الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حل مشكلة التعليم:
وعلى هذا المفهوم الذي ساقه الإمام الغزالي في الإحياء لمعنى العلم في وضوح واستفاضة تأتي الخطة، ويكون المنهج، فأما الخطة فهي النظام الصالح لخلق المواطن الصالح، وتعتمد على ركنين:
الركن الأول: التربية الدينية وتتمثل في وضع النظام الذي يرمي إلى تحصيل علوم الدين. الثاني: التربية العلمية وتتمثل في وضع النظام الذي يرمي إلى تحصيل العلوم الكونية.
والعلم الديني ينحصر في القرآن والسنة والفقه، والعلم الكوني ينحصر في العلوم المكتسبة بمعرفة البشر كالطب والهندسة والحساب والصناعة والزراعة، وما شاكل ذلك من علوم العصر.
وبناء على ما سبق يتم إعداد المناهج الملائمة لكل مرحلة تعليمية، فتوضع على أساسها المقررات الدراسية التي تنهض بالعلميين جميعا على نحو من تحقيق القدر الكافي المطلوب من كل منهما بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر، مع تبسيط الإجراءات الإدراية وتحرير الفرصة أمام الدراسين لمن شاء الحصول على المؤهل دون الانتظار لنظام سنوات، وجعل التعليم حرًّا لمن لديه القدرة في تخطي سنوات الانتظار كما هو متبع في سنوات النقل، وفي ذلك ميدان للتنافس في إظهار المواهب العلمية التي يعطلها نظام الانتظار في سنوات النقل.
يضاف إلى ذلك ضرورة توفير المعلم النابه والمربي الفاضل الذي يقوم بعملية التدريس مع حشد كل الطاقات من لدن وزارة الثقافة ووزارة الإعلام، فليس الأمر قاصرًا على وزارة التعليم وحدها. نفهم من ذلك أن المسألة التعليمية لها جناحان؛ الأول: هو التعليم الديني
والجناح الثاني وهو التعليم الكوني "الدنيوي".
والكارثة التي نحن فيها الآن هي أننا نحاول الطيران بجناح واحد هو التعليم الكوني. وأهملنا الجناح الأول وهو أقوى الجناحين، وينبغي ألا نتعامى عن حقيقة مترسبة في أعماق كل مسلم إزاء هذا التفوق الزائف الذي خرجت به علينا الدول التي نسميها "الدول المتقدمة" هذه الحقيقة هي عقدة نفسية متأصلة اسمها عقدة الانبهار؛ فنحن ننبهر لكل اختراع يأتينا من قِبل تلك الدل، ونشعر معه باليأس والإحباط والتخلف، وهذا عيب كبير يجب أن نتدراكه ونعمل على محوه.
قال المولى عز وعلا: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} 1. فطالما أن الله قد جمع لنا في القرآن كل شيء، فلماذا ننخدع بهذا الزيف الذي هو من صنع الإنسان الذي وصفه الله بأنه أكثر شيء جدلا؟ لا ينبغي لنا أن ننظر بعين الإكبار للتقدم الزائف الذي تعمى به أبصارنا الدول المسماة بالمتقدمة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ القرآن ثم رأى أن أحدًا أوتي أفضل مما أوتي فقد استصغر ما عظم الله تعالى"2.
وحاشا لله، أن نعظم علمًا غير علم القرآن، وهل هناك في هذه العلوم التي يطلع به علينا الغرب من يستطيع أن ينادي فيصل صوته إلى الآفاق كما نادى عمر بن الخطاب على جيش المسلمين الذي كان في فارس: يا ساريةُ الجبلَ، وهل هناك عالم يستطيع أن ينقل عرش "بلقيس" الذي نقله في أقل من طرفة عين الذي عنده علم من
1 سورة الكهف آية رقم 54.
2 الغزالي: إحياء علوم الدين ج1/ 279، كتاب آداب تلاوة القرآن.