الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المدينة وكانوا سبعين رجلًا. بينما قرر بعض الثوار من غير القرشيين العودة إلى باديتهم. وكان من بين ثوار العيص الشباب. الوليد بن الوليد المخزومي. أخو خالد بن الوليد. الذي مات عند وصوله المدينة من جرح أصابه فانقطعت له أصبعه عندما عثر في الحرَّة. فربط رجله وهو يقول:
هل أنت إلا أصبُعٌ دميتِ
…
وفي سبيل الله ما لقيت (1)
انكشاف الغطاء أكثر فأكثر:
وبما آل إليه ثوار المستضعفين في العيص. وما وصلوا إليه من قوة ومنعة أقضّت مضاجع قريش الكفر، وجعلتهم يطلبون (صاغرين) من الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم مسترحميه ومناشديه الرحم أن يسقط الشرط الذي أملوه في الحديبية (كبرياء وصلفًا) وهو الشرط الذي تضايق منه الأصحاب أشد التضايق وعارضوا الصلح تلك المعارضة الشديدة
…
نعم بالمكاسب العظيمة التي حققها ثوار العيص ضد طغيان الوثنية. التي انحنت (صاغرة) فطلب زبانيتها إلغاء الشرط الذي أملوه في الحديبية (بغيا وبطرا ورياء الناس) تكشفت الحقائق أكثر فأكثر وانكشف للصحابة الذين قصرت مداركهم عن المدى الذي بلغه فهم وإدراك أشرف الناس محمد صلى الله عليه وسلم حينما قبل هذا الشرط.
وازداد يقين هؤلاء الأصحاب أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير مما أحبوه يوم الحديبية من عدم القبول بشرط قريش ذاك الذي لولا إصرار قريش على وضعه ضمن بنود معاهدة الصلح في الحديبية. ما اندلعت ثورة المستضعفين في العيص. والتي أنزل فيها هؤلاء الثوار البواسل بالمعسكر القرشي أفدح الخسائر في الأرواح والأموال.
فقد كانت هذه الثورة لصالح المعسكر الإسلامى في المدينة، استفاد منها فائدة كبرى دون أن تكون له يد فيها، ودون أن يتعرض لأيّ اتهام بأنه
(1) مغازي الواقدي ج 2 ص 669.
أخل بالالتزامات التي التزم بها النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية.
وقد قرّت عين أبي جندل بن سهيل بن عمرو (نائب قائد الثورة) قرّت عينه وأعين إخوته من شباب قريش المسلمين بما حققته ثورتهم في العيص من مكاسب بها انتصفوا لأنفسهم ولدينهم من قاهريهم ومضطهديهم المشركين.
فقد عاد أبو جندل وإخوته الثوار من العيص إلى المدينة مرفوعة رءوسهم .. وكأنى بأبي جندل -وهو يدخل المدينة مشرق الوجه قرير العين- يستعرض ذكريات الحديبية المؤلمة، ويتذكر على وجه الخصوص ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعيده إلى أبيه المشرك مكبلًا يرسف في قيوده الحديدية. تنفيذًا للعهد الذي أعطاه المشركين في وثيقة الصلح:"إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهدًا وإنا لا نغدر بهم: يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا".
فها هو أبو جندل الشاب المؤمن الصابر المحتسب يرى ما وعده ول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديبية حقيقة ماثلة، فقد جعل الله لأبي جندل ومن معه من شباب الإِسلام القرشي المظلوم المضطهد فرجًا ومخرجًا.
فها هم (بعد أن نجاهم الله من سجون الإِرهاب الشركية في مكة) يتوافدون من العيص على المدينة مفعمة قلوبهم بالغبطة والسرور للسماح لهم بالاندماج في أسرتهم الإسلامية الكبرى، بعد أن شفى الله غيظ قلوبهم من أعداء الله المشركين الذين قد ساموهم سوء العذاب في سجون مكة ومعتقلاتها، لأنهم كانوا فضلوا التوحيد على الشرك.
وهكذا جنى مشركو مكة ثمار تجبرهم وتصلفهم - شرًّا وبلاءًا. وقطف المؤمنون الصابرون ثمرة صبرهم واحتسابهم عزًّا في الدنيا وفلاحًا في الآخرة بفضل الله ثم بفضل إطاعتهم أوامر نبيّهم صلى الله عليه وسلم وصبرهم على البلاء في سبيل الاحتفاظ بعقيدتهم النقية الصافية عقيدة التوحيد.