الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} أي من معزومات الأمور التي يعزم عليها لوجوبها. والمعنى: أن الصبر والتقوى من صواب التدبير، وقوة الإرادة، وكمال العقل والفكر، ومن الأمور المحتمة التي لا يجوز التساهل فيها.
سبب النزول:
نزول الآية: {وَلَتَسْمَعُنَّ.} .: روى ابن أبي حاتم وابن المنذر بسند حسن عن ابن عباس أنها نزلت فيما كان بين أبي بكر وفنحاص من قوله السابق: {إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ} .
وذكر عبد الرزاق: أنها نزلت في كعب بن الأشرف فيما كان يهجو به النبي صلى الله عليه وسلم من الشعر، ويحرض عليه كفار قريش في شعره.
المناسبة:
كانت الآيات السابقة تسلية وتعزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمرت هذه الآيات في زيادة تسليته بأن كل ما تراه من عنادهم فهو منته إلى غاية، وكل آت قريب، فلا تضجر ولا تحزن، وإنهم سيجازون على أعمالهم يوم القيامة، فإن أمد الدنيا قريب، ويوم القيامة يوم الجزاء.
وهي أيضا خطاب للمؤمنين ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الأذى والشدائد والصبر عليها، حتى إذا فاجأتهم بغتة، وهم مستعدون لتحملها، لم يرهقهم شيء، كما يرهق غير المؤمن فتضيق نفسه ويشمئز ويكره الحياة.
التفسير والبيان:
هذا إخبار عام من الله تعالى يعم جميع الخلائق بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله تعالى:{كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ. وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ} [الرحمن 26/ 55 - 27] فكل الجن والإنس والملائكة وحملة العرش يموتون، والله وحده الحي القيوم الذي لا يموت، ينفرد بالديمومة والبقاء، فيكون آخرا كما كان أولا.
وفي الآية تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض وفي السماء حتى يموت، وتذوق كل نفس طعم مفارقة الروح البدن. ثم يوم القيامة توفى كل نفس بما عملت، من خير أو شر، وتعطى ثواب عملها الطيب كاملا غير منقوص، ويجازى المسيء الجزاء الأوفى، فلا تظلم نفس شيئا، وإن كان مثقال ذرة.
وفي ذكر توفية الأجور على الطاعات والمعاصي إشارة إلى أن بعض الأجور من خير أو شر قد تصل إليهم في الدنيا أو في القبور، بدليل
ما أخرجه الترمذي والطبراني مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «إن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار» .
فمن نحّي عن النار وأبعد عنها وأدخل الجنة، فقد فاز بالمقصد الأسمى والمطلوب الأعلى الكامل،
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتدركه منيته، وهو مؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتي إليه» . وهذا شامل للمحافظة على حقوق الله وحقوق العباد. وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها» . اقرؤوا إن شئتم: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ، وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ} . فاللهم وفقنا لما ندرك به الفوز بالجنة والنجاة من النار.
وما الحياة الدنيا التي نعيشها ونستمتع بها باللذات الجسدية من طعام وشراب والمعنوية من جاه ومنصب وسمو إلا كالمتاع المشترى بخداع وتغرير، ثم يتبين فساده ورداءته؛ لأن صاحبها دائما مغرور مخدوع بها، أو لأنها حقيرة متروكة فانية زائلة، كما قال تعالى:{بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى} [الأعلى 16/ 87 - 17] وقال: {وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها،
وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى} [القصص 60/ 28] وفي الحديث: «والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع»
(1)
.
وتهوين شأن الدنيا على هذا النحو لمن آثرها على الآخرة، قال سعيد بن جبير:«إنما هذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ»
(2)
. فمن فضل الدنيا على الآخرة، كان كمن اشترى صفقة خاسرة، غشه فيها البائع ودلس عليه، ثم تبين له فسادها ورداءتها.
ثم أراد تعالى بعد غزوة أحد توطين النفس وتربيتها على تحمل الأهوال والشدائد والمصائب، فخاطب النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين مخبرا إياهم: أن الدنيا دار ابتلاء واختبار في الأنفس والأموال؛ ففي الأنفس: بالقتل والأسر والجراح وأنواع المخاوف والمصائب، وفي الأموال: بالإنفاق في سبل الخير وما يقع فيها من الآفات، وهي مثل قوله تعالى:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ، وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ} [البقرة 155/ 2].
وأن المسلمين ونبيهم يسمعون ما يؤذيهم أذى كثيرا من اليهود والنصارى ومشركي العرب، والأذى قد يتناول الدين والقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم. ولكن الله تعالى قال للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر، مسليا لهم عما ينالهم من الأذى من هؤلاء، وواصفا لهم العلاج الناجع وهو الصفح والصبر والعفو والتزام تقوى الله بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات، فإن تحقق منهم ذلك آتاهم أجرين من رحمته؛ لأن الصبر والتقوى من معزومات الأمور، أي التي ينبغي أن يعزمها كل أحد.
(1)
رواه أحمد ومسلم وابن ماجه عن المستورد.
(2)
الكشاف: 366/ 1