الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيكُمْ كَفِيلًا} (1). {إلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4)} (2). {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} (3). ولقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الدليل العملى على الوفاء بالعهد للمشركين. وحبر صلح الحديبية لما يجف بعد.
فقد رأينا كيف سلم النبي صلى الله عليه وسلم أبا جندل الشاب المسلم إلى أبيه المشرك تنفيذًا لنصوص الاتفاقية رغم أن هذا الشاب المسلم جاء إلى المسلمين فارًا بدينه (4).
كما رأينا كذلك فيما مضى من هذا الكتاب. كيف سلم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بصير (5) للمشركين وأعاده إليهم بعد أن لجأ إلى المدينة مسلمًا فارًا بدينه. ورأينا كيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسمح لأبي بصير بالإقامة في المدينة بعد أن تخلص من حارسيه خارج المدينة .. لأن قبوله في المدينة يعتبر خرقًا ونقضًا لصلح الحديبية.
كيف نقضت قريش العهد فغزاهم المسلمون:
ولكن إذا كان المسلمون قد وفوا للمشركين بالعهد الذي أعطوه وطبَّقوا الاتفاقية نصًّا وروحًا .. هل وفت قريش من جانبها بالعهد الذي أعطته في اتفاقية الحديبية؟ .
وهل احترمت شرف الكلمة التي أعطتها في هذا العهد التاريخي؟ .
كلا لقد رمت بهذا العهد عرض الحائط وغدرت "وهي في ظله" كأبشع ما يكون الغدر. الأمر الذي جعل الصلح لاغيًا .. ألغته ونقضته قريش بتصرفها. واضطر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يقوم بغزوها وينتزع مكة من أيديها انتصارًا لحلفائه خزاعة المعتدى عليهم. ووفاءًا بالعهد الذي أعطاه لهم بموجب صلح الحديبية. وتأديبًا لقريش على ما تواطأت عليه مع
(1) النحل 90.
(2)
التوبة 4.
(3)
الإسراء 34.
(4)
انظر تفاصيل قصة أبي جندل المؤثرة في كتابنا الخامس من هذه السلسلة (صلح الحديبية).
(5)
تقدمت تفاصيل قصة أبي بصير في هذا الكتاب.
حلفائها بني بكر بن كنانة من خيانة وغدر ذهب ضحيتهما أكثر من عشرين قتيلًا من خزاعة الآمنة في ظل صلح الحديبية.
كان صلح الحديبية "كما تقدم" قد أنهى حالة الحرب بين المسلمين وخزاعة من جهة وبين قريش وبنى بكر من جهة أخرى لمدة عشر سنوات.
وكانت خزاعة كحلفائها المسلمين ملتزمة بالعهد لا تفكر في الإخلال به. فصار الخزاعيون "مسلمهم وكافرهم" لذلك. مختلطون بقريش وحلفائها من البكريين في ظل حرمة هذا الصلح. لا يفكرون في اعتداء على أحد ولا يتصورون أن أحدًا من البكريين أو القرشيين سيعتدى عليهم والصلح قائم.
هكذا كان النبي وأصحابه والخزاعيون جيران الحرم حلفاؤهم ينظرون إلى الأمور من خلال منظار الوفاء بالعهد والوقوف عند شرف الكلمة التي أعطوها في اتفاقية الحديبية.
بينما قريش وحلفاؤها من بني بكر بن كنانة. صاروا ينظرون إلى الأمر في ظل صلح الحديبية من زاوية معاكسة مظلمة.
كانوا ينظرون إلى حالة الصلح القائمة والتي صار المسلمون وحلفاؤهم من خزاعة سلمًا لقريش وحلفائها لا يفكرون في محاربتهم أو الاعتداء عليهم .. كانوا ينظرون إلى هذه الحالة على أنها فرصة يمكن أن يحققوا فيها ما عجزوا عن تحقيقه في حالة المواجهة الحربية.
فقد كانت بنو بكر دائمًا تعجز عن التغلب على قبيلة خزاعة في حروبهم القبلية الجاهلية وكان القتل يستحر بين بني بكر كلما نشبت حرب بين القبيلتين. فكثرت الثارات لبنى بكر لدى خزاعة.
ولكن صلح الحديبية الذي دخل فيها الفريقان والتزما بتنفيذ بنوده وضع الحرب بين الفريقين لمدة عشر سنوات. هكذا كان يبدو الوضع عقب توقيع صلح الحديبية. ولهذا كانت خزاعة تتصرف تصرف الآمن المستأمن. فلا تتخذ أية احتياطات حربية في حلّها وترحالها.