الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فهذا خبر من أعجب ما تقرأ، فهذا العالم الأندلسي رحل من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق على قدميه ليلقى الإمام أحمد، فلما وجده محبوسًا ممنوعًا عن الناس تلطف وتحيَّل حتى لقيه، فأخذ العلم عنه، وحفظ له الإمام أحمد صبره في الطلب وقربه منه.
ومن أخبار الرحَّالة المشائين للطلب
ما ذكره أصحاب التراجم والسير عن فحل ضرغام، إمام همام، أعني أبا حاتم محمد بن إدريس الرازي (ت 277 هـ) يقول: أحصيت ما مشيت على قدميَّ زيادة على ألف فرسخ (1)، لم أزل أحصي حتى لما زاد على ألف فرسخ تركته، وأما ما سرت أنا من الكوفة إلى بغداد فما لا أحصي كم مرة، ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة، وخرجت من البحر من قرب مدينة سلا ـ وذلك في المغرب الأقصى ـ إلى مصر ماشيًا، ومن مصر إلى الرملة ماشيًا، ومن الرملة إلى بيت المقدس، ومن الرملة إلى عسقلان، ومن الرملة إلى طبرية، ومن طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى إنطاكية، ومن إنطاكية إلى طرسوس، ثمَّ رجعت من طرسوس إلى حمص، وكان بَقِي عليَّ شيء من حديث أبي اليمان فسمعته، ثمَّ خرجت من حمص إلى بيسان، ومن بيسان إلى الرقة، ومن الرقة ركبت الفرات إلى بغداد، وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل، ومن النيل إلى الكوفي، كل ذلك ماشيًا، هذا
(1) الفرسخ نحو خمسة كيلو مترات فانظر ـأعزك الله ـ كم قطع هذا الرجل من المسافات مشيًا على الأقدام.
سفري الأول وأنا ابن عشرين سنة، أجول سبع سنين، وخرجت المرة الثانية ـ وكان سني في هذه الرحلة 47 سنة ـ. (1)
فانظر لحال ذلك الرجل العجيب، كم قطع من المسافات مشيًا على الأقدام، وانظر لحال خروجه في سن السابعة والأربعين، لتعلم أنَّ العلم لا يتوقف على سن، بل العلم يطلب من المهد إلى اللحد.
ومثيله هذا الحافظ الجوال ابن منده (ت 395هـ) بدأ الرحلة في طلب العلم وهو ابن عشرين سنة، ورجع وهو ابن خمس وستين سنة، ولما عاد إلى وطنه تزوج ـ وهو ابن 65 سنة!! ـ، ورزق الأولاد، وحدَّث بالكثير.
وقد قال رحمه الله: طفت الشرق والغرب مرتين. (2)
رحلة الأهوال.
واسمع عن أبي حاتم الرازي هذا الخبر العجيب، وانظر إلى أشد ما لاقيت من نصب في تحصيل، وقارن بين حالك هذه وحال أولئك؛ لتعرف لماذا حازوا إلى الآن قصب السبق مع كثرة الإمكانيات التي أتيحت لنا دونهم.
قال رحمه الله: " لما خرجنا من المدينة من عند داود الجعفري صرنا إلى الجار وركبنا البحر، وكنا ثلاثة أنفس: أبو زهير المروزى
(1) مقدمة الجرح والتعديل ص (359)
(2)
المرجع السابق (3/ 1032)
شيخ، وآخر نيسابوري، فركبنا البحر، وكانت الريح في وجوهنا، فبقينا في البحر ثلاثة أشهر، وضاقت صدورنا، وفني ما كان معنا من الزاد، وبقيت بقية، فخرجنا إلى البر، فجعلنا نمشي أيامًا على البر، حتى فني ما كان معنا من الزاد والماء، فمشينا يوماً وليلة، لم يأكل أحد منا شيئاً، ولا شربنا، واليوم الثاني كَمِثْل، واليوم الثالث كمثل كل يوم، نمشى إلى الليل، فإذا جاء المساء صلينا، وألقينا بأنفسنا حيث كنا، وقد ضعفت أبداننا من الجوع والعطش والعياء، فلما أصبحنا اليوم الثالث جعلنا نمشى على قدر طاقتنا، فسقط الشيخ مغشياً عليه، فجئنا نحركه، وهو لا يعقل فتركناه، ومشينا أنا وصاحبي النيسابورى قدر فرسخ أو فرسخين فضعفت، وسقطت مغشياً علىَّ ومضى صاحبي، وتركني فلم يزل هو يمشي إذ أبصر من بعيد قومًا قد قربوا سفينتهم من البر، ونزلوا على بئر موسى صلى الله عليه وسلم، فلما عاينهم لَوَّح بثوبه إليهم، فجاؤا معهم الماء في إداوة
…
فسقوه، وأخذوا بيده.
فقال لهم: رفيقين لي قد ألقوا بأنفسهم مغشياً عليهم، فما شعرت إلا برجل يصب الماء على وجهي، ففتحت عيني فقلت: اسقني، فصب من الماء في ركوة أو مشربة شيئاً يسيراً، وأخذ بيدى، فقلت: ورائى الشيخ ملقى.
