المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌الباب العاشرفقه النبوة والرسالة

- ‌1 - فقه الاصطفاء والاختيار

- ‌2 - فقه النبوة والرسالة

- ‌3 - حكمة تعدد بعث الرسل

- ‌4 - حكمة موت الرسل

- ‌5 - فقه الدعوة إلى الله

- ‌6 - فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌7 - فقه النصيحة

- ‌8 - فقه الهداية

- ‌9 - فقه الابتلاء

- ‌10 - فقه الشورى

- ‌11 - فقه الإنفاق في سبيل الله

- ‌12 - فقه الهجرة والنصرة

- ‌13 - فقه الجهاد في سبيل الله

- ‌14 - فقه النصر

- ‌15 - فقه الخلافة

- ‌الباب الحادي عشرفقه الأخلاق

- ‌1 - فقه الخُلق

- ‌2 - درجات الأخلاق

- ‌3 - تغيير الأخلاق

- ‌4 - فقه حسن الخلق

- ‌5 - فقه الأدب

- ‌6 - فقه مكارم الأخلاق

- ‌7 - فقه المروءة

- ‌8 - فقه الإيثار

- ‌9 - فقه الحكمة

- ‌10 - فقه العزة

- ‌11 - فقه المحبة

- ‌12 - فقه الرحمة

- ‌الباب الثاني عشرفقه الشريعة

- ‌1 - فقه الحق والباطل

- ‌2 - فقه العدل والظلم

- ‌3 - فقه الأمر والنهي

- ‌4 - فقه النفع والضر

- ‌5 - فقه الحلال والحرام

- ‌6 - فقه السنن والبدع

- ‌7 - فقه العبادات

- ‌1 - فقه الصلاة

- ‌2 - فقه الزكاة

- ‌3 - فقه الصيام

- ‌4 - فقه الحج

- ‌8 - فقه الذكر والدعاء

- ‌9 - فقه المعاملات

- ‌10 - فقه الحسنات والسيئات

الفصل: ‌14 - فقه النصر

‌14 - فقه النصر

قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)} [محمد: 7].

وقال الله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)} [غافر: 51].

الله تبارك وتعالى من سنته الجارية أن من آمن به، وامتثل أوامره، حسب ما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه ينصره ويؤيده ويعزه في الدنيا، ويرزقه الجنة في الآخرة.

ومن كفر به، ولم يستجب له، وكذب رسله، فإنه يخذله ويشقيه في الدنيا، وينساه كما نسيه، ويجعل معيشته ضنكاً، وله في الآخرة عذاب النار، كما قال سبحانه:{فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)} [آل عمران: 56، 57].

فإن قيل: إذا كان الحق يعلو .. فلم ينتصر الكفار على المسلمين، وتغلب القوة الحق؟.

فيقال: إنه لا يلزم أن تكون كل وسيلة من وسائل كل حق حقاً، كما لا يلزم أن تكون كل وسيلة من وسائل كل باطل باطلاً، فكل حق مغلوب لباطل مغلوب بوسيلته الباطلة لا مغلوب بذاته.

وثانياً: يجب أن تكون كل صفة من صفات المسلم مسلمة مثله، إلا أن هذا ليس أمراً واقعاً ولا دائماً، وكذا الكافر أو الفاسق لا يشترط أن تكون جميع صفاته كافرة أو فاسقة.

وصفة مسلم يتصف بها كافر تتغلب على صفة غير مشروعة لدى المسلم، وبهذه الوسيلة يتغلب الكافر على المسلم الذي يحمل صفة غير مشروعة.

وثالثاً: أن مطيع الأوامر الشرعية والعاصي لها يرى ثوابه وعقابه غالباً في الدار

ص: 2542

الآخرة، ومطيع السنن الكونية والعاصي لها غالباً ما يرى ثوابه وعقابه في دار الدنيا.

فكما أن ثواب الصبر النصر، فكذلك ثواب السعي الغنى، وكل حق أصبح وسيلة لباطل فسينتصر على باطل أصبح وسيلة لحق.

