الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا يصح أن تكون القرابات والصداقات والعهود والمحالفات والجوار والرضاع والمصاهرة وغير ذلك سببا في توطيد الصلات والثقة بالأعداء.
التفسير والبيان:
أيها المؤمنون بالله ورسوله، وشأن الإيمان السماع إلى الكلام، لا تتخذوا الكافرين من اليهود والنصارى والمنافقين بطانة أي أصدقاء وخواص ومستشارين، تطلعونهم على أسراركم ودخائلكم، لأسباب عديدة هي:
1 -
لا يقصرون في إضراركم وإفساد أموركم، ما استطاعوا ذلك.
2 -
يتمنون إلحاق الضرر والمشقة والهلاك بكم في دينكم ودنياكم.
3 -
يظهرون لكم العداوة والبغضاء أثناء الكلام وعلى صفحات الوجوه وفلتات اللسان، ويكذبون كتابكم ونبيكم.
4 -
ما تخفي صدورهم من الحسد والحقد والبغضاء للإسلام وأهله أشد وأكثر مما يظهرون.
وهذا النهي المطلق الذي له أمثال كثيرة في القرآن الكريم، يوضحه ويقيده آيتا الممتحنة:{لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ، أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ، وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ} [الممتحنة 8/ 60 - 9].
فإذا اطمأن الحاكم أو الإمام المسلم إلى موادة غير المسلمين، ووثق بهم، جاز التعاون معهم، كما حدث من عون اليهود للمسلمين في فتوح الأندلس، وكما وقع من القبط، إذ عاونوا المسلمين في فتح مصر. وجاز توظيفهم في أعمال الدولة الإسلامية، فقد جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجال دواوينه من الروم، وتابعه الخلفاء من بعده على هذا النهج، وأناط العباسيون أعمال الدولة باليهود
والنصارى، وكان كثير من سفراء الدولة العثمانية من النصارى
(1)
.
ثم عاد القرآن محذرا ومنبها المؤمنين قائلا لهم: قد بينا وأظهرنا لكم الدلائل والعبر التي ترشدكم إلى الخير، وتهديكم إلى سواء السبيل، إن كنتم تدركون هذه الحقائق التي ترشدكم إلى الخير، وتهديكم إلى سواء السبيل، إن كنتم تدركون هذه الحقائق التي ترشدكم إلى ضرورة التفرقة بين الأعداء والأولياء.
ثم أكد القرآن تحذيره السابق من اتخاذ الأعداء بطانة وموضع سر وثقة لأسباب ثلاثة أخرى، كل منها يستدعي الامتناع عن المودة والمخالطة حال انعدام الثقة وهي:
الأول-إنكم تحبون أولئك الكفار، وهم لا يحبونكم وإنما يعادونكم.
الثاني-إنكم تؤمنون بالكتب السماوية كلها ومنها كتابهم، وتصدقون بكل الرسل والأنبياء، ومنهم رسولهم ونبيهم، وهم يجحدون بكتابكم ونبيكم.
الثالث-إذا لقوا المؤمنين لاطفوهم حذرا على أنفسهم، وقالوا: آمنا وصدقنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا خلوا مع أنفسهم وشياطينهم، أظهروا شدة الغيظ والحقد والعداوة لكم، وتألموا وندموا وعضوا الأنامل على أنهم لا يستطيعون إلحاق الأذى بكم. ويكون عض الأنامل مجازا عن الغيظ والحقد أو الندم.
فأنتم مخطئون في موالاة المنافقين والكفار، وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم، كما قال الزمخشري، ومثل هذه الآية قوله تعالى:
{فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ، وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ} [النساء 104/ 4].
ثم أمر الله نبيه محمدا بأن يقول لهم: موتوا بغيظكم، إن الله عليم بذات الصدور، أي مهما كنتم تحسدون المؤمنين، ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله متم نعمته على عباده المؤمنين ومكمل دينه، ومظهر له، ومعل كلمته، ومعز أهل
(1)
تفسير المنار: 68/ 4 وما بعدها.
الإسلام، فموتوا أنتم بغيظكم، والله عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا، بأن يريكم خلاف ما تأملون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، لا محيد لكم عنها، ولا خروج لكم منها.
ثم أوضح الله تعالى حالا دالة على شدة عداوتهم للمؤمنين: وهو أنه إذا أصاب المؤمنين نعمة أو خير من خصب أو نصر وتأييد وكثرة وعزة أنصار، ساء ذلك المنافقين؛ وإن أصاب المسلمين شر كجدب أو تغلب الأعداء عليهم-لحكمة إلهية في ذلك كما جرى يوم أحد-فرح المنافقون بذلك. ويلاحظ فرق التعبير البلاغي في القرآن بين جملتي: مس الحسنة وإصابة السيئة، فهم يستاءون عند أدنى مس للحسنة، ولا يفرحون حتى تتمكن الإصابة بالسيئة.
ولكن الله تعالى ذكر للمؤمنين العلاج الناجع، وأرشدهم إلى السلامة من شر الأشرار، وكيد الفجار، وهو استعمال الصبر، والتقوى، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه.
فإذا صبروا على أداء التكاليف الشرعية، واتقوا ما نهاهم الله عنه، لم يضرهم كيد الكفار واحتيالهم، كما قال تعالى:{وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً} .
{وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق 2/ 65 - 3].
والله تعالى عالم محيط علمه بعمل الفريقين، فهو خبير بمكائد الأعداء وخفاياهم، وسيحبطها لهم ويردها في نحورهم، ويجازيهم على أفعالهم، وعليم بالمؤمنين الذين يستعينون بالصبر، ويتمسكون بالتقوى، وهما شرط النجاح والغلبة على الأعداء.