الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية الأولى إلى أن البيت الحرام أول بيت وضعه الله للعبادة، بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
وهو يمتاز بمزايا عديدة هي وجود مقام إبراهيم عليه السلام، وكونه ذا بركة وخير كثير، ومصدر هداية للناس، وسبب وحدة المسلمين لاتّجاههم إليهم في صلاتهم، وموضع أمن وسلام لمن دخله في الدّنيا: بمنع قتله والاعتداء عليه، وفي الآخرة: يكون آمنا من النّار، لقضاء النّسك معظّما له، عارفا بحقّه، متقرّبا إلى الله تعالى.
وأرشدت الآية الثانية إلى فرضيّة الحجّ على المستطيع الذي لم يجد مانعا من الوصول إلى البيت الحرام، وهو فرض في العمر مرّة، وتكراره كل خمس سنوات سنّة، لحديث في هذا المعنى
أخرجه ابن حبّان في صحيحة والبيهقي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز وجل: إن عبدا صححت له جسمه، ووسّعت عليه في المعيشة، تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إليّ المحروم» أي من الأجر ومطرود من رضوان الله.
ودلّ الكتاب والسّنة على أنّ الحجّ على التّراخي، لا على الفور، وهو مذهب الشافعية ومحمد بن الحسن، قال القرطبي: وهو الصحيح؛ لأن الله تعالى قال:
{وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً} [الحج 27/ 22] وسورة الحج مكيّة، وقال تعالى:{وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران 97/ 3]، وهذه السورة نزلت عام أحد بالمدينة سنة ثلاث من الهجرة، ولم يحجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة عشر.
وورد في السّنة ما يدل على فرضية الحج مثل حديث ضمام بن ثعلبة السعدي قدم على النّبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن الإسلام، فذكر الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج. واختلف في وقت قدومه، فقيل: سنة خمس، وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة تسع.
قال ابن عبد البرّ: ومن الدّليل على أن الحج على التراخي: إجماع العلماء
على ترك تفسيق القادر على الحج إذا أخّره العام والعامين ونحوهما، وأنه إذا حجّ من بعد أعوام من حين استطاعته، فقد أدّى الحجّ الواجب عليه في وقته، وليس هو عند الجميع كمن فاتته الصلاة حتى خرج وقتها، فقضاها بعد خروج وقتها، ولا كمن فاته صيام رمضان لمرض أو سفر فقضاه، ولا كمن أفسد حجّه فقضاه، فلما أجمعوا على أنه لا يقال لمن حجّ بعد أعوام من وقت استطاعته: أنت قاض لما وجب عليك، علمنا أن وقت الحج موسّع فيه، وأنه على التّراخي، لا على الفور.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف، والمالكية في أرجح القولين، والحنابلة: يجب الحجّ بعد توافر الاستطاعة وبقية شروط الوجوب على الفور في العام الأول، أي في أول أوقات الإمكان، فيفسق وتردّ شهادته بتأخيره سنينا؛ لأنّ تأخيره معصية صغيرة، وبارتكابه مرة لا يفسق إلا بالإصرار، لأنّ الفورية ظنيّة، بسبب كون دليلها ظنيّا، كما ذكر الحنفيّة. واستدلّوا بقوله تعالى:{وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} ، وقوله:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} [البقرة 196/ 2]، والأمر على الفور. واستدلّوا أيضا بأحاديث منها:
(1)
، ومنها:
«تعجّلوا إلى الحجّ -يعني الفريضة-فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له»
(2)
، ومنها:
(3)
ورواية الترمذي المتقدمة: «من ملك زادا أو راحلة تبلّغه إلى بيت الله، ولم يحجّ، فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا، وذلك لأن الله تعالى قال في كتابه: {وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران 97/ 3]»
(4)
.
(1)
حديث صحيح رواه الحاكم والبيهقي عن علي.
(2)
رواه أحمد والأصبهاني عن ابن عباس، وهو ضعيف.
(3)
رواه سعيد بن منصور وأحمد وأبو يعلى والبيهقي عن أبي أمامة مرفوعا، وهو ضعيف.
(4)
قال الترمذي: غريب، في إسناده مقال، وفيه ضعف.
