الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إطفاء نورك، فاغفر له ما نال منى من عرض، في وجهى أو وأنا غائب عنه.
فقال عكرمة: رضيت يا رسول الله ثم قال عكرمة: أما والله يا رسول الله لا أدع نفقة كنت أنفقها في صد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قتال في صد عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله. ثم اجتهدَ في القتال حتى قُتِلَ شهيدًا. ثم أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أميَّة على نكاحهما الأول (1). وقالوا: إن هناك بشائر وإرهاصات رآها النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر أن عكرمة ابن أبي جهل سيكون من خيار المسلمين.
فقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه - قبل إسلام عكرمة - أنه في الجنة ورأى عذقًا فأعجبه وقال: لمن هذا؟ فقيل لأبي جهل، فشق ذلك عليه صلى الله عليه وسلم وقال: لا يدخلها إلا نفس مؤمنة.
فلما أسلم عكرمة بن أبي جهل فرح به وأول ذلك العذق العكرمة. وكان عكرمة - قبل إسلامه - بارز رجلًا من المسلمين فقتله، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم: فقال له بعض الأنصار ما أضحكك يا رسول الله وقد فجعنا بصاحبنا؟ فقال: أضحكني أنهما في درجة واحدة في الجنة (2) مشيرًا بذلك إلى أن عكرمة سيقتل شهيدا، وقد حدث ذلك فقد استشهد عكرمة في معركة اليرموك وهو يقود كتيبة كلها من الفدائيين ذلك اليوم (3).
قصة الهارب هبار بن الأسود
كان هبار بن الأسود في الجاهلية لسَّنًا فصيحًا يؤلب الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان سيء الخلق عظيم الشر، لا تعرف الرحمة سبيلًا إلى قلبه، فهو الذي عندما هاجرت زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم لتلحق بأبيها إلى المدينة وكانت حاملًا - من زوجها العاص بن أبي الربيع - لحق بها هبار
(1) مغازي الواقدي ج - 2 - ص 853. وزاد المعاد ج 2 ص 298 والسيرة الحلبية ج 2 ص 216 - 217.
(2)
السيرة الحلبية ج 2 ص 217.
(3)
انظر تاريخ ابن عساكر ترجمة عكرمة بن أبي جهل.
ابن الأسود - بأطراف مكة ونخس بها الجمل الذي تركبه، فسقطت على الأرض ثم ضربها بالرمح على ظهرها، حتى أسقطت جنينها، وما زالت مريضة بالنزيف الذي كان يعاودها من ذلك اليوم حتى ماتت رحمها الله.
فكان هبار بن الأسود يعتبر مسؤولًا عن موتها وموت جنينها: ولهذا كان من المطلوبين الذين أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمهم يوم الفتح، وكان يعلم أن حكمًا بالإِعدام قد صدر بحقه.
لذلك هرب يوم الفتح من مكة ولحق بالبادية وظل متواريًا عن الأنظار خوفًا من أن يقع في قبضة أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فينفذ فيه حكم الإِعدام الصادر بحقه.
وظل هبار مختفيًا في البادية حتى واقع النبي صلى الله عليه وسلم هوازن في حنين وانتصر عليهم وعاد إلى المدينة بأصحابه.
ولما هدأت الأحوال ودخل أهل مكة كلهم في الإِسلام، واستقر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، قرر هبار بن الأسود أن يذهب بنفسه إلى المدينة ويسلم نفسه للرسول صلى الله عليه وسلم ويطلب منه العفو، وفعلًا ذهب إلى المدينة ودخل المسجد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفه ورغم أنه أصدر حكمًا عليه بالإِعدام فقد أمر أصحابه بأن لا يمسه أحد بسوء لأنه عرف أنه ما جاء إلا ليُعلن إسلامه.
وقد روى الواقدي قصة هبار هذا فقال: حدثني هشام بن عمارة عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم (1) عن أبيه عن جده، قال: كنت جالسًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه منصرفًا من الجعرانة، فطلع هبار بن الأسود فلما نظر القوم إليه قالوا: يا رسول الله .. هبّار بن الأسود، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأيته، فأراد بعض القوم القيام إليه، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم أن اجلس.
ووقف هبّار فقال: السلام عليك يا رسول الله، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ولقد هربت منك في كل البلاد وأردت اللحوق
(1) انظر ترجمة جبير بن مطعم في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).