ورابعاً: أن الحق إذا كان مشوباً بشيء آخر أو مغشوشاً، فإن الله يسلط عليه الباطل مؤقتاً، حتى يصفو الحق نتيجة التدافع، ولتظهر مدى قيمة سبيكة الحق الثمينة جداً.

والله عز وجل يبتلي عباده المؤمنين أحياناً بغلبة عدوهم عليهم، وفي ذلك منافع وحكم عظيمة:

منها استخراج عبوديتهم لله، وذلهم له، فلو كانوا منصورين دائماً لبطروا وأشروا، ولو كانوا مغلوبين دائماً لما قامت للدين قائمة.

فاقتضت حكمة الله أن صرفهم بين الغلبة لهم وعليهم، فإذا غلب عليهم عدوهم تضرعوا إلى ربهم واستغفروه، وإذا غلبوه أقاموا شعائره ودينه، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر.

ومنها: أنهم لو كانوا منصورين دائماً لدخل معهم من ليس قصده الدين، ولو كانوا مغلوبين دائماً لم يدخل معهم أحد.

فاقتضت حكمة العليم الخبير أن تكون لهم الدولة تارة، وعليهم تارة؛ ليتميز بذلك من يريد الله ورسوله، ومن يريد الدنيا والجاه.

ومنها: أن الله سبحانه يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، ولكل حالة عبودية، فكما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد، فكذلك لا تستقيم القلوب إلا بالسراء والضراء.

والله بذلك يمحصهم ويخلصهم ويهذبهم، ويتخذ منهم شهداء، ويعلم المؤمنين من الكافرين، والصادقين من الكاذبين: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)

ص: 2543

وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)} [آل عمران: 140 - 142].

وبمقدار التضحية للدين تكون نصرة الله، فلو كان لدينا ماء في مكان عال وفتحناه على الآخر، فإنه يملأ الخزان في ساعة، أما لو فتحناه قليلاً فيعبئ الخزان في يومين، فليس الخلل في حجم الخزان، إنما في مقدار الفتحة.

وهكذا ولله المثل الأعلى نصرة الله تنزل بمقدار التضحية، فالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ضحوا بخمسة أشياء:

بأموالهم .. وأنفسهم .. وأوقاتهم .. وشهواتهم .. وديارهم.

ومع ذلك لم تنزل عليهم نصرة الله إلا بعد خمس عشرة سنة، ونحن الآن نضحي قليلاً ونطلب النصرة كالصحابة، بل نطلبها فوراً.

فإذا أردنا الخزان يمتلئ نزيد الفتحة قليلاً.

وهكذا إذا أردنا الإسلام ينتشر نضحي قليلاً بالنفس والمال والوقت، وإذا أردنا أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم تظهر في العالم نضحي بكل ما نملك، وإذا أردنا الصفات والأخلاق العالية تنتشر نضحي كما ضحى الأنبياء والصحابة من أجل إعلاء كلمة الله:

عبادة بإخلاص .. ودعوة باللسان .. وجهاد بالسنان .. ورحمة وشفقة على الخلق .. واستغفار وبكاء .. وتضحية بالأنفس والأموال .. والأوقات والشهوات، والمناصب والديار .. مع الاستقامة على أوامر الله، والدعاء والبكاء.

وموسى صلى الله عليه وسلم لما رأى أحوال فرعون، وشدة بطشه وإسرافه، وشدة أذاه لبني إسرائيل، أمره الله أن يصلح نفسه ومن معه بامتثال أوامر الله، والاستقامة عليها، ثم تأتي النصرة من الله بعد ذلك، كما قال سبحانه:{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)} [يونس: 87].

ص: 2544

فلما رأى موسى القسوة والإعراض من فرعون وملئه دعا عليهم، وأمَّن هارون:{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88)} [يونس: 88].