قال: قد ذهب إلى ذاك جماعة. فأخذ بيدى، وأنا أمشى أجر رجلي، ويسقينا شيئاً بعد شيء، حتى إذا بلغتُ إلى عند سفينتهم، وأتوا برفيقي الثالث الشيخ، وأحسنوا إلينا أهلُ السفينة فبقينا أياماً حتى رجعت إلينا أنفسُنا، ثم كتبوا كتابًا إلى مدينة يقال لها راية إلى واليهم،
وزودونا من الكعك والسويق والماء، فلم نزل نمشى حتى نفد ما كان معنا من الماء والسويق والكعك، فجعلنا نمشى جياعاً عطاشاً على شط البحر، حتى وقعنا إلى سلحفاة، قد رمى بها البحر مثل التُّرس، فعمدنا إلى حجر كبير فضربنا على ظهر السلحفاة فانفلق، وإذا فيها مثل صفرة البيض،. فأخذنا من بعض الأصداف الملقى على شط البحر، فجعلنا نغترف من ذلك الأصفر فنتحساه، حتى سكن الجوع والعطش، ثم مررنا وتحملنا حتى دخلنا مدينة الراية، وأوصلنا الكتاب إلى عاملهم فأنزلنا في داره، وأحسن إلينا، وكان يقدم إلينا كل يوم القرع، ويقول لخادم:: هات لهم اليقطين المبارك، فيقدم إلينا ذلك اليقطين من الخبز أياماً. فقال واحد منا بالفارسية: " ألا تدعو باللحم المشئوم.، وجعل يُسمع صاحب الدار ..
فقال: أنا أحسن الفارسية، فإن جدتي كانت هروية.، فأتانا بعد ذلك باللحم، ثم خرجنا من هناك، وزودنا إلى أن بلغنا مصر " أهـ
أيها المتفقه ..
يا لها من رحلة الأهوال!! فمتى تنفض عنك تنكب الأطفال؟! متى تُشهر سيفك وتنزل حلبة النِّزال؟ لماذا لا تلحق بركب هؤلاء الرجال؟ يا هذا أما ينفك عنك زمان الأحلام والآمال!! متى ترعوي بمشي الأيام في الآجال؟ تقول: من ذا؟! وأقول: الرجال. تقول: كيف ونحن في
…
!! وأقول: بعون ذي الجلال.
إشارات من واقعنا وواقع سلفنا.
ولابد وقد مرَّ الحديث بخبر " الرحلة " عند سلفنا من إشارات نقف عندها لتستفيد بها ـ أيها المتفقه ـ فمن ذلك:
1) أنْ تبصر كم من الأوقات والأعمار قضاها هؤلاء في طلب العلم، بعيدين عن الأهل والولد، والزوجة والبلد، متفرغين للطلب.
وقارن هذا الحال وصنيع المتعالمين في هذا الزمان ممّن ينتسبون إلى العلم، وجلُّ اهتمامهم التصدر والعلو، فلا ينبت لهم زرع نافع.
فمنْ لا يعاني ذلَّ التعلم، ويقضي الأعوام في رعاية بذره فلن يحصد، ومن هنا كره كثير من السلف التصنيف قبل الأربعين، بل لم يُفتوا إلا في سن متأخرة، حفظًا للعلم من أن ينتهك حرمته من ليس له بأهل.
2) مدى تحملهم للصعاب، من فقر وشظف العيش، وصعوبة وسائل السفر، وانظر لتقاعس أبناء عصرنا عن الارتحال ولو بالسيارات التي عادت الآن أسوأ سبل السفر في ظل وجود الطائرات بأنواعها المختلفة، لتدرك علو هممهم في الصبر والتّحمل، وتعلم غلاء العلم لديهم وعلى قلوبهم، إذ ركبوا في تحصيله الصعب والذلول، وقطعوا البراري والقفار، وامتطوا من أجله المخاطر والبحار، ولقوا ما لقوا من الشدائد والأهوال ما الله به عليم، وحسبك من ذلك قصة الإمام أبي حاتم التي مرَّ ذكرها عليك.
3) صقل تلك المعاناة لنفوسهم، فعزَّ العلم عندهم، ورعوه حق رعايته، ولذلك خرجوا أئمة أحبارًا في كل علم من العلوم، ولم يجدْ الزمان بأمثالهم، لمَّا لم يستنَّ النَّاس بسننهم.
انظر لحال طلبة العلم في عصرنا ممَّن يدرسون دراسة أكاديمية أو من دونهم، يقول الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله:
" فوازن ـ رعاك الله ـ بين الدراسة التي أثمرتها هذه الرحلات التي عركت الطلاب الراحلين عركًا طويلاً، وبين دراسة طلاب جامعاتنا اليوم! يدرسون فيها أربع سنوات، وأغلبهم يدرسون دراسة صحفية فردية، لا حضور ولا سماع، ولا مناقشة ولا اقتناع، ولا تطاعم في الأخلاق ولا تأسي، ولا تصحيح لأخطائهم ولا تصويب ولا تشذيب لمسالكهم، ويتسقطون المباحث المظنونة السؤال من مقرراتهم (المختصرة) ثمَّ يسعون إلى تلخيص تلك المقررات، ثمَّ يسعون إلى إسقاط البحوث غير الهامَّة من المقروءات، بتلطفهم وتملقهم لبعض الأساتذة، فيجدون ما يسرهم وإنْ كان يضرهم، وبذلك يفرحون.
وبعد ذلك يتعالون بضخامة الألقاب، مع فراغ الوطاب، ويوسعون الدعاوي العريضة، ويجهِّلون العلماء الأصلاء بآرائهم الهشة البتراء، وينصرون الأقوال الشاذة لتجانسها مع علمهم وفهمهم، ويناهضون القواعد المستقرة، والأصول الراسخة المتوارثة، ولم يقعدوا مقاعد العلم والعلماء، ولم يتذوَّقوا بصارة التحصيل عند القدماء! ولكنهم عند أنفسهم أعلم من السابقين!!