الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الذى نُفِىَ عنه صلى الله عليه وسلم فمراد به الجنون، وهو مخل ولا شك بمقام النبوة، وقد قالوا:{ياأيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر: 6] . ثم إن الحديث رواية البخارى وغيره من كتب الصحيح، ولكن الأستاذ الإمام ومَن على طريقته لا يُفَرِّقون بين رواية البخارى وغيره، فلا مانع عندهم من عدم صحة ما يرويه البخارى، كما أنه - لو صح فى نظرهم - فهو لا يعدو أن يكون خبر آحاد لا يثبت به إلا الظن، وهذا فى نظرنا هدم للجانب الأكبر من السُّنَّة التى هى بالنسبة للكتاب فى منزلة المبيِّن من المبيَّن، وقد قالوا: إن البيان يلتحق بالمبيّن، وليس هذا الحديث وحده هو الذى يُضَعِّفه الشيخ، أو يتخلص منه بأنه رواية آحاد، بل هناك كثرة من الأحاديث نالها هذا الحكم القاسى، فمن ذلك أيضاً حديث الشيخين:"كل بنى آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أُمه إلا مريم وابنها".. فإنه قال فيه: "إذا صح الحديث فهو من قبيل التمثيل لا من باب الحقيقة".
فهو لا يثق بصحة الحديث رغم رواية الشيخين له، ثم يتخلص من إرادة الحقيقة - على فرض الصحة، بجعل الحديث من باب التمثيل، وهو ركون إلى مذهب المعتزلة. الذين يرون أن الشيطان لا تَسَلُّط له على الإنسان إلا بالوسوسة والإغواء فقط.
وبعد.. فهذا هو إنتاج الأستاذ الإمام فى التفسير، وهذا هو مسلكه ومنهجه فيه، ولعلِّى أكون قد أرضيت الحقيقة، ولم أتجن على الشيخ، أو أتهمه بما هو منه برئ.
* * *
2- السيد محمد رشيد رضا
* كيف اتصل الشيخ رشيد بالأستاذ الإمام:
نشأ السيد محمد رشيد رضا فى طرابلس الشام، وفيها تلقى العلم عن شيوخها وعلمائها، وجلس يفيدهم بعلمه، ويرشدهم بنصحه ووعظه، وفى هذه الأثناء وقع فى يده نسخة من جريدة "العروة الوثقى"، التى كان يقوم بإخراجها والكتابة فيها رجل الإصلاح جمال الدين الأفغانى، وتلميذه الشيخ محمد عبده، فقرأ الشيخ رشيد ما فى الجريدة، فأعجب بالرجلين إعجاباً شديداً، ورغب فى الاتصال بالسيد جمال الدين الأفغانى فلم يسعده الحظ، ثم تعلق أمله بالاتصال بخليفته الشيخ محمد عبده، فأسعده الحظ فى هذه المرة، واتصل بالشيخ فى رجب سنة 1315 هـ وكان أول اقتراح عرضه عليه، أن يكتب تفسيراً للقرآن على نهج ما كان يكتب فى جريدة "العروة الوثقى"، وبعد أخذ ورد بين الشيخين اقتنع الأستاذ الإمام بأن يقرأ دروساً فى التفسير
بالجامع الأزهر، ولم يلبث إلا قليلاً حتى قام بإلقاء دروسه فى التفسير على طُلابه ومريديه.
وكان الشيخ رشيد رحمه الله ألزم الناس لهذه الدروس، وأحرصهم على تلقيها وضبطها، فكان يكتب بعض ما يسمع، ثم يزيد عليه بما يذكره من دروس الشيخ بعد ذلك، ثم قام بنشر ما كتب على الناس فى مجلته "المنار"، ولكنه لم يفعل إلا بعد مراجعة أستاذه لما كتب، وتناوله له بالتنقيح والتهذيب.