فأجاب الله دعوتهما، وأمرهما بالاستقامة على الدين، والاستمرار في الدعوة كما قال سبحانه:{قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89)} [يونس: 89].

وإذا اجتمع في المؤمنين المجاهدين في سبيل الله سبع صفات، حصل لهم النصر، وإن قلوا وكثر عدوهم، وهذه الصفات هي:

الثبات .. ذكر الله .. طاعة الله ورسوله .. عدم الاختلاف والتنازع .. الصبر .. التواضع .. الإخلاص .. دعوة الناس إلى سبيل الله، وإعلاء كلمة الله، كما قال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)} [الأنفال: 45 - 47].

فهذه سبع صفات يحصل بها النصر، ومتى فُقدت أو فُقد بعضها زال من النصر بحسب ما نقص منها.

وإذا اجتمعت قَوَّى بعضها بعضاً، وصار لها أثر عظيم في النصر كما حصل في غزوة بدر وغيرها.

ولما اجتمعت هذه الصفات في الصحابة رضي الله عنهم لم تقم لهم أمة من الأمم، وفتحوا الدنيا، ودانت لهم البلاد والعباد.

ولما تفرقت فيمن بعدهم وضعفت، وضعف الإيمان، آل الأمر إلى ما آل من الذلة والهوان، فنسأله المغفرة، والله المستعان، وعليه التكلان.

فهذه عوامل النصر على الأعداء إلى يوم القيامة.

ص: 2545

فأما الثبات عند لقاء العدو فهو بدء الطريق إلى النصر، فأثبت الفريقين أغلبهما، وما يدري الذين آمنوا أن عدوهم يعاني أشد مما يعانون، فلا مدد له من رجاء في الله يثبت أقدامه وقلبه، وأنهم لو ثبتوا لحظة أخرى فسينخذل عدوهم وينهار.

فلا يليق بالمؤمنين أن يفروا وقد وعدهم الله إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة كما قال سبحانه: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52)} [التوبة: 52].

فالثبات في ميدان القتال أمام الكفار فيه نصرة لدين الله، وقوة لقلوب المؤمنين، وإرهاب للكافرين، والفرار من غير عذر من أكبر الكبائر يوجب غضب الله، ودخول النار، لما فيه من خذلان الدين، وتقوية قلوب الكافرين، وإحباط نفوس المؤمنين، ولهذا حذر الله منه بقوله:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)} [الأنفال: 15، 16].

وأما ذكر الله كثيراً عند لقاء الأعداء، فهو التوجيه الدائم للمؤمن، وهو يؤدي وظائف شتى في ميدان الجهاد، إنه الاتصال بالقوي الذي لا يُغلب، والقدير الذي لا يعجزه شيء، والثقة بالناصر الذي ينصر أولياءه.

وهو في الوقت ذاته استحضار لحقيقة المعركة وبواعثها، فهي معركة لله لتقرير ألوهية الله، وتحطيم الطواغيت المغتصبة لهذه الألوهية، فهي معركة لتكون كلمة الله هي العليا، لا للسيطرة، ولا للمغنم، ولا للاستعلاء الشخصي أو القومي، وأما طاعة الله ورسوله فلكي يدخل المؤمنون المعركة مستسلمين لله ابتداء، فتبطل أسباب النزاع التي أعقبت الأمر بالطاعة.

فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه، وإلا حين يكون الهوى هو الذي يوجه الآراء والأفكار.

ص: 2546

فإذا استسلم الناس لله ورسوله سلموا من أعداء الله ورسوله، وإذا عصى الناس الله ورسوله صلى الله عليه وسلم نزلت بهم الهزيمة، وحلت بهم العقوبة.

فالطاعة من أقوى أسلحة النصر على الأعداء، وهي طاعة قلبية عميقة سببها الإيمان بالله، والغيرة لدينه، لا مجرد الطاعة القسرية في الجيوش التي لا تجاهد لله.

