الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والتعبير بكلمة {ناراً} عند جمهور المفسرين على طريق المجاز المرسل، من قبيل ذكر المسبب وإرادة السبب؛ لأن الإشارة في الآية إلى أكل واحد.
وظاهر الآية أن الحكم عام لكل من يأكل ما اليتيم، سواء أكان مؤمنا أم كافرا. وإذا قيل بأن الآية نزلت في أهل الشرك فخصوص السبب لا يخصص، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وورد في بعض الأخبار أنه لما نزلت هذه الآية، تحرّز الناس من مخالطة اليتامى، حتى شق ذلك على اليتامى أنفسهم، فأنزل الله تعالى:{وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ} [البقرة 220/ 2].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآية: {لِلرِّجالِ نَصِيبٌ} على ما يأتي:
1 -
قال المالكية: في هذه الآية فوائد ثلاث:
إحداها-بيان علّة الميراث وهي القرابة.
الثانية-عموم القرابة كيفما تصرّفت من قريب أو بعيد.
الثالثة-إجمال النصيب المفروض، وذلك مبين في آية المواريث؛ فكان في هذه الآية توطئة للحكم، وإبطال لذلك الرأي الفاسد حتى وقع البيان الشافي
(1)
.
2 -
إثبات الحق المقرر في الميراث لكلّ من الرّجال والنّساء، إبطالا لعادة أهل الجاهلية الذين كانوا يورثون الرّجال، ويحرمون النساء والصغار، فالمراد من الرّجال في الآية: الذكور البالغون، والمقصود من الوالدين: الأب والأم بلا واسطة، ومن النساء: الإناث البالغات. ويكون معنى الآية: للذكور
(1)
تفسير القرطبي: 46/ 5
البالغين نصيب مما ترك آباؤهم وأمهاتهم وأقاربهم كإخوتهم وأخواتهم وأعمامهم وعماتهم، وللإناث البالغات كذلك نصيب مما ترك آباؤهن. فالإرث مشترك بين الرّجال والنّساء. وهذا القول فيه إبقاء للآية على ظاهرها، ويكون القصد من الآية إلغاء عادة الجاهلية.
والتّنصيص على النساء اعتناء بشأنهن، وتقرير لأصالتهن في استحقاق الإرث، ومبالغة في إبطال حكم الجاهلية بتخصيص الإرث في الرّجال لأنهم المحاربون الغازون.
وعمم بعض العلماء الحكم في الرّجال والنّساء، فجعل المراد من الرّجال:
الذّكور مطلقا، سواء أكانوا كبارا أم صغارا، والمراد من النساء: الإناث مطلقا، ويكون المراد التّسوية بين الذّكور والإناث في أن لكلّ منهما حقّا فيما ترك الوالدان والأقربون. وهذا ما أميل إليه.
3 -
تدلّ الآية للحنفيّة القائلين بتوريث ذوي الأرحام؛ لأن العمات والخالات وأولاد البنات من الأقربين، فوجب إثبات حق الإرث لهم المقرر بقوله تعالى:{مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ} .
4 -
حق الإرث ثابت في قليل التركة وكثيرها، وهو حق مشاع لجميع الورثة، لا يختص بعضهم بشيء من الأموال كالسيف والخاتم والمصحف واللباس البدني.
ودلّ قوله تعالى أيضا: {مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} على إثبات حق الإرث للبنات، وأما مقدار الحق، فأبانته آيات المواريث الأخرى:{يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء 11/ 4]. و
لما نزلت آية: {مِمّا قَلَّ مِنْهُ} أرسل النّبي صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة ألا يفرّقا من مال أوس شيئا؛ فإن الله جعل لبناته نصيبا، ولم يبيّن كم هو، حتى أنظر ما ينزل ربّنا. فنزلت:{يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ.} .
إلى قوله تعالى: {الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} ، فأرسل إليهما:«أن أعطيا أم كجّة الثّمن مما ترك أوس، ولبناته الثلثين، ولكما بقية المال» .
واستدلّ بعض المالكية والشافعية والحنفية بهذه الآية: {مِمّا قَلَّ مِنْهُ} على وجوب قسمة الشيء الصغير للقسمة كالحمام والبيت. ورأى ابن أبي ليلى وأبو ثور وابن القاسم: أن كل ما لا ينقسم من الدور والمنازل والحمامات، وفي قسمته الضرر ولا ينتفع به إذا قسم: أن يباع ولا شفعة فيه؛
لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد والبخاري عن جابر: «الشّفعة في كلّ ما لا يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة» فجعل عليه الصلاة والسلام الشفعة في كل ما يتأتى فيه إيقاع الحدود، وعلّق الشفعة فيما لم يقسم مما يمكن إيقاع الحدود فيه. وهذا الرأي هو المعقول دفعا للضرر، قال ابن المنذر: وهو أصح القولين.
وأرشدت آية: {وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ} إلى الآتي:
1 -
كلّ من لم يستحق شيئا إرثا وحضر القسمة، وكان من الأقارب أو اليتامى والفقراء الذين لا يرثون: يكرم ولا يحرم، إن كان المال كثيرا، والاعتذار إليهم إن كان عقارا أو قليلا لا يقبل الرضخ
(1)
.
وإن كان عطاء من القليل ففيه أجر عظيم؛ درهم يسبق مائة ألف. فالآية على هذا القول محكمة، كما قال ابن عبّاس.
وروي عن ابن عبّاس: أنها منسوخة، نسخها قوله تعالى:{يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ.} . [النساء 11/ 4]. وقال سعيد بن المسيب: نسختها آية الميراث والوصية. قال القرطبي: والرأي الأول أصح؛ فإنها مبيّنة استحقاق الورثة لنصيبهم، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له ممن حضرهم.
(1)
الرضخ هنا: العطاء القليل.
2 -
إذا كان الوارث صغيرا لا يتصرف في ماله، فقالت طائفة: يعطي ولي الوارث الصغير من مال محجوره بقدر ما يرى. وقيل: لا يعطي، بل يقول لمن حضر القسمة: ليس لي شيء من هذا المال، إنما هو لليتيم، فإذا بلغ عرّفته حقّكم، فهذا هو القول المعروف. وهذا إذا لم يوص الميت له بشيء، فإن أوصى يصرف له ما أوصى.
3 -
القول المعروف مطلوب مع جميع الناس، ويتأكد طلبه مع الأقارب.
وهو القول الجميل والاعتذار اللطيف.
وأومأت آية: {وَلْيَخْشَ} إلى ما يأتي:
1 -
الآية تذكير بالمعاملة بالمثل مع أولاد الأوصياء، فهذا كما قال ابن عبّاس وعظ للأوصياء، أي افعلوا باليتامى ما تحبون أن يفعل بأولادكم من بعدكم، ولهذا قال الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً} .
2 -
القول السديد: وهو العدل والصواب من القول وهو مرغوب فيه في تربية اليتامى، فلا ينهرهم الولي ولا يستخف بهم.
ودلّت آية: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ} على ما يأتي:
1 -
تحريم أكل مال اليتامى ظلما، فقد دلّ الكتاب والسّنة على أن أكل مال اليتيم من الكبائر،
قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة:
«اجتنبوا السبع الموبقات» وذكر منها: «وأكل مال اليتيم» . ويفهم منه جواز الأكل بحق إن كان فقيرا، فيأكل بالمعروف، وله أخذ الأجرة على عمله.
2 -
عقاب آكل مال اليتيم ظلما هو دخول نار جهنم.
3 -
هذه آية من آيات الوعيد، ولا حجة فيها لمن يكفّر بالذنوب. والذي