لهذا كله نستطيع أن نقول إن الشيخ رشيد هو الوارث الأول لعلم الأستاذ الإمام، إذ أنه أخذ عنه فوعى ما أخذ، وألَّف فى حياته وبعد وفاته، فكان لا يحيد عن منهجه أو ينحرف عن أفكاره. وليس غريباً ما يرويه الشيخ رشيد من أن الأستاذ الإمام رحمه الله كان يقول:"صاحب المنار ترجمان أفكارى". كما أنه ليس غريباً ما يُحَدِّث به أحد تلاميذ الشيخ رشيد، من أن الأستاذ الإمام وصف الشيخ رشيد بأنه "متحد معه فى العقيدة، والفكر، والرأى، والخُلُق. والعمل".
* *
* إنتاج الشيخ رشيد فى التفسير:
وإذا نحن تتبعنا ما كتبه الشيخ رشيد من تفسير للقرآن الكريم لوجدنا أنه أكثر رجال مدرسة الأستاذ الإمام إنتاجاً فى التفسير، وذلك أنه كتب تفسيره المسمى بتفسير القرآن الحكيم، والمشهور بتفسير المنار.. ابتدأ بأول القرآن وانتهى عند قوله تعالى فى الآية [101] من سورة يوسف:{رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الملك وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحاديث فَاطِرَ السماوات والأرض أَنتَ وَلِيِّي فِي الدنيا والآخرة تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين} .. ثم عالجته المنية قبل أن يتم تفسير القرآن كله.
هذا القدر من التفسير مطبوع فى اثنى عشر مجلداً كباراً، ينتهى المجلد الثانى عشر عند قوله تعالى فى الآية [53] من سورة يوسف:{وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي}
…
الآية.
وقد أكمل الأستاذ بهجت البيطار تفسير سورة يوسف، وطبع تفسير هذه السورة بتمامها فى كتاب مستقل يحمل اسم الشيخ رشيد رحمه الله.
هذا.. وقد فسَّر الشيخ من القصار: سورة الكوثر، والكافرون، والإخلاص،
والمعوذتين، ولا نعرف له إنتاجاً فى التفسير أكثر من هذا، وهو إنتاج لا بأس به، وفيه تتجلى روح الأستاذ الإمام ممزوجة بروح تلميذه، فالمصادر هى المصادر، والهدف هو الهدف، والمنهج هو المنهج، والأفكار هى الأفكار، ولا فرق بين الرجلين إلا فيما هو قليل نادر.
* *
* مصادره فى التفسير:
أما مصادره فى التفسير فإنه كان يستعين ببعض آيات القرآن على فهم بعض آخر منه، خصوصاً إذا تكررت الآيات فى موضوع واحد، وكان يستعين أيضاً بما صح عنده من بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما جرى عليه سَلَف الأُمة من الصحابة والتابعين، وبأساليب لغة العرب وسنن الله فى خلقه، ومستعيناً بعد ذلك كله بعقله المتحرر من التقليد للمفسِّرين، إلا فيما يقتنع به من أقوالهم، وأقوال شيخه على الأخص، ويُحدِّثنا بعض تلاميذه:"أنه كان لا يراجع ما يكتب فى التفسير إلا بعد أن يكتب فهمه فى الآية، حذراً من تأثر أقوال المفسَّرين على نفسه، وإذا آتاه الله فهماً فى القرآن لم يُسبق إليه، أو لم يطلع عليه إلا بعد كتابته من عنده فإنه يتحدث إلى إخوانه شاكراً، وقد يقصه على أهل بيته مغتبطاً مسروراً".
* *
* هدفه من التفسير:
وأما هدفه فى التفسير فهو عَيْن ما يهدف إليه الأستاذ الإمام، فإذا كان الأستاذ الإمام يُصَرِّح بأن هدفه من التفسير هو "فهم الكاتب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم فى حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة". فإن صاحبنا يُصَرِّح بمثل ذلك فى كثير من مواضع كتابه، فيقول بعد أن يوجه اللَّوم إلى مَن حشروا فى التفسير من قواعد العلوم، ومسائل الفنون، وموضوعات الحديث، وخرافات الإسرائيليات، ما يصرف الناس عن هداية القرآن، يقول:"إن حاجة الناس صارت شديدة إلى تفسير تتوجه العناية الأولى فيه إلى هداية القرآن على الوجه الذى يتفق مع الآيات الكريمة، المنزَّلة فى وصفه. وما أُنزِل لأجله، من الإنذار، والتبشير والهداية، والإصلاح".
