الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
زخم الهجوم الروماني وكان صمود فدائييها من أهم الأسباب التي حققت النصر في معركة اليرموك الحاسمة.
النبي على الصفا/رمز>
وبعد تلك الخطبة التاريخية التي أعادت الطمأنينة إلى نفوس القرشيين القلقة المضطربة انصرف الناس من المسجد وكل منهم تغمر نفسه الراحة النفسية، قد أمن على نفسه وماله وأهله، وبذلك خيم الهدوء الكامل على المدينة القدسة، وأصبحت الحياة عادية تمامًا.
أمَّا الرسول القائد المنتصر فقد تحول من المسجد - بعد أن ألقى فيه خطابه التاريخي - إلى الصفا التي تحمل للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم الشيء الكثير من الذكريات الحلوة والمرة.
فمن على صخرة الصفا هذه سمعت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم وللمرة الأولى في حياتها - البيان الأول الداعى (بصيغة العموم) إلى عبادة الله وحده ونبذ عبادة ما سواه من الأنداد. حين كلفه الله تعالى - قبل ثمانية عشرة عامًا - بذلك بقوله تعالى: ({فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} (1).
ومن على صخرة الصفا هذه سمع من أقرب الناس إليه ما أثقل نفسه بالألم .. عمه أبي لهب عبد العزى بن عبد المطلب، الذي قال له "بعد أن جمع الناس وأبلغهم أنه رسول الله" .. تبًا لك ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله تعالى في حقه {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ
…
} السورة.
تخوف الأنصار أن يقيم الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة ويترك المدينة:
وقد رقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خطبته التاريخية ثانى يوم الفتح - صخرة الصفا فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه وهو
(1) سورة الحجرات آية 14.
متجه نحو البيت بحيث يراه (1).
وهناك - والرسول على الصفا - ساورت الأنصار المخاوف وخشوا أن يقيم في مكة ويتحول عن المدينة، فقالوا فيما بينهم .. أمَّا الرجل يعني النبي صلى الله عليه وسلم فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته (2). أترون رسول الله إذْ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها (3)؟
ولا شك أن باعث هذا القول من الأنصار هو شدة المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحرصهم على أن يعيش بينهم طول حياته.
وقد علم الرسول صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحى - بما قاله الأنصار بعضهم لبعض، فطمأنهم بأن المحيا محياهم والممات مماتهم. وأنه لن يفارقهم ما دام حيا.
فقد روى الإِمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم وقف على الصفا فعلاه بحيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه، قال والأنصار تحت، قال، يقول بعضهم لبعض .. أمَّا الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته. وجاء الوحى وكان إذا جاء لم يخف علينا، فليمر أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقضى، قال هاشم فلما قضى الوحى رفع رأسه ثم قال .. "يا معشر الأنصار أقلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته؟ قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله. قال: "فما اسمى إذن، كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم فالمحيا محياكم والممات مماتكم" قال فأقبلوا إليه يبكون ويقولون .. والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضنّ بالله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم .. "إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم" وقد رواه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة (4).
(1) البداية والنهاية ج 4 ص 307 والسيرة الحلبية ج 2 ص 314.
(2)
السيرة الحلبية ج 2 ص 214.
(3)
البداية والنهاية ج 4 ص 306.
(4)
البداية والنهاية ج 4 ص 307.