الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المنطلق الثاني
علو الهمة
شرط السلوك
فالعلم لا يعطيك بعضه
حتى تعطيه كلَّك.
المنطلق الثاني
(علو الهمة)
أيها المتفقه ..
لابد لكل سالك إلى الله من همَّة تسيِّره وترقيه، ومن علم يبصره ويهديه، والهمَّة في مدلولها ومعناها تعني توجه القلب وقصده، وأصحاب الهمم العالية من راموا بكليتهم سبيل الحق، فعكفت قلوبهم على الله، وجمعوا همتهم عليه، وفرَّغُوا القلب لمحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والاشتغال بمرضاته، دون كل ما فيه تفريق للقلب وتشتيت له.
يقول ابن القيم:
" وعلو الهمة أن لا تقف دون الله، ولا تتعوَّض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلا منه، ولا تبيع حظها من الله وقربه، والأنس به، والفرح والسرور والابتهاج به، بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية، فالهمة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور، لا يرضى بمساقطهم، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم فإنَّ الهمة كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها، وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان، فإنَّ الآفات قواطع وجواذب، وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه، وإنَّما تجتذب من المكان السافل، فعلو همة المرء عنوان فلاحه، وسفول همته عنوان حرمانه ". (1)
(1) مدارج السالكين (3/ 171 - 172).
وأنت ـ أيها المتفقه ـ لابد لك من التعالي عن سفاسف الأمور، وأخذ الأهبة، والتحلي بإرادة لا يفلها الحديد، فأنت مقدم على أمر عظيم حاله، خطير شأنه، أنت مقدم لوراثة الأنبياء، والارتقاء لمراتب الأولياء الأصفياء، فلا يصلح لصاحب هذه المنزلة أنْ يحوم حول حطام الدنيا الزائف، ويجول قلبه في خيالات المحال والبهتان، فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة والخيالات الباطلة تتلاعب به كما تتلاعب الكلاب بالجيفة، فهذه بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية، ليست لها همَّة تنال بها الحقائق.
فأصحاب الهمم السفلية تراهم يتكالبون على الحظوظ الفانية، من الجاه والسلطان، وحب الرياسة، والتطواف في البلدان لجمع الأموال والأثمان، أو الظفر بامرأة، ويظل مشغول القلب بأمانيه الزائفة، وتراه حائمًا في الأرض حيران يتمثل صورة مطلوبة في نفسه، وقد التذ بالظفر بها، فبينما هو على هذه الحال إذ استيقظ فإذا يده والحصير.
أما أصحاب الهمم العالية فيخبرك ابن القيم بحالهم يقول: وصاحب الهمة العالية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان، والعمل الذي يقربه إلى الله، ويدنيه من جواره، فأماني هذا إيمان ونور وحكمة، وأماني أولئك خدع وغرور. (1)
(1) المدارج (1/ 457 - 458) بتصرف يسير.