الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واحذر كل الحذر من هذا الزمان وأهلِه، فما بقى مواسٍ ولا مؤثر، ولا من يهتم لسد خلة، ولا من لو سئل أعطى، إلا أن يعطى نذراً بتضجر ومنة يستعبد بها المعطى بقية العمر، ويستثقله كلما رآه، أو يستدعى بها خدمته له، والتردد إليه". (1)
أسباب شتات الهمَّ
أيها المتفقه ..
قال صلى الله عليه وسلم: " من كانت الآخرة همَّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همَّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له "(2)
فإذا أردت جمع همِّك فيكون رضا الله تعالى هو همُّك، فلابد لك من انتفاء موانع ذلك، ممَّا يفسد قلبك، ويشتت همَّك، ومدار ذلك على اشتغال النَّفس بالدنيا، فإذا ألقيتها وصرفت صورتها عن نفسك خلا القلب فيتمكن منه الإخلاص، اللهم ارزقنا الإخلاص واجعلنا من أهله.
(1) صيد الخاطر ص (437، 438).
(2)
أخرجه الترمذي (2583) في أبواب صفة القيامة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6510).
يبين لك ابن الجوزي هذا فيقول: " ما رأيت مشتتًا للهم، مبدداً للقلب مثل شيئين:
أحدهما: أن تطاع النفس في طلب كل شيء تشتهيه، وذلك لا يوقف على حد فيه، فيُذْهِبَ الدينَ والدنيا، ولا ينال كل المراد.
مثل أن تكون الهمة في المستحسنات، أو في جمع المال، أو في طلب الرياسة، وما يشبه هذه الأشياء. .
فياله من شتات لا جامع له، يذهب العمر ولا ينال بعض المراد منه.
والثاني: مخالطة الناس خصوصًا العوام والمشي في الأسواق، فإنَّ الطبع يتقاضى بالشهوات، وينسى الرحيل عن الدنيا، ويحب الكسل عن الطاعة، والبطالة والغفلة والراحة، فيثقل على من ألف مخالطة الناس التشاغل بالعلم أو العبادة، ولا يزال يخالطهم حتى تهون عليه الغيبة وتضيع الساعات في غير شيء.
فمن أراد اجتماع همه فعليه بالعزلة بحيث لا يسمع صوت أحد، فحينئذ يخلو القلب بمعارفه، ولا تجد النفس رفيقاً مثل الهوى يذكرها ما تشتهي.
فإذا اضطر إلى المخالطة كان على وفاق، كما تتهوى الضفدع لحظة ثمَّ تعود إلى الماء، فهذه طريق السلامة، فتأمل فوائدها تطِبْ لك ". (1)
(1) صيد الخاطر ص (489، 490).
همَّة كالثريا وجَدٌ حضيض
بعض النَّاس يقول لك: أمَّا عن الهمَّة فلا تسأل، أبيت الليالي لا أنام، أذاكر الساعات الطوال، ولكنِّي لا أرزق الثمرة.
ولسان حاله كقول أبي تمام:
همَّة تنطح الثريا وجدٌ
…
آلف للحضيض فهو حضيض
ويجيبك ابن الجوزي فيقول:
فالجواب: أنه إذا امتنع الرزق من نوع، لم يمتنع من نوع آخر، ثمَّ من البعيد أن يرزقك همَّة ولا يعينك، فانظر في حالك فلعله أعطاك شيئًا ما شكرته، أو ابتلاك بشيء من الهوى ما صبرت عنه.
واعلم أنه ربما زوى عنك من لذات الدنيا كثيراً؛ ليؤثرك بلذات العلم، فإنَّك ضعيف ربما لا تقوى على الجمع، فهو أعلم بما يصلحك " أهـ (1)
فيا عبد الله فتِّش على أسباب الخلل فتدراكها، اتهم نيتك، انظر لنعم الله عليك وقصورك في شكرها، انظر لابتلاءات الله لك كيف كان صنيعك فيها، هل صبرت أو جزعت؟ فإذا حرمت الرزق فبذنبك، وتذكر دائمًا قول الله تعالى:
…
" أليس الله بأعلم بالشاكرين "[الأنعام/53] فربَّما حرمت لأنَّك لن تستطيع شكر هذه النعمة، فإنَّ الله لا يظلم مثقال ذرة، والله لا يظلم النَّاس شيئًا ولكنَّ النَّاس أنفسهم يظلمون.
(1) صيد الخاطر ص (208).
فعليك يا طالب العلم أن تُجِدَّ في التحصيل، واصدق الله يصدقك، فإنه كما قال الجنيد:" ما طلب أحدٌ شيئاً بصدقِ وجدِّ إلا ناله، فإن لم ينله كلَّه نال بعضه ".
ولا تلتفت إلى وساوس الشيطان في تهويل كثرة العلم عليك، فتفتر عن الطلب.
فقد قال الفضل بن سعيد بن سلم: " كان رجل يطلب العلم فلا يقدر عليه، فعزم على تركه، فمر بماء ينحدر من رأس جبل على صخرة، قد أثر الماء فيها، فقال: الماء على لطافته قد أثر في صخرة على كثافتها، ـ والله ـ لا أدع طلب العلم، فطلب فأدرك.
فالعلم يجتمع مع الليالي والأيام، قيل: اليوم شيءٌ، وغداً مثله، من نُخب العلم التي تلتقط يحصل المرء بها حِكْمتَه، وإنَّما السيل اجتماع النقط.
مجمل القول
أيها المتفقه ـ حبيبي في الله ـ:
تعال بعد التفصيل أحصي لك ما يعينك على علو الهمة والصبر:
أولاً: شكر النعمة وإن قلَّت.
…
ثانيًا: صدق اللجأ والافتقار إلى الله. .
ثالثًا: إدمان الدعاء.
رابعًا: الصبر والاصطبار.
خامسًا: مخالفة الهوى.
سادسًا: الصبر عن الدنيا.
سابعًا: جمع الهم.
ثامنًا: تأخير الزواج ما أمكن.
تاسعًا: لا تطع نفسك في كل ما تطلب.
عاشرًا: خذ بحظك من العزلة.