هذه الأخبار مع غيرها تدلّ على وجوب الحجّ على الفور؛ فإنه ألحق الوعيد بمن أخّر الحجّ عن أوّل أوقات الإمكان؛ لأنه قال: «من ملك.. فلم يحجّ» والفاء للتعقيب بلا فصل، أي لم يحجّ عقب ملك الزاد والراحلة، بلا فاصل.
وأجمع العلماء على أن الخطاب في قوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} عام في جميع الناس، ذكرهم وأنثاهم، ما عدا الصغار؛ فإنهم غير مكلّفين.
وإذا وجدت الاستطاعة فقد يمنع مانع من الحجّ كالغريم يمنعه الدّائن عن الخروج حتى يؤدّي الدّين، أو يكون له عيال يجب عليه نفقتهم، فلا يلزمه الحجّ، حتى يوفّر لهم النّفقة مدّة الغياب، وتقديم العيال أولى،
قال النّبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن عمرو: «كفى المرء إثما أن يضيّع من يقوت» . وكذا الأبوان يخاف الضيعة عليهما، ولم يكن له من يتلطف بهما، فلا سبيل له إلى الحجّ، فإن منعاه لأجل الشوق والوحشة، فلا يلتفت إليه. وإذا منع الرجل زوجته من الحجّ، لم تحجّ على الصّحيح.
وإذا لم يتوافر المحرم للمرأة أو الزّوج فلا يجب عليها الحجّ،
لقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن ابن عمر: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر فوق ثلاث إلا مع ذي رحم محرم أو زوج» فليس للمرأة أن تحجّ إلا مع زوج أو ذي محرم.
وهل تكون الاستطاعة للبعيد عن البيت بالمشي؟ قال الشافعية والحنابلة:
لا حجّ على الفقير البعيد عن البيت الذي لا يجد الزّاد والرّاحلة إذا أمكنه المشي، وإن حجّ أجزأه ذلك عن حجّة الإسلام.
وحكي عن مالك: أن عليه الحجّ إذا أمكنه المشي، ووجد الزّاد أو القدرة على الكسب، أو لم يجد الزّاد والرّاحلة أيضا إذا أطاق المشي.
والحجّ لا يجب في العمر إلا مرّة واحدة؛ لأنه ليس في الآية ما يوجب
التّكرار، وقد روى أحمد والنسائي عن ابن عبّاس أن الأقرع بن حابس سأل النّبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، الحجّ في كلّ سنة، أو مرّة واحدة؟ فقال:«بل مرّة، فمن زاد فتطوع» .
ولم يجز الإمام مالك خلافا للجمهور النّيابة في الحجّ، فلا يجزئ أن يحجّ عن الشّخص غيره؛ لأن حجّ الغير لو أسقط عنه الفرض، لسقط عنه الوعيد المذكور في الآية:{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ} . أما المريض والمغضوب الذي لا يستطيع الثبات على الراحلة، فيسقط عنه فرض الحج أصلا، في رأي مالك، سواء كان قادرا على من يحجّ عنه بالمال أو بغير المال، واحتجّ بقوله تعالى:
{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى} [النجم 39/ 53]، والمغضوب لا يستطيع السّعي، ولأنه غير مستطيع، والحجّ فرض على المستطيع.
لكن أجاز المالكية الإجارة على الحجّ عن الميت الذي أوصى به، ويجوز أن يكون الأجير على الحجّ عندهم لم يحجّ حجّة الفريضة.
ويجوز في رأي الجمهور النّيابة في الحجّ عن الغير لمن مات ولم يحج، أو كان مريضا عاجزا عن الحجّ لعذر وله مال، لحديث ابن عبّاس وغيره الذي رواه الجماعة:«أن المرأة من خثعم، قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله في الحجّ شيخا كبيرا، لا يستطيع أن يستوي على ظهره؟ قال: فحجّي عنه» وكان ذلك الإذن في حجّة الوداع. وجاء في رواية: «لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره» ، فقال النّبي صلى الله عليه وسلم:«فحجّي عنه، أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟» قالت: نعم، قال:«فدين الله أحقّ أن يقضى» ، فأوجب النّبي صلى الله عليه وسلم الحجّ بطاعة ابنتها إياه، وبذلها من نفسها له بأن تحجّ عنه، فيجوز له أن يستأجر عنه شخصا يحجّ عنه إذا كان قادرا على المال.
ولا تتحقق الاستطاعة بالهبة بأن يهب له شخص أجنبي عنه مالا يحجّ به،