ولما كانت الطاعة لله ورسوله تامة في بدر نصر الله المؤمنين وخذل أعداءهم، ولما نقصت الطاعة في أُحد وعصى الرماة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ارتفعت النصرة، ونزل بالمسلمين ما نزل، فالنصر نزل في أول القتال، ثم لما حصل من بعض المسلمين ما حصل ارتفعت النصرة كما قال سبحانه:{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)} [آل عمران: 152].

وأما الصبر فهو الصفة التي لا بدَّ منها لخوض المعركة مع العدو الداخلي والعدو الخارجي، في ميدان النفس وفي ميدان القتال، كما قال سبحانه:{وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)} [الأنفال: 46].

وهذه المعية من الله، هي الضمان للصابرين بالفوز والفلاح.

أما الخروج للقتال بطراً ورئاء الناس فقد خرجت به قريش، بفخرها وكبريائها تحاد الله ورسوله في بدر، فعادت في آخر اليوم بالذل والخيبة، والانكسار والهزيمة، فنهى الله المؤمنين أن يخرجوا كذلك بقوله:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)} [الأنفال: 47].

أما المؤمنون فيخرجون للجهاد في سبيل الله متواضعين لله، مخلصين أعمالهم له وحده، متوكلين عليه وحده .. لتقرير ألوهية الله سبحانه في حياة البشر ..

ص: 2547

وتقرير عبودية العباد لله وحده .. وتحطيم الطواغيت التي تغتصب حق الله .. وتستعبد الناس .. وتحرير كل إنسان من العبودية لغير الله .. وحماية حرمات الناس وكراماتهم وحرياتهم.

فهذه مقاصد الإسلام من خروج المسلمين للجهاد في سبيل الله، لا يخرجون للاستعلاء على العباد واستعبادهم، والتبطر بنعمة القوة، باستخدامها هذا الاستخدام المنكر، والفخر والكبر والخيلاء.

فليس للإسلام هدف من النصر إلا تحقيق طاعة الله ورسوله .. وإقامة منهج الله في الحياة .. وإعلاء كلمته في الأرض .. ورفع الظلم عن الخلق .. واقتلاع جذور الفساد في الأرض كما قال سبحانه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)} [البقرة: 193].

إن بروز قوة الإسلام ليستهوي قلوباً كثيرة تصد عن الإسلام الضعيف، أو الإسلام المجهول القوة والنفوذ.

وإن الدعوة إلى الإسلام لتسير بقوة في الأرض حين تكون الأمة المسلمة بادية القوة، مرهوبة الجانب، عزيزة الجناب.

على أن الله سبحانه وهو يرى الجماعة المسلمة لم يكن يعدها وهي في مكة قلة قليلة مستضعفة مطاردة إلا وعداً واحداً وهو الجنة، ولم يكن يأمرها إلا أمراً واحداً وهو الصبر.

فلما أن صبرت وطلبت الجنة وحدها دون الغلب آتاها الله النصر والعزة والغلب والتمكين في الدنيا مع الجنة في الآخرة كما قال سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)} [الفتح: 29].

وقد وعد الله عباده المؤمنين أنه متى استقرت حقيقة الإيمان في نفوسهم، وتمثلت في واقع حياتهم عبادة لله في جميع أحوالهم، منهجاً للحياة، ونظاماً للحكم، وتجرداً لله في كل خاطرة وحركة، فسيجعل الله لهم العز والنصر والتمكين، ويدفع عنهم تسلط الكفار، فسنته سبحانه نصر أوليائه، وخذلان

ص: 2548

أعدائه، ودفع الباطل بالحق فإذا هو زاهق:{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)} [النساء: 141].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإنَّمَا أنَا قَاسِمٌ وَاللهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أمْرِ اللهِ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أمْرُ اللهِ» متفق عليه (1).

ولا تلحق الهزيمة بالمؤمنين إلا وهناك ثغرة في حقيقة الإيمان، إما في الشعور، وإما في العمل، ومن الإيمان أخذ العدة، وإعداد القوة في كل حين، بنية الجهاد في سبيل الله.

