الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأنواع تنصرف جميع الأدلة التي استشهد بها جمهور العلماء على بطلان التقليد.
ويقول الشيخ الدهلوي رحمه الله: إنَّ المذاهب الأربعة المحررة قد اجتمعت الأمة، أو من يعتد به منها على جواز تقليدها إلى يومنا هذا، وفي ذلك من المصالح ما لا يخفي، لا سيما هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم جداً، وأشربت النفوس الهوى، وأعجب كل ذي رأى برأيه.
ويقول الشيخ حسن البنا رحمه الله: ولكل مسلم ما لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفروعية، أن يتبع إمامًا من أئمة الدين، ويحسن به مع هذا الاتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرف
…
أدلته، وأن يتقبل كل إرشاد مصحوب بالدليل، متى صح عنده صلاح من أرشده وكفايته، وأن يستكمل نقصه العلمي ـ وإن كان من أهل العلم ـ حتى يبلغ درجة النظر"
هل يستحسن ذكر الدليل للمستفتي
؟
نعم يستحسن ذكر الأدلة للمستفتى إذا كان أهلاً لفهمها، وإن كان ذلك ليس بشرط:
يقول ابن القيم رحمه الله: ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه من ذلك ولا يلقيه إلى المستفتى ساذجًا مجردًا عن دليله ومأخذه، فهذا لضيق عطنه وقلة بضاعته من العلم " (1)
(1) إعلام الموقعين (4/ 161) ط دار الجيل ـ بيروت
وقال في موضع آخر: " ينبغي للمفتي أن يفتى بلفظ النص مهما أمكنه، فإنه يتضمن الحكم والدليل مع البيان التام، فهو حكم مضمون له الصواب، متضمن للدليل عليه في أحسن بيان، وقول الفقيه المعين ليس كذلك، وقد كان الصحابة والتابعون والأئمة الذين سلكوا على منهاجهم يتحرون ذلك غاية التحري ". (1)
وأما أن ذلك ليس بشرط فمن أدلته ما يلي:
1) الإجماع الذي نقله غير واحد من الأصوليين: على أنَّه لم يزل أهل العلم يستفتون فيفتون ويُتَّبَعُون من غير إبداء المستند، وأن ذلك قد شاع وذاع، ولم ينكر، فكان إجماعاً.
قال الآمدي في الإحكام: " وأما الإجماع فهو أنه لم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين قبل حدوث المخالفين يستفتون المجتهدين، ويتبعونهم في الأحكام الشرعية، والعلماء منهم يبادرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل، ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير، فكان إجماعا على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقا "(2)
وفي المعتمد لأبى الحسين البصري: " والدليل على ذلك إجماع الأمة قبل حدوث المخالف فان الصحابة ومن بعدهم كانوا يفتون العامة في غامض الفقه، ولا يعرفونهم أدلتهم، ولا ينبهونهم على ذلك،
(1) المرجع السابق (4/ 170).
(2)
الإحكام للآمدي (4/ 235) ط دار الكتاب العربي.
ويلزمونهم سؤالهم إياهم، ولا ينكرون عليهم اقتصارهم على مجرد أقاويلهم " (1)
بل يذهب الإمام الشاطبي في الموافقات إلى أبعد من هذا فيقول: " فتاوي المجتهدين بالنسبة إلى العوام كالأدلة الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين، والدليل عليه أن وجود الأدلة بالنسبة إلى المقلدين وعدمها سواء، إذ كانوا لا يستفيدون منها شيئاً، فليس النظر في الأدلة والاستنباط من شأنهم، ولا يجوز ذلك لهم البتة، وقد قال تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " [النحل /43]، والمقلد غير عالم، فلا يصح له إلا سؤال أهل الذكر، وإليهم مرجعه في أحكام الدين على الإطلاق، فهم إذن القائمون له مقام الشارع، وأقوالهم قائمة مقام الشارع "(2)
أيها الأحبة في الله ..