يريد أنه سيعمل تفسيره على هذا النمط ليسد حاجة الناس، ويقول فى موضع آخر:"إن قصدنا من التفسير بيان معنى القرآن، وطرق الاهتداء به فى هذا الزمان".
* *
* منهجه فى التفسير:
وأما منهجه فيه فهو عَيْن ما نهجه الأستاذ الإمام، فلا تقيد بأقوال المفسِّرين، ولا تحكم للعقيدة فى نص القرآن، ولا خوض فى إسرائيليات، ولا تعيين لمبهمات، ولا تعلق بأحاديث موضوعة، ولا حشد لمباحث الفنون، ولا رجوع بالنص إلى اصطلاحات العلوم، بل شرح للآيات بأسلوب رائع، وكشف عن المعانى بعبارة سهلة مقبولة، وتوضيح لمشكلات القرآن، ودفاع عنه يرد ما أُثير حوله من شبهات، وبيان لهدايته، ودلالة إلى عظيم إرشاده، وتوقيف على حكم تشريعه، ومعالجة لأمراض المجتمع بناجع دوائه، وبيان لسنن الله فى خليقته.
ولكنَّا نجد الشيخ رشيد رحمه الله يحيد عن هذا المنهج بعض الشىء، وذلك بعد وفاة شيخه، واستقلاله بالعمل، ويُحدِّثنا هو بذلك فيقول:
"وإننى لما استقللت بالعمل بعد وفاته، خالفت منهجه - رحمه الله تعالى - بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السُّنَّة الصحيحة، سواء أكان تفسيراً لها، أو فى حكمها، وفى تحقيق بعض المفردات، أو الجمل اللُّغوية، والمسائل الخلافية بين العلماء، وفى الإكثار من شواهد الآيات فى السور المختلفة، وفى بعض الاستطرادات لتحقيق مسائل تشتد حاجة المسلمين إلى تحقيقها، بما يثبتهم بهداية دينهم فى هذا العصر، أو يقوى حجتهم على خصومه من الكفار والمبتدعة، أو يحل بعض المشكلات التى أعيا حلها. بما يطمئن به القلب، وتسكن إليه النفس".
ويبدو لنا أن هذا التوسع الذى كان من الشيخ رشيد - خصوصاً فى المسائل الاجتماعية -، لم يدفعه إليه إلا كونه رجلاً "صحفياً" اتصل عن طريق مجلته بالناس على اختلاف منازعهم ومشاربهم، وفيهم المتدين، والملحد. والكافر، فأراد أن يتمشى بكتابته مع الجميع، فيثبت المتدين على دينه، ويرد الملحد عن إلحاده، ويكشف عن محاسن الإسلام، لعل الكافر أن يثوب إلى رشده ويرجع عن كفره.
* *
* آراؤه فى التفسير:
أما آراؤه فى التفسير فهى كآراء شيخه، تقوم على حرية واسعة فى الرأى واعتداد عظيم بالفهم، وثقة قوية بما عنده من العلم، وعدم تقيد ببعض المُسَلَّمات عند العلماء، ولهذا نجد له أفكاراً غريبة فى تفسير القرآن استقل ببعض منها، وقلَّد شيخه فى بعضها الآخر.