ومن حقيقة الإيمان ألا نركن إلى الأعداء، وألا نطلب العزة إلا من الله، فالإيمان صلة بالله القوي العزيز، والكفر انقطاع عن تلك القوة، وانعزال عنها.

ولن تستطيع قوة محدودة مقطوعة أن تغلب قوة موصولة بمن يملك بقوته هذا الكون جميعاً.

والفرق بين حقيقة الإيمان ومظهر الإيمان:

أن حقيقة الإيمان قوة حقيقية ثابتة ذات أثر في النفس، وفيما يصدر عنها من القول والعمل، وهي كفيلة حين تواجه حقيقة الكفر المقطوعة عن الله أن تقهرها، ولكن حين يتحول الإيمان إلى مظهر، فإن حقيقة الكفر تغلبه إذا هي صدقت مع طبيعتها، وعملت في مجالها؛ لأن حقيقة أي شيء أقوى من مظهر أي شيء.

إن انتصار المسلمين قد يرد بعض المشركين إلى الإيمان، ويفتح بصيرتهم على الهدى، حين يرون المسلمين ينصرون، ويرون أن قوةً غير قوة البشر تؤيدهم، ويرون آثار الإيمان في مواقفهم، وهذا ما حصل ويحصل فعلاً.

وعندئذ ينال المجاهدون أجر جهادهم، وأجر هداية الضالين بأيديهم، وينال

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (71)، واللفظ له، ومسلم برقم (1037).

ص: 2549

الإسلام قوة جديدة تضاف إلى قوته، بهؤلاء المهتدين التائبين:{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)} [التوبة: 14، 15].

والله جل جلاله كتب النصر لأوليائه إذا توفرت فيهم شروط النصر، ولكن قد يبتلى أهل الحق، وينجو أهل الباطل، وقد تكون للباطل صولة تكون فتنة لقلوب المؤمنين، وهزة لمعرفة مقدار إيمانهم.

وقد وقع بالفعل في غزوة أُحد، حتى قال المسلمون: أنى هذا؟ .. أي فما وجه هذا؟ فقال سبحانه: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166)} [آل عمران: 165، 166].

إن ذهاب الباطل ناجياً في معركة من المعارك .. وبقاءه منتفشاً فترة من الزمان .. ليس معناه أن الله تاركه .. أو أنه من القوة بحيث لا يغلب .. أو بحيث يضر الحق ضرراً باقياً قاضياً.

وإن ذهاب الحق مبتلى في معركة من المعارك .. وبقاءه ضعيف الحول فترة من الزمان .. ليس معناه أن الله مجافيه أو ناسيه .. أو أنه متروك للباطل يقتله ويرديه .. كلا.

إنما هي حكمة وتدبير من العزيز الحكيم، يملي للباطل ليمضي إلى نهاية الطريق، وليرتكب أبشع الآثام، وليحمل أثقل الأوزار، ولينال أشد العذاب باستحقاق.

ويبتلى الحق ليميز الخبيث من الطيب، ويعظم الأجر لمن يمضي مع الابتلاء ويثبت .. وينقي الصف من المنافقين المندسين.

وهؤلاء الكفار كان الإيمان في متناول أيديهم، وكان مبذولاً لهم فباعوه واشتروا به الكفر على علم وعن بينة.

ص: 2550

ومن هنا استحقوا أن يتركهم الله يسارعون في الكفر ليستنفدوا رصيدهم كله، ولا يستبقوا لهم حظاً من ثواب الآخرة:{وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176)} [آل عمران: 176].

فالله ناصر دينه، ومؤيد أهله، ومنفذ أمره من دونهم، فلا تبال بهم، ولا تحفل بهم، وهم إنما يضرون أنفسهم بفوات الإيمان في الدنيا، وحصول العذاب الأليم في الآخرة، ومن هوانهم على الله وسقوطهم من عينه، لم يجعل لهم حظاً في الدنيا بالإيمان، ولا حظاً في الآخرة بالثواب، فخذلهم ولم يوفقهم لِمَا وفق إليه أولياءه؛ لعلمه بأنهم غير زاكين على الهدى، ولا قابلين للرشاد.

