الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانيا: المدرسة
مدخل
…
ثانيا: المدرسة
يكمل المربون عادة ما يقوم به الوالدان من أدوار تعليمية وتبربوية، وهناك من يرى أن بعض المعلمين لهم تأثير كبير على الطفل يوازي تأثير الوالدين فعندما يذهب الطفل إلى المدرسة يكون قد تعلم من العائلة كيف يكافح التواترات والفشل. وبعد أن يذهب الطفل إلى المدرسة يصبح المعلم هو الصورة التي حاول الطفل أن يقلدها. ولذلك يكون هو المؤثر الفاعل على نمو شخصيته، وفي هذا المجال فإن المدرسة قد تتصارع مع الأسس التربوية التي وضعتها العائلة، وقد اهتم الغزالي بالدور الذي تلعبه المدرسة في عملية التربية الاجتماعية اهتماما كبيرًا. وقد رأى الغزالي أن هذا الدور قد لا يكون وظيفيًّا بشكل إيجابي إلا إذا راعى المربون في أدائهم مجموعة من الشروط، ومن بينها الشفقة على المتعلم والاقتداء بصاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه، وزجر المتعلم عن سوء الأخلاق عن طريق التلميح وليس التصريح، وعن طريق الرحمة وليس عن طريق التوبيخ. ومن بينها أيضا ألَّا يقبح المعلم في نفس المتعلم العلوم الأخرى التي لا يدرسها لتلميذه ألَّا يلقن التلميذ علمًا فوق مستواه، وأن يتدرج في العلوم من السهل إلى الصعب وألَّا يبدي تناقضا في القول السلوك.
إن الغزالي يريد من المعلم أن يكون شفوقًا، عطوفًا على تلاميذه، ناصحًا لهم زاجرًا لسوء الأخلاق، واسع الأفق متفتحًا متسامحًا، مدركًا للفروق الفردية بين المتعلمين بحيث يخاطبهم على قدر عقولهم، وأن يكون قدوة حسنة صالحة لهم؛ ذلك بأن يقرن عمله بعلمه.
ولم يفت الغزالي أن ينبه إلى اللعب وأهميته والوظيفية في مجال النمو الاجتماعي السليم للطفل، ومؤكدا أن اللعب لا يقل أهمية عن الدراسة، وأن الواجب يقضي أن تكون هنالك موازنة بينهما بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر. يقول الغزالي في ذلك: "وينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من الكتاب، أن يلعب لعبا جميلا، ويستريح إليه من تعب الكتب، بحيث لا يتعب في اللعب، فإن منع الصبي من1
1 د/ موسى محمود أبو حوسة: تصور الغزالي لعملية التنشئة الاجتماعية. مجلة دراسات، المجلد الثامن عشر، ص225-226.
اللعب إرهاقه إلى التعليم دائمًا يميت قلبه، ويبطل ذكاءه، ينغص عليه العيش حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسًا".
إن النص السابق الذي أوردناه يشير بما لا يدع مجالا للشك إلى أن الغزالي قد سبق علماء التربية المحدثين في إبراز أهمية الترفيه واللعب في العملية التعليمية؛ ذلك لأن اللعب أو الترفيه يحفز نشاط المتعلم ويزيد قدرته على التحصيل العلمي. وهي الحقيقة التي أشارت إليها النظريات التربوية الحديثة، فكثير من هذه النظريات تركز على أن عقل الطفل وبدنه يتطلبان قدرا كبيرًا من اللعب، وأنه بدون اللعب يعتبر الطفل مرهقًا عصبيًا لا يجد للحياة فرصة، وتتوالد في نفسه المخاوف والهموم، وأن تلقائية الفرد تجد طريقها في الحرية وروح اللعب1.
والتعليم الأساسي من أخطر المراحل التعليمية؛ لأنه الأساس الذي تشكله التربية الأولى، وكما تكون البذرة تكون الثمرة، وتمثل المدرسة الابتدائية البيئة التي تنشأ فيها البذرة فإذا كانت هذه البيئة صالحة نشأت البذور نشأة طبيعية والعكس صحيح.
وفي المدرسة يتلقى الطفل أول مراحل معاشرة المجتمع حيث الأطفال من أقرانه، وحيث المدرسون، وحيث المعاملة مع أناس آخرين عليه أن يتجاوب معهم.
1 المصدر السابق نفسه.