* *
* رأيه فى أصحاب الكبائر: فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [275] من سورة البقرة فى شأن المرابين: {وَمَنْ عَادَ فأولائك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .. نجده يخالف أهل السُّنَّة، ويؤكد أن صاحب الكبيرة التى فى درجه أكل الربا وقتل العمد إذا مات ولم يتب منها يخلد فى النار، ولا يخرج منها أبداً فيقول: "أى: ومَن عاد إلى ما كان يأكل من الربا المحرَّم بعد تحريمه، فأُولئك البُعداء عن الاتعاظ بموعظة ربهم، الذى لا ينهاهم إلا عما يضرهم فى أفرادهم أو جمعهم، هم أهل النار الذين يلازمونها كما يلازم الصاحب صاحبه، فيكونون فيها خالدين.
"وقد أوَّل الخلود المفسِّرون، لتتفق الآية مع المقرر فى العقائد والفقه من كون المعاصى لا توجب الخلود فى النار، فقال أكثرهم: إن المراد: ومَن عاد إلى تحليل الربا واستباحته اعتقاداً، ورده بعضهم بأن الكلام فى أكل الربا، وما ذُكِر عنهم من جعله كالبيع هو بيان لرأيهم قبل التحريم، فهو ليس بمعنى استباحة المحرَّم، فإذا كان الوعيد قاصراً على الاعتقاد بحلِّه لا يكون هناك وعيد على أكله بالفعل.
"والحق أن القرآن فوق ما كتب المتكلمون والفقهاء. يجب إرجاع كل قول فى الدين إليه، ولا يجوز تأويل شىء ليوافق كلام الناس، وما الوعيد بالخلود هنا إلا كالوعيد بالخلود فى آية قتل العمد، وليس هناك شبهة فى اللَّفظ على إرادة الاستحلال. ومن العجيب أن يجعل الرازى الآية هنا حُجَّة على القائلين بخلود مرتكب الكبيرة فى النار، انتصاراً لأصحابه الأشاعرة، وخير من هذا التأويل تأويل بعضهم الخلود بطول المكث، أما عنه فنقول: ما كل ما يسمى إيماناً يعصم صاحبه من الخلود فى النار، الإيمان إيمانان: إيمان لا يعدو التسليم الإجمالى بالدين الذى نشأ فيه المرء أو نُسِبَ إليه، ومجاراة أهله ولو بعدم معارضتهم فيما هم عليه. وإيمان هو عبارة عن معرفة صحيحة بالدين عن يقين بالإيمان، متمكنة فى العقل بالبرهان، مؤثرة فى النفس بمقتضى الإذعان، حاكمة على الإرادة المصرفة للجوارح فى الأعمال، بحيث يكون صاحبها خاضعاً لسلطانها فى كل حال، إلا ما لا يخلو عنه الإسنان من غلبه جهالة أو نسيان. وليس الربا من المعاصى التى تُنسى، أو تغلب النفس عليها خفة الجهالة والطيش كالحدة وثورة الشهوة، أو يقع صاحبها منها فى غمرة النسيان كالغيبة والنظرة، فهذا هو الإيمان الذى يعصم صاحبه بإذن الله من الخلود فى سخط الله، ولكنه لا يجتمع مع الإقدام على كبائر الإثم والفواحش عمداً، إيثاراً لحب المال واللَّذة، عن دين الله وما فيه من الحكم والمصالح. وأما الإيمان الأول: فهو صورى فقط، فلا قيمة له
عند الله تعالى، لأنه تعالى لا ينظر إلى الصور والأقوال، ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال، كما ورد فى الحديث، والشواهد على هذا الذى قررناه فى كتاب الله تعالى كثيرة جداً، وهو مذهب السَلَف الصالح، وإن جهله كثير ممن يَدَّعون اتباع السُّنَّة حتى جَرَّأوا الناس على هدم الدين، بناء على أن مدار السعادة على الاعتراف بالدين وإن لم يُعمل به، حتى صار الناس يتبجحون بارتكاب الموبقات، مع الاعتراف بأنها من كبائر ما حُرِّم، كما بلغنا عن بعض كبرائنا أنه قال: إننى لا أنكر أننى آكل الربا ولكننى مسلم أعترف بأنه حرام، وقد فاته أنه يلزمه بهذا القول الاعتراف بأنه من أهل هذا الوعيد، وبأنه
يرضى أن يكون محارباً لله ولرسوله، وظالماً لنفسه وللناس، كما سيأتى فى آية أخرى، فهل يعترف بالملزوم؟ أو ينكر الوعيد المنصوص فيؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض؟ نعوذ بالله من الخذلان".