والذين اختاروا الكفر على الإيمان لن يضروا الله شيئاً، وإنما يضرون أنفسهم، والله غني عنهم، وقد قيض لدينه من عباده الأبرار الأزكياء سواهم، وأعد له ممن ارتضاه لنصرته من الرجال الصادقين:{إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177)} [آل عمران: 177].

والعيون قد ترى أعداء الله وأعداء الحق متروكين لا يأخذهم العذاب، ممتعين في ظاهر الأمر بالقوة والسلطة، والمال والجاه، مما يوقع الفتنة في قلوب هؤلاء .. وقلوب الناس من حولهم، مما يجعل ضعاف الإيمان يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، يحسبون أن الله سبحانه يرضى عن الشر والباطل فيملي له، ويرخي له العنان، أو يحسبون أن الباطل حق، وإلا فلم تركه الله ينمو ويكبر ويغلب؟.

أو يحسبون أن من شأن الباطل أن يغلب على الحق في هذه الأرض بقوته، وليس هناك من قوة تغلبه.

وهذا وَهْمٌ باطل، وظنٌّ بالله غير الحق، والأمر ليس كذلك قطعاً، فإنه إذا كان الله لا يأخذهم بكفرهم الذي يسارعون فيه، وإذا كان الله يعطيهم حظاً في الدنيا يستمتعون به ويلهون فيه، إذا كان الله يأخذهم بهذا الابتلاء فإنما هي الفتنة ..

ص: 2551

وإنما هو الكيد المتين .. وإنما هو الاستدراج البعيد: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178)} [آل عمران: 178].

ولو كانوا يستحقون أن يخرجهم الله من غمرة النعمة بالابتلاء الموقظ لابتلاهم، ولكنه لا يريد بهم خيراً لخبث نفوسهم، فاشتروا الكفر بالإيمان، وسارعوا في الكفر واجتهدوا فيه، وقدموا بأعمالهم السيئة إلى مساكنهم في النار.

ولقد نصر الله رسله وأتباعهم وخذل أعداءهم، واستقرت جذور العقيدة في الأرض، وقام بناء الإيمان وظهر نوره في العالم على الرغم من جميع العوائق، وعلى الرغم من تكذيب المكذبين، وعلى الرغم من التنكيل بالدعاة والمجاهدين:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)} [التوبة: 33].

ولقد ذهبت عقائد الكفار والمشركين، وذهبت سطوتهم ودولتهم، وبقيت العقيدة التي جاء بها الرسل تسيطر على قلوب الناس وعقولهم.

وما تزال على الرغم من كل شيء هي أظهر وأبقى، وأحسن وأنقى ما يسيطر على البشر في أنحاء الأرض.

وكل المحاولات التي بذلت لمحو الإسلام الذي جاء به الرسل، وتغليب فكر غيره عليه، وكل كيد، وكل مكر، قد باء كل ذلك بالفشل، سواء في دار الإسلام، أو في الأرض التي نبع منها، وحقت كلمة الله لعباده المؤمنين بالنصر والتمكين، ولدينه بالبقاء:{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)} [الصافات: 171 - 173].

هذا بصفة عامة .. وهي كذلك متحققة في كل دعوة، يخلص فيها الجند، ويتجرد لها الدعاة.

إن هذه العقيدة غالبة منصورة مهما وضعت في سبيلها العوائق، ومهما قامت في طريقها العراقيل، ومهما رصد لها الباطل من قوى الحديد والنار، وقوى الدعاية

ص: 2552

والافتراء، وقوى الحرب والمقاومة.

وإنْ هي إلا معارك تختلف نتائجها، ثم تنتهي إلى الوعد الذي وعده الله رسله، والذي لا يخلف ولو قامت قوى الأرض كلها في طريقه.

