المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌6- الثمرات اليانعة والأحكام الواضحة القاطعة ليوسف الثلائى (الزيدى) - التفسير والمفسرون - جـ ٢

[محمد حسين الذهبي]

فهرس الكتاب

- ‌الشيعة وموقفهم من تفسير القرآن الكريم

- ‌كلمة إجمالية عن الشيعة وعقائدهم

- ‌ الزيدية

- ‌قوام مذهب الزيدية

- ‌الإمامية

- ‌ الإمامية الإثنا عشرية

- ‌أشهر تعاليم الإمامية الإثنا عشرية

- ‌الإمامية الاسماعيلية

- ‌موقف الشيعة من تفسير القرآن الكريم

- ‌1- موقف الإمامية الإثنا عشرية من تفسير القرآن الكريم

- ‌2- موقف القرآن من الأئمة وأوليائهم وأعدائهم

- ‌3- تحريف القرآن وتبديله

- ‌4- موقفهم من الأحاديث النبوية وآثار الصحابة

- ‌أهم الكتب التى يعتمدون عليها فى رواية الأحاديث والأخبار

- ‌أهم كتب التفسير عند الإمامية الإثنا عشرية

- ‌1- مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار (للمولى عبد اللطيف الكازرانى

- ‌2- تفسير الحسن العسكرى

- ‌3- مجمع البيان لعلوم القرآن (للطبرسى)

- ‌4- الصافى فى تفسير القرآن (لملا محسن الكاشى)

- ‌5- تفسير القرآن (للسيد عبد الله العلوى)

- ‌6- بيان السعادة فى مقامات العبادة (لسلطان محمد الخراسانى)