* *
* تقليده لشيخه فى قصة آدم:
كذلك نجد صاحب المنار يُقلِّد شيخه فى موقفه من قصة آدم وإبليس وما يتعلق بها فيقول:
"وهذا التفصيل مبنى على كون الأمر بالسجود للتكليف، وأنه وقع حوار بين الرب سبحانه وبين إبليس. وأما على القول بأن الأمر للتكوين، وأن القصة بيان لغرائز البَشر والملائكة والشياطين، فالمعنى: أنه تعالى جعل ملائكة الأرض المدبرة بأمر الله وإذنه لأُمورها بالسنن التى عليها مدار نظامها كما قال: {فالمدبرات أَمْراً} [النازعات: 5] مُسَخَّرة لآدم وذُرِّيته، إذ خلق الله هذا النوع مستعداً للانتفاع بها كلها، بعلمه بسنن الله تعالى فيها، وبعلمه بمقتضى هذه السن كخواص الماء، والهواء، والكهرباء، والنور، والأرض: معادنها، ونباتها، وحيوانها، وإظهاره لحكم الله تعالى وآياته فيها، ومستعداً لاصطفاء الله بعض أفراده، واختصاصهم بوحيه ورسالته، وإقامة مَن اهتدى بهم لدينه وميزان شرعه، وقد أُشير إلى ذلك فى الآية [31] من سورة البقرة بقوله تعالى: {وَعَلَّمَءَادَمَ الأسمآء كُلَّهَا} ، إلا أنه جعل الشيطان عاتياً متمرداً على الإنسان، بل عدواً له، من حيث إن الإنسان بروحه وسط بين روح الملائكة المفطورين على طاعة الله وإقامة سُنته فى صلاح الخلق، وبين روح الجن الذى يغلب على شرارهم - وهم الشياطين - التمرد والعصيان. وقد أعطى الإنسان إرادة واختياراً من ربه فى ترجيح ما به يصعد إلى أُفق الملائكة، وما به يهبط إلى أُفق الشياطين".
* *
* تذرعه بالمجاز والتشبيه:
كذلك نجد صاحب المنار يصرف بعض ألفاظ القرآن عن ظواهرها، ويعدل بها إلى ناحية المجاز أو التشبيه، وذلك فيما يبدو مستبعداً ومستغرباً لو أُجرى على حقيقته، وهذا المسلك الذى جرى عليه الشيخ رشيد هو مسلك شيخه، ومسلك الزمخشرى وغيره من المعتزلة، الذين اتخذوا التشبيه والتمثيل سبيلاً للفرار من الحقائق التى يُصَرِّح بها القرآن، ولا تعجز عنها قدرة الله، وإن بعدت عن منال البَشر.
فمثلاً نجد صاحب المنار عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [47] من سورة النساء: {يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ}
…
الآية، نراه يستظهر أن المعنى المراد هنا هو:"آمِنُوا بما نَزَّلنا مصدِّقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوه مقاصدكم التى توجهتم إليها فى كيد الإسلام، ونردها خاسئة خاسرة إلى الوراء، بإظهار الإسلام ونصره عليكم، وفضيحتكم فيما تأتونه باسم الدين والعلم الذى جاء به الآنبياء، وقد كان لهم عند نزول الآية شىء من المكانة والمعرفة والقوة، فهذا ما نفسِّرها به، على جعل الطمس والرد على الأدبار معنويين".. ثم سرد بعض أقوال المفسِّرين فى هذه الآية، ثم بيَّن أن ما اختاره هو رأى شيخه الذى مال إليه فى دروسه.