إنه الوعد بالنصر والغلبة والتمكين للمؤمنين، هذا الوعد سنة من سنن الله الكونية، سنة ماضية كما تمضي هذه الكواكب والنجوم في دورتها المنتظمة.

وكما يتعاقب الليل والنهار في الأرض على مدار الزمان .. وكما تنبثق الحياة في الأرض الميتة التي ينزل عليها الماء، ولكنها مرهونة بتقدير الله، يحققها حين يشاء، وقد تبطئ ولكنها لا تخلَّف أبداً، وقد تتحقق في صورة لا يدركها البشر.

وقد يُهزم جند الله في معركة من المعارك، وتدور عليهم الدائرة؛ لأن الله يعدهم لنصر في معركة أكبر، ليؤدي النصر ثماره في مجال أوسع، والله حكيم عليم.

إن الإيمان كنز عظيم، وجوهر ثمين، إذا استقر في القلوب واستنارت به نشطت للعبادة، وهانت عليها التضحية.

فإذا اكتملت حقيقة الإيمان في نفوس الذين لا يملكون قوة سواها، فإن الإيمان يستعلن في وجه الطغيان، لا يخشاه ولا يرجوه ولا يرهب وعيده، ولا يرغب في شيء مما في يده.

فإذا قال الطغيان: {فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71)} [طه: 71].

قال الإيمان: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73)} [طه: 72، 73].

والله مع المؤمنين ضد أعدائهم، فهو الناصر، وهو الحفيظ.

فالكفار لما: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68)} [الأنبياء: 68].

فماذا فعل الله به، وبهم، وبالنار؟.

{قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71)} [الأنبياء: 69 - 71].

ص: 2553

وما ذنب الرسل والدعاة إلى الله حتى يخرجهم الكفار من ديارهم؟.

أو يكرهوهم على اتباع ملتهم؟.

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [إبراهيم: 13].

فماذا قال الله لرسله؟، وماذا فعل بأعدائه؟.

{فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14)} [إبراهيم: 13، 14].

وعندما بلغت المعركة بين الإيمان والطغيان في عالم القلب إلى هذا الحد العالي، تولت يد القدرة راية الحق لترفعها عالية، وتنكس راية الباطل بلا جهد من أهل الإيمان، فلم يتكلف أصحاب الإيمان سوى اتباع الحق، والسري ليلاً:{وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79)} [طه: 77 - 79].

ذلك أن القوتين لم تكونا متكافئتين ولا متقاربتين في عالم الواقع، موسى وقومه ضعاف مجردون من القوة، وفرعون وجنوده يملكون القوة المادية كلها، فلا سبيل إلى خوض معركة مادية أصلاً.

هنا تولت يد القدرة إدارة المعركة، فأنجى الله موسى وقومه، وأغرق فرعون وجنوده بأمر واحد، وبماء واحد، في آن واحد، ولكن تم ذلك بعد كمال الإيمان في القلب.

وحين كان بنو إسرائيل يؤدون ضريبة الذل لفرعون وهو يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم، لم تنزل عليهم نصرة الله؛ لنقضهم عهد الله.

ولكن لما استعلن الإيمان في قلوب الذين آمنوا بموسى، واستعدوا لاحتمال التعذيب جهروا بكلمة الإيمان في وجه فرعون دون تحرج، ودون اتقاء للتعذيب، أيدهم الله بنصره، وأعلن النصر الذي تم قبل ذلك في الأرواح

ص: 2554

والقلوب كما قال سبحانه: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68)} [الشعراء: 61 - 68].

إنه بكمال الإيمان يكون كمال النصر، فليرتقب الدعاة النصر من الله بهذا الإيمان، ولو كانوا مجردين من عدة الأرض، والطغاة يملكون المال والجند والسلاح:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)} [الروم: 47].