- ‌الإمامية الإسماعيلية "الباطنية" وموقفهم من تفسير القرآن الكريم

- ‌كلمة إجمالية عن الإسماعيلية وعقائدهم وأغراضهم

- ‌مؤسسو هذه الطائفة

- ‌احتيالهم على الوصول إلى أغراضهم

- ‌مراتب الدعوة عند الباطنية

- ‌إنتاج الباطنية فى تفسير القرآن الكريم

- ‌موقف متقدمى الباطنية من تفسير القرآن الكريم

- ‌البابية والبهائية

- ‌كلمة إجمالية عن نشأة البابية والبهائية

- ‌ بهاء الله

- ‌الصلة بين عقائد البابية وعقائد الباطنية القدامى

- ‌موقف البابية والبهائية من تفسير القرآن الكريم

- ‌أبو الفضائل الإيرانى يعيب تفاسير أهل السُّنَّة

- ‌إنتاج البابية والبهائية فى التفسير، ومثل من تأويلاتهم الفاسدة

- ‌الزيدية وموقفهم من التفسير والقرآن الكريم

- ‌تمهيد

- ‌أهم كتب التفسير عند الزيدية

- ‌فتح القدير للشوكاني

- ‌التعريف بمؤلف هذا التفسير

- ‌التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه

- ‌طريقة الشوكانى فى تفسيره

- ‌نقله للروايات الموضوعة والضعيفة

- ‌ذمه للتقليد والمقِّدين

- ‌حياة الشهداء

- ‌التوسل

- ‌موقفه من المتشابه

- ‌موقفه من آراء المعتزلة

- ‌موقف الشوكانى من مسألة خلق القرآن

- ‌الخوارج وموقفهم من تفسير القرآن الكريم

- ‌كلمة إجمالية عن الخوارج

- ‌مواقف الخوارج من تفسير القرآن الكريم

- ‌سلطان المذهب يغلب على الخوارج فى فهم القرآن

- ‌مدى فهم الخوارج لنصوص القرآن

- ‌موقف الخوارج من السُّنَّة وإجماع الأمة، وأثر ذلك فى تفسيرهم للقرآن

- ‌الإنتاج التفسيرى للخوارج

- ‌أسباب قِلَّة إنتاج الخوارج فى التفسير

- ‌هميان الزاد إلى دار المعاد

- ‌التعريف بمؤلف هذا التفسير

- ‌التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه

- ‌حقيقة الإيمان

- ‌موقفه من أصحاب الكبائر

- ‌حملته على أهل السُّنَّة

- ‌مغفرة الذنوب

- ‌رأيه فى الشفاعة

- ‌رؤية الله تعالى

- ‌أفعال العباد

- ‌موقفه من المتشابه

- ‌موقفه من تفسير الصوفية

- ‌موقفه من الشيعة

- ‌رأيه فى التحيكم

- ‌إشادته بالخوارج وحطه من قدر عثمان وعلىّ ومَن والاهما

- ‌اعتداده بنفسه وحملته على جمهور المسلمين

- ‌تفسير الصوفية

- ‌أصل كلمة تصوف

- ‌معنى التصوف

- ‌نشأة التصوف وتطوره

- ‌أقسام التصوف

- ‌أولاً: التفسير الصوفى النظرى

- ‌ابن عربى شيخ هذه الطريقة

- ‌تأثر ابن عربى بالنظريات الفلسفية

- ‌تأثره فى تفسيره بنظرية وحدة الوجود

- ‌قياسه الغائب على الشاهد

- ‌إخضاعه قواعد النحو لنظراته الصوفية

- ‌التفسير الصوفى النظرى فى الميزان

- ‌رأينا فى التفسير الصوفى النظرى

- ‌ثانياً: التفسير الصوفى الفيضي او الإشارى

- ‌حقيقته

- ‌الفرق بينه وبين التفسير الصوفى النظرى

- ‌هل للتفسير الإشارى أصل شرعى

- ‌التفاوت فى إدراك المعانى الباطنة وإصابتها

- ‌التفسير الإشارى فى الميزان

- ‌مقالة الشاطبى فى التفسير الإشارى

- ‌مقالات بعض العلماء فى التفسير الإشارى

- ‌رأينا فى مقالة ابن عربى

- ‌شروط قبول التفسير الإشارى

- ‌أهم كتب التفسير الإشارى

- ‌1- تفسير القرآن العظيم (للتسترى)

- ‌2- حقائق التفسير (للسلمى)

- ‌3- عرائس البيان فى حقائق القرأن (لأبى محمد الشيرازى)

- ‌4- التأويلات النجمية (لنجم الدين داية، وعلاء الدولة السمنانى)

- ‌5- التفسير المنسوب لابن عربى

- ‌ابن عربى ومذهبه فى تفسير القرآن الكريم

- ‌ترجمة ابن عربى

- ‌ابن عربى بين أعدائه ومريديه

- ‌مكانته العلمية

- ‌مذهب ابن عربى فى وحدة الوجود

- ‌مذهب ابن عربى فى تفسير القرآن الكريم

- ‌نماذج من التفسير الصوفى النظرى له

- ‌نماذج من التفسير الإشارى له

- ‌نماذج من التفسير الظاهر لابن عربى

- ‌تفسير الفلاسفة

- ‌كيف وُجِدت الصلة بين التفسير والفلسفة

- ‌كيف كان التوفيق بين الدين والفلسفة

- ‌الأثر الفلسفى فى تفسير القرآن الكريم

- ‌من تفسير الفارابى

- ‌من تفسير إخوان الصفا

- ‌ترجمة ابن سينا

- ‌مسلك ابن سينا فى التفسير

- ‌رأينا فى تفسير الفلاسفة

- ‌تفسير الفقهاء

- ‌كلمة إجمالية عن تطور التفسير الفقهى

- ‌التفسير الفقهى فى مبدأ قيام المذاهب الفقهية

- ‌التفسير الفقهى بعد ظهور التقليد والتعصب المذهبى

- ‌تنوع التفسير الفقهى تبعاً لتنوع الفرق الإسلامية

- ‌الإنتاج التفسيرى للفقهاء

- ‌1- أحكام القرآن - للجصَّاص (الحنفى)