* *
* رأيه فى السحر:
ثم إن صاحب المنار لا يرى السحر إلا ضرباً من التمويه والخداع، وليس له حقيقة كما يقول أهل السُّنَّة، وهو يوافق بهذا القول قول شيخه وقول المعتزلة من قبله، ولهذا نراه عندما فسَّر قوله تعالى فى الآية [7] من سورة الأنعام:{وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هاذآ إِلَاّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}
…
نجده يقول: "والآية تدل على أن السحر خداع باطل، وتخييل يرى ما لا حقيقة له فى صورة الحقائق".
هذا.. ولم يستطع الشيخ رشيد أن يرد حديث البخارى فى سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل شيخه، ولكنه تأوَّل الحديث على أنه كان من قبيل العقد عن النساء، وبيَّن أن عذر مَن طعن فى الحديث هو أن هشاماً - راوى الحديث عن أبيه عن عائشة - مطعون فيه من كثير من أئمة الجرح والتعديل.
* *
* رأيه فى الشياطين:
وهو يرى أن شياطين الجن لا تسلط لها على الإنسان إلا بالإغواء فقط، ويقول:"كل ما يدَّعيه بعض الدجَّالين من تسلط الشيطان، أو ملوك الجان على بعض الناس، وقدرتهم على نفعهم وضرهم، فهو كذب وحيل من شياطين الإنس وحدهم".
* *
* رأيه فى الجن:
كما يرى أن الجن لا تُرى للإنسان على أى حال من الأحوال، ويرجح أن مَن ادَّعى رؤية الجن فذلك وهم منه وتخيل، ولا حقيقة له فى الخارج، أو لعله رأى حيواناً غريباً كبعض القردة فظنه أحد أفراد الجن. يقول هذا ثم يعرض فى "الهامش" لذكر حديث أبى هريرة فيمن كان يسرق تمر الصدقة، وإخبار النبى له بأنه شيطان - وهو فى البخارى - ولغيره من الأحاديث التى تدل على أن الإنسان يرى الجنى ويبصره، ثم يقول بعد أن يفرغ من سرده للروايات:"والصواب أنه ليس فى هذه الروايات كلها حديث صحيح".
بل ونجده يزيد على ذلك فيجوِّز أن تكون ميكروبات الأمراض نوعاً من الجن. وذلك حيث يقول عندما تعرَّض لتفسير قوله تعالى فى الآية [275] من سورة البقرة: {الذين يَأْكُلُونَ الربا لَا يَقُومُونَ إِلَاّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس}
…
الآية: "
…
والمتكلمون يقولون: إن الجن أجسام حية خفية لا تُرى، وقد قلنا فى المنار غير مرة: إنه يصح أن يُقال إن الأجسام الحية الخفية التى عُرفت فى هذا العصر بواسطة النظارات المكبرة وتسمى بالميكروبات، يصح أن تكون نوعاً من الجن، وقد ثبت أنها علل لأكثر الأمراض".
* * *
* رأيه فى معجزات النبى صلى الله عليه وسلم:
ولقد نجد صاحب المنار يذهب فى معجزات النبى صلى الله عليه وسلم مذهباً بعيداً، فيقرر أنه لا معجزة للنبى صلى الله عليه وسلم غير القرآن الكريم وينكر بعض معجزاته الكونية، ويتأوَّل ما يشهد لها من آيات، ويجحد صحة ما يقوم بإثباتها من الأحاديث، وما يُسَلِّمه من بعض الآيات الكونية فهو فى نظره إكرام للنبى من ربه، وليس من قبيل المعجزة، أو الحُجَّة على صدق دعوته.
يذهب إلى هذا ويستدل له بمثل قوله تعالى فى الآية [59] من سورة
الإسراء: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلَاّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون}
…
الآية، وبمثل قوله عليه السلام من رواية أبى هريرة عند الشيخين وغيرهما:"ما من نبى من الأنبياء إلا أُعطى ما مثله آمن عليه البَشر، وإنما كان الذى أُوتيته وحياً أوحاه الله إلىَّ، فأرجو أن أكون اكثرهم تابعاً يوم القيامة".
