قتل، فمصيره ومرجعه إلى الله عز وجل، فيجزيه بعمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فبأي سبب كان هلاككم فإلى الله مرجعكم، وتحشرون، أي تجمعون إليه لا إلى غيره.
وهذا حث على العمل وبث لروح التضحية والجهاد من أجل العقيدة ورفع لواء الإسلام والدفاع عن الأوطان، ووعد قاطع بأن من يقتل في سبيل الله فهو حي يرزق عند ربه، وله عند الناس أطيب الذكر والثناء الجميل.