- ‌2- أحكام القرآن - لكيا الهراسى (الشافعى)

- ‌3- أحكام القرآن - لابن العربى (المالكى)

- ‌4- الجامع لأحكام القرآن - لأبى عبد الله القرطبى (المالكى)

- ‌5- كنز العرفان فى فقه القرآن لمقداد السيورى (من الإمامية الإثنا عشرية)

- ‌6- الثمرات اليانعة والأحكام الواضحة القاطعة ليوسف الثلائى (الزيدى)

- ‌التفسير العلمى

- ‌معنى التفسير العلمى

- ‌التوسع فى هذا النوع من التفسير وكثرة القائلين به

- ‌الإمام الغزالى والتفسير العلمى

- ‌الجلال السيوطى والتفسير العلمى

- ‌أبو الفضل المرسى والتفسير العلمى

- ‌إنكار التفسير العلمى

- ‌إنكار الشاطبى للتفسير العلمى

- ‌اختيارنا فى هذا الموضوع

- ‌الخاتمة.. كلمة عامة عن التفسير وألوانه فى العصر الحديث

- ‌التفسير بين ماضيه وحاضره

- ‌مميزات التفسير فى العصر الحديث

- ‌ألوان التفسير فى العصر الحديث

- ‌اللَّون العلمى للتفسير فى عصرنا الحاضر

- ‌الجواهر فى تفسير القرآن الكريم (للشيخ طنطاوى جوهرى)

- ‌اللون المذهبى للتفسير فى عصرنا الحاضر

- ‌اللَّون الإلحادى للتفسير فى عصرنا الحاضر

- ‌اللَّون الأدبى الاجتماعى للتفسير فى عصرنا الحاضر

- ‌1- الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده

- ‌2- السيد محمد رشيد رضا

- ‌3- الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغى

- ‌رجاء واعتذار

الفصل: ‌6- الثمرات اليانعة والأحكام الواضحة القاطعة ليوسف الثلائى (الزيدى)

‌6- الثمرات اليانعة والأحكام الواضحة القاطعة ليوسف الثلائى (الزيدى)

* ترجمة المؤلف:

مؤلف هذا التفسير هو شمس الدين يوسف بن أحمد بن محمد بن أحمد ابن عثمان الثلائى، الزيدى الفقيه، أحد أصحاب الإمام المهدى، وأحد أساطين العلم وجبال التحقيق عند أصحابه. ارتحل الناس إليه من الأقطار إلى "ثلا"، وكان إذا قرأ امتلأ الجامع بالطلبة، وباقيهم بكتبهم فى الطاقات من خارج المسجد.

أخذ عن الفقيه حسن النحوى، وله تصانيف، منها: الزهور والرياض، و "الثمرات اليانعة"، وهو أجَلّ مصنف عند الزيدية، وهو ما نحن بصدده الآن، توفى رحمه الله بـ "ثلا" فى شهر جمادى الآخرة سنة 832 هـ (اثنتين وثلاثين وثمانمائة من الهجرة) .

* *

* التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:

يقع هذا التفسير فى ثلاثة أجزاء كبار، ومنه نسخة خطية كاملة بدار الكتب المصرية، ويوجد بالمكتبة الأزهرية الجزء الثانى فقط، وهو مخطوط فى مجلد كبير، يبدأ من قوله تعالى فى الآية [4] من سورة المائدة:{يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ}

. الآية، وينتهى عند قوله تعالى فى الآية [36] من سورة النور:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه} .

قرأت فى هذا التفسير فوجدت المؤلف يقتصر على آيات الأحكام، متمشياً مع ترتيب المصحف فى سورة وآياته. يذكر الآية أولاً، ثم يذكر ما ورد فى سبب نزولها إن كان لها سبب، ثم يقول: ولهذه الآية ثمرات هى أحكام شرعية: الأولى: كذا، والثانية: كذا

إلى أن ينتهى من كل ما يتعلق بالآية من الأحكام.

