الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلوا عليه، قالوا: يا رسول الله، نصلي على عبد حبشي، فأنزل الله:{وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ.} . وكذلك قال جابر بن عبد الله وابن عباس وقتادة: نزلت في النجاشي.
نزول الآية (200):
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا} : روى الحاكم في صحيحة: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي-مخاطبا داود بن صالح-هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا.} .؟ قال:
قلت: لا، قال: إنه يا ابن أخي، لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ثغر يرابط فيه، ولكن انتظار الصلاة خلف الصلاة.
المناسبة:
لما وعد الله المؤمنين بالثواب العظيم، وكانوا في دنياهم فقراء، والكفار في نعيم ورخاء، ذكر تعالى في هذه الآية ما يسلّيهم ويصبرهم على تلك الشدة، عن طريق المقارنة بين نعيمي الدنيا والآخرة، فنعيم الدنيا فان زائل، ونعيم الآخرة خالد باق.
التفسير والبيان:
لا تنظر إلى ما عليه الكفار من الترف والنعمة والسرور، فإن هذا سيزول عنهم قريبا، ويصبحون مرتبطين بأعمالهم السيئة، فإنما نمد لهم فيما هم فيه استدراجا، وتنقلهم في البلاد للكسب والتجارة مجرد متاع قليل، يتمتعون به فترة من الزمان، ثم تصير جهنم مستقرهم ومأواهم، وبئس المقر مقرهم في جهنم.
وهذا كقوله تعالى: {ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ.} . غافر 4/ 40] وقوله: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ
لا يُفْلِحُونَ. مَتاعٌ فِي الدُّنْيا، ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ، ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ، بِما كانُوا يَكْفُرُونَ} [يونس 69/ 10 - 70] وقوله:{نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ} [لقمان 24/ 31] وقوله: {أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا، ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} [القصص 61/ 28].
وبعد أن ذكر حال الكفار في الدنيا وأن مآلهم إلى النار، ذكر حال المؤمنين المتقين: الذين اتقوا ربهم بفعل الطاعات وترك المنهيات، ولهم جنات النعيم، خالدين فيها أبدا، تكريما من عند الله، وما عند الله من الكرامة فوق ما تقدم خير وأفضل مما يتمتع به الذين كفروا من متاع قليل فان. وهذا كقوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً، خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً} [الكهف 107/ 18 - 108].
روى ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما سمّوا الأبرار؛ لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقا، كذا لولدك عليك حق» .
ثم أخبر الله تعالى عن طائفة من أهل الكتاب اهتدوا بالقرآن، كما اهتدوا بما عندهم من هدي الأنبياء، مثل عبد الله بن سلام وأصحابه والنجاشي، وقد وصفهم الله بصفات ممتازة هي:
1 -
الإيمان بالله إيمانا صادقا تاما.
2 -
الإيمان تفصيلا بالقرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الكتاب الإلهي الوحيد الباقي السالم من التحريف.
3 -
الإيمان إجمالا بما أنزل إليهم من التوراة والإنجيل.
4 -
الخشوع لله وهو ثمرة الإيمان الصحيح، ومتى خشع القلب لله خشعت النفس كلها.
5 -
عدم اشتراء شيء من متاع الدنيا بآيات الله، أي يحافظون على الوحي كما هو دون كتم شيء منه من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وصفته وبعثته وصفة أمته دون تحريف ولا تبديل. فهؤلاء المتصفون بهذه الصفات سواء كانوا هودا أو نصارى لهم الثواب الكامل على أعمالهم وطاعاتهم عند ربهم الذي رباهم بنعمه وهداهم إلى الحق، والله سريع الحساب فهو سريع الإحصاء، يحاسب الناس جميعا في وقت قصير حسابا لا خلل فيه ولا قصور، ولا مهرب ولا معقب على حكم الله. وهذا كقوله تعالى:{الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا: آمَنّا بِهِ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا، إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ، أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا} [القصص 52/ 28 - 54] وقوله: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف 159/ 7].
هذه الصفات وجدت في بعض اليهود وهم قلة مثل عبد الله بن سلام وأمثاله من أحبار اليهود ولم يبلغوا عشرة أنفس، وأما النصارى فكثير منهم يهتدون وينقادون للحق، كما قال تعالى:{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا: إِنّا نَصارى} إلى قوله تعالى: {فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها} [المائدة 85/ 5].
ثم ختم الله تعالى هذه السورة بوصية عامة للمؤمنين تؤهلهم لإجابة الدعاء والنصر في الدنيا والثواب في الآخرة، وتتضمن الوصية:
-الصبر على التكاليف الدينية ومنها الصلوات الخمس، وعلى المصائب والشدائد من مرض وفقر وخوف.
-المصابرة للأعداء أي مسابقتهم إلى تحمل الشدائد والمكاره، ومصابرة الأنفس والهوى.