إنَّ المتتبع لكتب الحديث يرى استدلال التابعين بأقوال من قبلهم من التابعين، واستدلال هؤلاء بأقوال وأعمال من قبلهم من الصحابة، وهو استدلال بأقوال وأعمال لم تذكر مع أدلتها، فدل ذلك على عدم اشتراط ذكر الأدلة لصحة الفتوى، أو جواز العمل بها، بل إننا لو تتبعنا آثار أئمة السلف، وأشد الناس إنكاراً على التقليد، لوقفنا على ما لا يحصى من الفتاوى العارية عن الأدلة.
(1) المعتمد لأبي الحسين البصري (2/ 361) ط دار الكتب العلمية.
(2)
الموافقات (4/ 293) ط دار المعرفة ـ بيروت
إن إيراد الأدلة للعامي لا يخرجه عن دائرة التقليد من الناحية الفقهية البحتة.؛ لأن المفتى يورد الدليل مورداً يجعله منتجاً للحكم الذي قال به، وذهب إليه، ولا يملك المستفتى إلا تقليده في هذا الفهم، فالتقليد كما يكون في الحكم يكون في فهم دليل الحكم، ومجرد المعرفة بالدليل لا تخرج عن ربقة
…
التقليد، ذلك أن المعرفة المعتبرة بالدليل، والتي تخرج عن نطاق التقليد، هي التي يغلب معها الظن بحصول المقتضي وعدم المانع ..
أما ما ورد من عبارات الأئمة في النهي عن تقليدهم ـ حتى يحتاط المرء لدينه ـ فهي حق، ويجب أن تنزل على منازلها الصحيحة.، فهي تنهى الناس عن اتباعهم فيما قامت الأدلة على خلافه، وهي تنهى أمثالهم من المجتهدين عن تقليدهم، لأن عليهم أن يأخذوا من حيث أخذوا، وتنهي أكابر أصحابهم وتلاميذهم من العلماء عن تقليدهم كذلك، حثاً لهم على دوام النظر في مدارك أقوالهم، ليعلموا ـ بما تبين لهم ـ أنه حق، حسبما يقتضيه اجتهادهم، وضماناً لحيوية الفقه الإسلامي، وعدم إصابته بالجمود، أو تخلفه عن الوفاء بالمصالح المتجددة.
ومما يدل على هذا التخصيص، وعلى أن العامة غير مخاطبين بهذه المقالات، ما نقل عن هؤلاء الأئمة أنفسهم، وغيرهم من أهل العلم، من ذلك:
ما قاله الإمام مالك رحمه الله: " يجب على العوام تقليد المجتهدين في الأحكام، كما يجب على المجتهدين الاجتهاد في أعيان الأدلة "
وما قاله ابن عبد البر ـ بعد ذكره لبطلان التقليد ـ: " وهذا كله في غير العامة، فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة بها، لأنها تبين موقع الحجة، ولا تصل كذلك بعدم الفهم إلى علم
…
"
ثم قال: " ولم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقوله تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " [النحل /43]، وأجمعوا على أنَّ الأعمى لا بد له من تقليد قائده، وكذلك لم يختلف العلماء في أن العامة لا يجوز لها الفتيا، وذلك ـ والله أعلم ـ لجهلها بالمعاني التي فيها يجوز التحليل والتحريم، والقول في العلم ".
وما قاله العز بن عبد السلام ـ بعد إنكاره التقليد وبيان بطلانه ـ: " ويستثنى من ذلك العامة، فإنَّ وظيفتهم التقليد؛ لعجزهم عن التوصل إلى معرفة الأحكام بالاجتهاد، بخلاف المجتهد فإنه قادر على النظر المؤدى إلى الحكم"(1).
وما قاله ابن القيم بعد أن ساق في إبطال التقليد نحواً من ثمانين دليلاً: " أما من قلد فيما ينزل به من أحكام شريعته عالما يتفق له على علمه فيصدر في ذلك عما يخبره فمعذور؛ لأنه قد أدى ما عليه، وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله، ولا بد له من تقليد عالم فيما جهله لإجماع
(1) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (2/ 135) ط دار الكتب العلمية.