الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غضب الرسول لقتل رجل مشرك من هذيل بمكة يوم الفتح
كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أصدر عفوًا عامًا عن جميع سكان مكة من المشركين يوم الفتح ما عدا نفرًا قليلًا أمر بقتلهم ولكنه عفى فيما بعد عن أكثرهم.
وقد امتثل جميع أفراد الجيش النبوي الأمر فامتنعوا عن قتل أيّ مشرك في مكة أثناء سيطرتهم عليها إلا من قاتلهم، كما حدث للوحدات من الفرسان التي كان يقودها خالد بن الوليد جنوبي مكة (المسفلة). إلا أن بعضا من جنود الجيش النبوي (ومن خزاعة حلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم خرجوا على الانضباط العسكري فقتلوا (بدافع ثأرى) رجلًا من هذيل بمكة مشركًا بعد أن أمن الرسول صلى الله عليه وسلم الناس. الأمر الذي أغضب الرسول والقائد الأعلى للجيش. فجمع الجيش وخطبهم مستنكرًا قتل الهذلى الشرك. ثم دفع ديته لأهله.
وكان سبب القتل يرجع إلى ثارات بين قبيلة أسلم وقبيلة هذيل: فقد خرج غزاة من هذيل في الجاهلية وفيهم جنيدب يريدون حي أحمر بأسًا. وكان أحمر بأسا رجلًا من أسلم شجاعًا لا يرام. وكان لا ينام في حيه، إنما ينام خارجًا من حاضره، وكان إذا نام غطّ غطيطًا منكرًا، لا يخفى مكانه. وكان الحاضر إذا أتاهم فزع صرخوا (بأحمر بأسا) فيثب مثل الأسد. فلما جاءهم أولئك الغزاة من هذيل. قال لهم جنيدب بن الأدلع: إن كان أحمر بأسا في الحاضر فليس إليهم سبيل، وإن كان له غطيط لا يخفى فدعونى أتسمع فتسمع الحس فسمعه، فأمه حتى وجده نائمًا فقتله، حيث وضع السيف في صدره ثم اتكأ عليه فقتله، ثم حملوا على الحيّ، فصاح الحيّ .. يا أحمر بأسا .. فلا شيء، لا أحمر بأسا. قد قتل. فنالوا من الحاضر حاجتهم، ثم انصرفوا، فتشاغل الناس بالإسلام، فلما كان بعد الفتح بيوم دخل جنيدب بن الأدلع مكة يرتاد وينظر - والناس آمنون - فرآه جندب بن الأعجم الأسلمي (من قبيلة أحمر بأسا) فقال .. جندب بن الأدلع، قاتل أحمر بأسا.؟ فقال جنيدب. نعم.
فخرج جندب يستجيش عليه، وكان أول من لقى خراش بن أمية
الكعبي (1) فأخبره، فاشتمل خراش على السيف ثم أقبل إليه، والناس حوله وهو يحدثهم عن قتل أحمر بأسا، فبينما هم مجتمعون عليه إذ أقبل خراش بن أمية فقال هكذا عن الرجل. فظن الناس أنه يفرّج عنه الناس لينصرفوا عنه، فانفرجوا عنه، وهنا حمل عليه خراش بن أمية بالسيف فطعنه في بطنه. وابن الأدلع مستند إلى جدار من جدران مكة، فجعلت أمعاؤه تتسايل من بطنه. وأن عينه لتبرقان في رأسه وهو يقول: قد فعلتموها يا معشر خزاعة، ثم وقع الرجل، فمات في الحال (2).
قال الواقدي: فسمع النبي صلى الله عليه وسلم بقتله فقام خطيبًا "مستنكرًا ما حدث" وهذه الخطبة الغد من يوم الفتح بعد الظهر فقال: أيها الناس إن الله قد حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، ويوم خلق الشمس والقمر، ووضع هذين الجبلين، فهي حرام إلى يوم القيامة. لا يحل لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا، ولا يعضد فيها شجرًا، لم تحلّ لأحد كان قبلي، ولم تحل لأحد بعدى، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، ثم رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ شاهدكم غائبكم. فإن قال قائل: قد قَتَل فيها رسول الله فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم. يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد والله كثر القتل إن نفع، وقد قتلتم هذا القتيل، والله لأدينه. فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بالخيار، إن شاءوا فدم قتيلهم، وإن شاءوا فعَقْله.
وفي رواية عن جويرية بنت الحصين عن عمران بن الحصين. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو كنت قاتلًا مؤمنًا بكافر لقتلت خراشًا بالهذلى. ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خزاعة يخرجون ديته، فكانت خزاعة أخرجت ديته، وكانت دية القتيل الهذلى الشرك مائة من الإِبل (3).
(1) انظر ترجمة خراش بن أمية في كتابنا (صلح الحديبية).
(2)
مغازي الواقدي ج 2 ص 845 ببعض التصرف.
(3)
مغازي الواقدي ج 2 ص 843 - 844 - 845 - 846.