ولكن صاحب المنار يستشعر معارضة بعض نصوص القرآن والحديث لما ساقه من أدلة على مُدَّعاه فيقول: "وقد يعارضه - يعنى الحديث السابق - آية انشقاق القمر مع ما ورد فى أحاديث الصحيحين وغيرهما من أن قريشاً سألوا النبى صلى الله عليه وسلم آية على نبوته فانشق القمر فكان فِرقتين، ولكن فى الأحاديث الواردة فى انشقاقه عللاً فى متنها وأسانيدها، وإشكالات علمية، وعقلية، وتاريخية، فصَّلناها فى المجلد الثلاثين من المنار، وبيَّنا أن ما تدل عليه الآيات القرآنية المؤيدة بحديث الصحيحين الصريح فى حصر معجزة نبوته صلى الله عليه وسلم فى القرآن وكون الآيات المقترحة تقتضى إجابة مقترحيها عذاب الاستئصال، هو الحق الذى لا ينهض لمعارضته شىء".
وإذا كان الشيخ رشيد قد تخلَّص هنا من معارضة الحديث بالطعن فيه، فإنه قد تخلَّص فى موضع آخر من معارضة الآية، حيث فسَّر انشقاق القمر بظهور الحُجَّة"!!
* *
* رأيه فى مسائل من الفقه:
كذلك نجد صاحب المنار يعطى نفسه حرية واسعة فى استنباط الأحكام من القرآن الكريم، مما جعله يخالف جمهور الفقهاء، ويسفههم فيما ذهبوا إليه، وإذا أردتَ مثالاً لذلك فارجع إلى ما كتبه على قوله تعالى فى الآية [180] من سورة البقرة:{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت إِن تَرَكَ خَيْراً الوصية لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين بالمعروف حَقّاً عَلَى المتقين} ، فستجد أنه لم يعبأ بما عليه جمهور العلماء من أهل السُّنَّة من أن حكم هذه الآية منسوخ، بصرف النظر عن كون الناسخ آية المواريث أو حديث:"لا وصية لوارث" الذى جنح الشافعى فى الأُم إلى أن متنه متواتر، فراح رحمه الله يؤكد بكل ما يملك من حُجَّة: أن حكم الوصية للوالدين والأقربين باق لم يُنسخ، كما راح يُفَنِّد كل دليل تمسَّك به الجمهور. ولا أُطيل بذكر ما قاله فى هذا الموضوع، ويكفى أن أقول لك: إنه أنهى البحث فى هذه المسألة بقوله: "وصفوة القول: أن الآية
غير منسوخة بآية المواريث، لأنها لا تعارضها، بل تؤيدها، ولا دليل على أنها بعدها، ولا بالحديث، لأنه لا يصلح لنسخ الكتاب، فهى محكمة، وحكمها باق، ولك أن تجعله خاصاً بمن لا يرث من الوالدين أو الأقربين كما روى عن بعض الصحابة، وأن تجعله على إطلاقه، ولا تكن من المجازفين الذين يخاطرون بدعوى النسخ فينبذ ما كتبه الله عليه بغير عذر، ولا سيما بعد ما أكده بقوله:{حَقّاً عَلَى المتقين} .
