الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
- صلى الله عليه وسلم يقود الجيش ببعض الطريق. فصحبه راجعًا مع الجيش إلى مكة.
وعندما عسكر الرسول صلى الله عليه وسلم مجيشه في مَر الظهران ورأى العباس بن عبد المطلب ضخامة هذا الجيش خشى منه على قومه في مكة. فتحركت في نفسه عوامل الشفقة عليهم، وخاف أن يجتاح الجيش النبوى مكة عَنْوة فيبيد خضراء قريش. وقد عبر العباس عن هذا الفزع والخوف على قومه بقوله:(وهو يلقى بنظره على ذلك الجيش اللجب المنتشرة كتائبه في وادي مرَّ الظهران): واصباح قريش والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه ويستأمنوه، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر (1).
العباس يسعى لإِيجاد مخرج لقريش من الهلاك
ولم يقف العباس عند الإِعراب عن التخوف على قريش من أن يجتاحها الجيش النبوى فيبيدها بحد السيف. بل لقد فكر في أنه لا بد من أن يصنع شيئًا ينقذ به قريشا من كارثة محققة باتت وشيكة الوقوع على يد الجيش الذي بات يتحفز للهجوم على مكة والذي كانت لديه التعليمات لسحق كل من يعترض سبيله، وهو يقوم بعملية إنهاء الوجود الوثنى فيها.
ولم يطل التفكير بالعباس بن عبد المطلب. فبعد أن تكونت لديه القناعة الكافية بأن لا نجاة لقومه قريش من الكارثة المحيقة بهم إلا بأن يسارعوا بالخروج إلى النبي القائد صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الأمان بعد أن يعلنوا الاستسلام الكامل كى يعتبر الجيش النبوى مكة مدينة مفتوحة فلا يتعرض لأحد من أهلها .. بعد أن تكونت لدى العباس هذه القناعة. قرر أن يسعى بنفسه لإِبلاغ قومه في مكة هذه الحقيقة. وينصحهم بأن يسارع وفد من زعمائهم لمفاوضة الرسول صلى الله عليه وسلم على أساس الاستسلام وطلب الأمان قبل أن يشرع جيشه في اقتحام مكة عنوة.
التقاء العباس بصديقه أبي سفيان عند الأراك
ورغم أن الوقت الذي اتخذ فيه العباس فيما بينه وبين نفسه، هذا القرار
(1) البداية والنهاية ج 4 ص 289.
كان ليلا. فإنه لم ير بدًا من المسارعة لإِنذار قومه ونصحهم بأن يسارع زعماؤهم إلى مفاوضة النبي صلى الله عليه وسلم ليحقن دماء أهل مكة قبل أن تطلع الشمس لذلك تحرك بنفسه - في غلس الظلام وبدون إبطاء - نحو الأراك بضواحى مكة لعله يجد هناك من الحطابين أو بياعى اللبن من يحمل إنذاره ونصحه إلى قريش ليسارع ساداتها بالخروج إلى المعسكر النبوى لأخذ الأمان من الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل مكة.
وقد كان من حسن الصدف أن سيّد قريش وزعيمها أبا سفيان بن حرب - بعد أن أعطاه سادات دار الندوة - التفويض الكامل كما تقدم، خرج في تلك الليلة يتحسس الأخبار وهو لا يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أصبح مرابطًا بجيشه على بعد أربعة أميال (فقط) من مكة المكرمة.
فكأن الله تعالى - إنقاذا لأهل مكة - ألهم أبا سفيان الخروج من تلك الليلة التي كانت حاسمة في تاريخ مكة. فقد كان خروج أبي سفيان في تلك الليلة سببًا في نجاة أهل مكة من حرب مدمرة لا قبل لهم بها، وهو الأمر الذي كان يفكر فيه بقلق بالغ وسعى في غلس الظلام لكى يحول دون حدوثه.
فبينما العباس يتجول حول الأراك باحثا في الظلام الدامس لعله يجد من يحمل رسالته إلى زعماء قريش، إذا به يجد سيد قريش نفسه يتحسس الأخبار عند الأراك. فيشرح له حقيقة الموقف، ويقدم نصحه بأن يسارع أبا سفيان، كسيد لقريش - إلى طلب الأمان من الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل مكة فيجيبه أبو سفيان دونما أي تردد. فيركبه العباس خلفه على ظهر بغلة الرسول صلى الله عليه وسلم ويذهب به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يؤمن أبا سفيان ثم يمنح قريشًا عفوًا عامًّا شريطة أن لا يعترض أحد الجيش وهو يدخل مكة.
فقد ذكر المؤرخون أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصل مرَّ الظهران أمر أصحابه في الليل فأوقدوا عشرة آلاف نار، فكان منظرًا كادت تنخلع له قلوب القرشيين.
فبينما أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام يتحسسان الأخبار التقيا
ببُديل بن ورقاء (1) فاستتبعاه فخرج معهما. فلما بلغوا الأراك من مر الظهران رأوا الأبنية والعسكر والنيران، وسمعوا صهيل الخيل ورغاء الإِبل، فأفزعهم ذلك فزعًا شديدًا وقالوا: هؤلاء بنو كعب حاشتها الحرب. فقال بديل (وهو من بني كعب): هؤلاء أكثر من بني كعب. قالوا: فتنجعت هوازن (2) على أرضنا، والله ما نعرف هذا إن هذا العسكر مثل حاج الناس (3).
وقال الإِمام الطبري في تاريخه - يروى هذه القصة -: قال العباس - وقد رأى النبي في ذلك الجيش العظيم -: والله لئن بغتها (يعني قريشًا) فدخل مكة عنوة إنه لهلاك قريش آخر الدهر، فجلس على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، وقال: أخرج إلى الأراك لعلى أرى حطابًا أو صاحب لبن أو داخلًا يدخل مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأتونه ويستأمنونه، فخرجت فوالله إني لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، وقد خرجوا يتحسسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال العباس: فسمعت أبا سفيان وهو يقول - وقد رأى نيران الجيش: والله ما رأيت كاليوم قط نيرانًا. فقال بديل: خزاعة حمشتها الحرب، فقال أبو سفيان: خزاعة ألأم من ذلك وأذل. قال العباس فعرفت صوته (أي أبا سفيان).
فقلت: يا أبا حنظلة (4). فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم قال: لبيك فداك أبي وأمى، فما وراءك؟ فقلت له: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورائى قد دَلف (5) إليكم بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين. وهنا صعق أبو سفيان وأسقط في يده. ولم يعد راجعًا إلى مكة لتنظيم مقاومة
(1) بديل بن ورقاء هذا هو أحد سادات خزاعة. وكان يسكن مكة ويظهر أنه (كحليف للمسلمين) على علم بتحركات الجيش النبوى. فخرج يتحسس أخبارهم ولكن من غير المنطلق الذي ينطلق منه أبو سفيان. انظر ترجمة بديل في ما مضى من هذا الكتاب.
(2)
التنجع والانتجاع والنجعة قال في النهاية: تتبع الكلأ ومساقط الغيث.
(3)
مغازي الواقدي ج 2 ص 814.
(4)
حنظلة هو أحد أبناء أبي سفيان وقد قتا مشتركًا يوم بدر.
(5)
دلف: مشى بسرعة وفوق الدبيب.