* *

* اعتماد المؤلف على الروايات التى لا تصح:

ويُلاحَظ على هذا التفسير أن مؤلفه لا يتحرى الصحة فيما ينقله من الأحاديث. وما يذكره من ذلك يمر عليه مراً سابرياً بدون أن يعقب عليه بكلمة واحدة تُشعر بضعف الحديث أو وضعه، فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [55] من سورة المائدة:{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ} .. نراه يذكر الروايات الواردة فى سبب نزول هذه الآية، ويذكر ضمن ما يذكر: أنها نزلت فى علىّ بن أبى طالب لمَّا تصدَّق بخاتمه فى الصلاة وهو راكع.. وقد علمنا أن هذه رواية موضوعة لا أساس لها من الصحة، ولكن

ص: 344

المؤلف يذكرها، ثم يأخذ فى تفريع الأحكام على هذه القصة المكذوبة، كأنها عنده من الثابت الصحيح.

* *

* تقديره لكشاف الزمخشرى:

كذلك يُلاحَظ على المؤلف فى تفسيره هذا أنه كثير النقل عن الكشاف للزمخشرى، مما يدل على أنه معجب به وبتفسيره إلى حد كبير، ولعل ذلك ناشىء عما بين الرجلين من صلة التمذهب بمذهب الاعتزال.

* *

* مسلكه فى أحكام القرآن:

أما مسلك المؤلف فى أحكام القرآن، فإنه يسرد أقوال السَلَف والخَلَف فى المسألة، فيعرض لما ورد عن الصحابة والتابعين، ويعرض لمذهب الشافعية، والحنفية، والمالكية، والظاهرية، والإمامية

. وغيرهم من فقهاء المذاهب، ذاكراً لكل مذهب دليله ومستنده فى الغالب. كما يذكر بعناية خاصة مذهب الزيدية واختلاف علمائهم فى المسألة التى يعرض لها، مع الإفاضة فى بيان أدلتهم التى استندوا إليها، والرد على مَن يخالفهم فيما يذهبون إليه.. كل هذا بدون أن نلحظ على الرجل شيئاً من القدح فى مخالفيه، كما يفعل غيره ممن سبق الكلام عنهم. وإليك بعض ما جاء فى هذا التفسير لتقف على مقدار دفاع المؤلف عن مذهبه، وعمله على تأييده بالبراهين والأدلة:

** رأيه فى نكاح الكتابيات:

فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [5] من سورة المائدة: {اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات}

. إلى قوله: {والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}

. الآية، نراه يعرض لأقوال العلماء فى حكم نكاح الكتابيات فيقول: "ظاهر الآية جواز نكاح الكتابية، وهذا مذهب أكثر الفقهاء والمفسِّرين، ورواية عن زيد بن علىّ، والصادق، والباقر، واختاره الإمام يحيى بن حمزة وقال: إنه إجماع الصدر الأول من الصحابة، وإن عثمان قد نكح نائلة بنت الفرافصة وهى نصرانية، فلما توفى عثمان خطبها معاوية، فقالت: وما يعجبك منى؟ قال: ثنياتك، فقلعتهما وأمرت بهما إليه، ونكح طلحة نصرانية، ونكح حذيفة يهودية. وقال القاسم، والهادى، والناصر، ومحمد بن عبد الله، وعامة القاسمية، وهو مروى عن ابن عمر: إنه لا يجوز لمسلم نكاح كافرة، كتابية كانت أو غيرها، واحتجوا بقوله تعالى فى سورة البقرة:{وَلَا تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221] .. قالوا هذا فى المشركات لا فى الكتابيات. قلنا: اسم المشرك ينطلق على أهل الكتاب، بدليل قوله تعالى - بعد ذكر اليهود والنصارى فى قوله:{اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله}

.