وإن أردت مثالاً آخر فارجع إلى ما ذهب إليه فى آية التيمم من سورة النساء، فسترى أنه يقرر: أن المسافر يجوز له التيمم ولو كان الماء بين يديه ولا عِلَّة تمنعه من استعماله إلا كونه مسافراً، ويخالف بذلك جماعة الفقهاء، ويحمل عليهم حملة شديدة فيما ذهبوا إليه من أن المسافر لا يجوز له التيمم مع وجود الماء، كما ينكر على مَن استشكل الآية من المفسِّرين، ويقول فيما يقول:"سيقول أدعياء العلم من المقلِّدين: نعم، إن الآية واضحة المعنى، كاملة البلاغة على الوجه الذى قررتم، ولكنها تقتضى عليه أن التيمم فى السفر جائز ولو مع وجود الماء. وهذا مخالف للمذاهب المعروفة عندنا، فكيف يعقل أن يخفى معناها هذا على أُولئك الفقهاء المحققين؟ وكيف يعقل أن يخلفوها من غير معارض لظاهر ما أرجعوها إليه؟. ولنا أن نقول لمثل هؤلاء - وإن كان المقلِّد لا يحتاج لأنه لا علم له -: وكيف يعقل أن يكون أبلغ الكلام وأسلمه من التكلف والضعف معضلاً مشكلاً؟ وأى الأمرين أولى بالترجيح؟ الطعن ببلاغة القرآن وبيانه.. لحمله على كلام الفقهاء؟ أو تجويز الخطأ على الفقهاء، لأنهم لم يأخذوا بما دل عليه ظاهر الآية من غير تكلف، وهو الموافق الملتئم مع غيره من رخص السفر التى فيها قصر الصلاة وجمعها، وإباحة الفطر فى رمضان، فهل يُستنكر مع هذا أن يُرَخَّص للمسافر فى ترك الغُسل والوضوء، وهما دون الصلاة والصيام فى نظر الدين".
إلى أن قال: "ألا إن من أعجب العجب، غفلة جماهير الفقهاء عن هذه الرُخصة الصريحة فى عبارة القرآن، التى هى أظهر وأولى من قصر الصلاة وترك الصيام، وأظهر فى رفع الحَرَج والعُسر الثابت بالنص وعليه مدار الأحكام
…
".
ثم قال: "وإذا ثبت أن التيمم رُخصة للمسافر بلا شرط ولا قيد، بطلت كل تلك التشديدات التى توسَّعوا فى بنائها على اشتراط فقد الماء، ومنها ما قالوا من وجوب طلبه فى السفر، وما وضعوه لذلك من الحدود كحد القرب وحد الغوث".
* *
* حملته على بعض المفسِّرين:
هذا.. ولا يفوتنا أن نقول: إن صاحب المنار كان كثير التوسع فيما يتعقب به أحياناً قدماء المفسِّرين، خصوصاً الفخر الرازى منهم، مع قسوة منه عليهم فى الكثير الغالب.
* *
* حملته على البدع والخرافات:
كما أنه كان كثير الاستطراد إلى تتبع بدع المسلمين والكشف عن عوارها والإرشاد إلى علاجها، مع تشدد وتعسف منه فى كثير من الأحيان.
* *
شرحه لمبهمات القرآن بما جاء فى التوراة والإنجيل:
كذلك لا يفوتنا أن نُنَبِّه على أن صاحب المنار كان مع شدة لومه على المفسِّرين الذين يزجون بالإسرائيليات فى تفاسيرهم، ويتخذون منها شروحاً لكتاب الله، يخوض هو أيضاً فيما هو من هذا القبيل ويتخذ منه شروحاً لكتاب الله، وذلك أنه كثيراً ما ينقل عن الكتاب المقدَّس أخباراً وآثاراً يُفسِّر بها بعض مبهمات القرآن، أو يرد بها على أقوال بعض المفسِّرين، وكان الأجدر بهذا المفسِّر الذى يشدد النكير على عشاق الإسرائيليات، أن يكف هو أيضاً عن النقل عن كتب أهل الكتاب، خصوصاً وهو يعترف أنه قد تطرَّق إليها التحريف والتبديل.
* *
* دفاعه عن الإسلام:
وأخيراً فلا يفوتنا أن الرجل قد دافع عن الإسلام والقرآن، وكشف عما أحاط بما من شكوك ومشاكل، وقد استعمل فى ذلك لسانه وقلمه، وضمَّنه مجلته وتفسيره، وتلك مزية للرجل يُحمد عليها. ولا ننسى ما له من أفكار جريئة ومتطرفة.
* * *