ص: 345

إلى قوله تعالى: {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] . وعن ابن عمر: لا أعلم شركاً أعظم من قول النصارى إن ربها عيسى. وعن عطاء: قد كثَّر الله المسلمات، وإنما رُخِّص لهم يومئذ. قالوا: إنه تعالى عطف أحدهما على الآخر فدل أنهما غيران حيث قال تعالى: {لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين} [البينة: 1] .. قلنا: هذا كقوله تعالى: {الوصية لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين} [البقرة: 180] .. قالوا: الآية مُصرِّحة بالجواز فى قوله تعالى: {والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} [المائدة: 5] .. قلنا: قوله تعالى فى سورة الممتحنة: {وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر} [الممتحنة: 10]، وقوله تعالى فى سورة النور:{الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ والخبيثون لِلْخَبِيثَاتِ والطيبات لِلطَّيِّبِينَ والطيبون لِلْطَّيِّبَاتِ}

[النور: 26]، وقوله تعالى فى سورة النساء:{وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم} [النساء: 25] .. فشرط الإيمان فى هذا يقتضى التحريم، فتتأول هذه الآية بأنه أراد المحصنات من أهل الكتاب الذين قد أسلموا، لأنهم كانوا يتكرهون ذلك، فسماهم باسم ما كانوا عليه. وقد ورد مثل هذا فى كتاب الله تعالى، قال الله تعالى:{الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أولائك يُؤْمِنُونَ بِهِ} [البقرة: 121]، وقوله تعالى {الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146] ، وقوله تعالى:{وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله} [آل عمران: 199]- قالوا: سبب النزول وفعل الصحابة يدل على الجواز، وإنَّا نجمع بين الآيات الكريمة فنقول: قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُواْ المشركات} [البقرة: 221] عام ونخصه بقوله تعالى: {والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] .. أو نقول: أراد بالمشركات الوثنيات، وبالمحصنات من الذين أُوتوا الكتاب ما أفاده الظاهر. أو يكون قوله تعالى:{والمحصنات} ناسخاً لتحريم الكتابيات بقوله: {وَلَا تَنْكِحُواْ المشركات} .. قلنا: نقل ما ذكرتم بما روى أن كعب بن مالك أراد أن يتزوج بيهودية أو نصرانية فسأل النبى صلى الله عليه وآله عن ذلك فقال: "إنها لا تحصن ماءك". ويُروى أنه نهاه عن ذلك. وبأنَّا نتتأوّل قوله تعالى: {والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} ، فنجمع ونقول: وتخصيص المشركات بالمحصنات من الذين أُوتوا الكتاب متراخ، والبيان لا يجوز أن يتراخى.. قالوا: روى جابر بن عبد الله عن النبى عليه السلام أنه قال: "أُحِلَّ لنا ذبائح أهل الكتاب وأُحِلَّ لنا نساؤهم، وحُرِّم عليهم أن يتزوجوا نساءنا"، قال فى الشفاء: قال علماؤنا: هذا حديث ضعيف النقل. قالوا: قوله صلى الله عليه وسلم وآله فى المجوس: "سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب"

. الخبر، فأفاد جواز

ص: 346

ذبائحهم، ونكاح نسائهم، قلنا: الجواز منسوخ بأدلة التحريم. ثم إنَّا نُقَوِّى أدلتنا بالقياس، فنقول: كافرة فاشبهت

الحربية، أو لمَّا حرمت الموارثة حرمت المناكحة، أو لما حرَّم نكاح الكافر للمسلمة حرَّم العكس. قالوا: لا حكم للاعتبار مع الأدلة".

* *

** رأيه فى المسح على الخُفَّين:

ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [6] من سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة}

. الآية، نراه يعرض لمسألة المسح على الخُفَّين فيقول: "إن المسح على الخُفَّين والجوربين لا يجوز، وهو مروى عن علىّ عليه السلام، وابن عباس، وعمَّار بن ياسر، وأبى هريرة، وعائشة. وقال عامة الفقهاء: إنه يجوز المسح عليهما. حجتنا هذه الآية، وهى قوله تعالى:{وَأَرْجُلَكُمْ} فأمرت بتطهير الرجلين، والماسح على الخُفَّين لا يكون مُطهِّراً لهما، وكذلك الأخبار التى دلت على الغسل للقدمين. فأما ما رُوِىَ أنه صلى الله عليه وآله مسح على الخفين وأمر به، فهذه الأخبار كانت بمكة وبعد هجرته صلى الله عليه وآله، ثم نزلت سورة المائدة بعد ذلك فكانت ناسخة، ويدل على هذا ما رواه زيد بن علىّ عن آبائه عليهم السلام عن علىّ عليه السلام قال: لما كان فى ولاية عمر جاء سعد بن أبى وقاص فقال: يا أمير المؤمنين؛ ما لقيتُ من عمَّار، قال: وما ذاك؟ قال: خرجتُ وأنا أريدك ومعى الناس، فأمرتُ منادياً فنادى بالصلاة، ثم دعوتُ بطهور فتطَّهرت ومسحت على خُفِّى، وتقدَّمت أُصلى، فاعتزلنى عمَّار، فلا هو اقتدى بى ولا هو تركنى، فجعل ينادى من خلفى: ياسعد؛ أصلاة من غير وضوء؟ فقال عمر: يا عمّار؛ أخرج مما جئتَ به، فقال: نعم.. كان المسح قبل المائدة، قال عمر: يا أبا الحسن؛ ما تقول؟ قال: أقول إن المسح كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فى بيت عائشة، والمائدة نزلت فى بيتها، فأرسل عمر إلى عائشة فقالت: كان المسح قبل المائدة، فقل لعمر: والله لأن يُقطع قدماى بعقبهما أحبُّ إلىّ من أن أمسح عليهما، فقال عمر: لا تأخذ بقول امرأة، ثم قال: أنشد الله امرءاً شهد المسح من رسول الله لما قام، فقام ثمانية عشر رجلاً كلهم رأى رسول الله صلى الله عليه وآله يمسح وعليه جُبَّة شامية ضيقة الكمين، فأخرج يده من تحتها ثم مسح على خُفَّيه، فقال عمر: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: سلهم؛ أقبل المائدة أم بعدها؟ فسألهم، فقالوا: ما ندرى، فقال علىّ عليه السلام: أنشد الله امرءاً مسلماً علم أن المسح قبل المائدة لما قام، فقام اثنان وعشرون رجلاً،

فتفرَّق القوم وهؤلاء يقولون: لا نترك ما رأينا.

ص: 347

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: والله ما مسح رسول الله بعد المائدة، ولأن أمسح على ظهر عير بالفلاة أحبُّ إلىّ من أن أمسح على الخُفَّين. وعن علىّ عليه السلام، سبق الكتاب الخُفَّين - قيل معناه: قطع - وعن أبى هريرة: ما أُبالى على خُفَّى مسحتُ أو على ظهر حمار. فثبت للنسخ بما ذكر. وأما قول جرير: رأيت رسول الله يمسح، وكان إسلامه بعد المائدة فروايته لا تُقبل مع إنكار أمير المؤمنين، لأنه لحق بمعاوية فكان ذلك قدحاً. هذا كلام أهل المذهب والمسألة إجماعية من أهل البيت عليهم السلام".

وهكذا نجد المؤلف رحمه الله يناقش مخالفيه من أصحاب المذاهب الأخرى مناقشة حادة، وإن دلَّت على شىء فهو قوة ذهن الرجل، وسعة اطلاعه. هذا.. ولا يكاد القارئ لهذا التفسير يجد فيه خلافاً كثيراَ للمذاهب الفقهية الأخرى، كما هو الشأن فى كتب التفسير الفقهى للإمامية الإثنا عشرية، وهذا راجع إلى تقارب وجهات النظر بين الزيدية وأهل السُّنَّة فى أصول الفقه وفروعه.

* * *

ص: 348