والنصر قد يبطئ على المؤمنين أحياناً؛ لأن بُنْيَة الأمة المؤمنة لم تنضج بعد نضجها المطلوب، ولم يتم بعدُ تمامها وكمالها، ولم تحشد بعدُ طاقتها، فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكاً؛ لعدم قدرتها على حمايته طويلاً.

وقد يبطئ النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة، وآخر ما تملكه من رصيد، فلا تستبقي عزيزاً ولا غالياً لا تبذله هيناً رخيصاً في سبيل الله.

وقد يبطئ النصر حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها، فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من الله لا تكفل النصر، بل إنما ينزل النصر بعد بذل كل الطاقة، وتفويض الأمر كله إلى الله.

وقد يبطئ النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله، وقد يبطئ النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته، فهي تقاتل لمغنم تحققه .. أو حمية لذاتها .. أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها .. والله يريد أن يكون الجهاد له وحده، وفي سبيله.

وقد يبطئ النصر لأن في الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير، يريد الله أن يجرد الشر منها ليتمحض خالصاً، ويذهب وحده هالكاً.

وقد يبطئ النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيغه للناس

ص: 2555

تماماً، ولم يقتنعوا بعدُ بفساده، وضرورة زواله، فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة.

فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى ينكشف عارياً للناس، ويذهب غير مأسوف عليه من أحد.

وقد يبطئ النصر لأن البيئة لا تصلح بعدُ لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة، فلو انتصرت للقيت معارضة من البيئة لا يستقر لها معها قرار، فيظل الصراع قائماً حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر ولاستبقائه.

من أجل هذا كله ومن أجل غيره مما يعلمه الله قد يبطئ النصر، فتتضاعف التضحيات، وتتضاعف الآلام، مع دفاع الله عن الذين آمنوا، وتحقيق النصر لهم في النهاية، فهم أهل دينه، وحماة شريعته، والمجاهدون لإعلاء كلمته:{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)} [الحج: 40، 41].

وقد دعا نوح صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإسلام، ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فكذبوه وما آمن معه إلا قليل، ولما لم يجد منفذاً إلى تلك القلوب الجامدة المتحجرة، وسخروا منه وآذوه، وأوحي إليه أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، عندئذ توجه بالدعاء إلى ربه وحده، يشكو إليه ما لقيه من تكذيب:{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15)} [القمر: 9 - 15].

إنه عندما يتجمد الأحياء على هذا النحو، وتقسوا قلوبهم إلى هذا الحد، وتهم الحياة بالحركة إلى الأمام في طريق الكمال المرسوم فتجدهم عقبة في الطريق،

ص: 2556

عندئذ إما أن تتحطم هذه المتحجرات، وإما أن تدعها الحياة في مكانها وتمضي، والأمر الأول هو الذي حدث لقوم نوح.

ذلك أنهم كانوا في فجر البشرية، وفي أول الطريق، فشاءت إرادة الله أن تطيح بهم من أول الطريق:{فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27)} [المؤمنون: 27].

وهكذا شاءت إرادة الله، ومضت سنة الله في تطهير الطريق من العقبات المتحجرة، لتمضي الحياة في طريقها المرسوم، وأراد الله أن يكون العلاج هو الطوفان الذي يجتث كل شيء، ويجرف كل شيء، ويغسل التربة، لتعاد بذرة الحياة السليمة من جديد، وجعل الله الفلك وسيلة للنجاة من الطوفان، وحفظ بذور الحياة السليمة كيما يعاد بذرها من جديد.

وقد شاء الله عز وجل أن يصنع نوح الفلك بيده؛ لأنه لا بد للإنسان من الأخذ بالأسباب والوسائل، وبذل آخر ما في طوقه ليستحق المدد من ربه، فالمدد والنصر لا يأتي القاعدين المسترخين، الذين ينتظرون ولا يزيدون على الانتظار والأماني.

وجعل الله لنوح علامة للبدء بعملية التطهير الشاملة لوجه الأرض من هؤلاء، وهي خروج الماء من التنور، ليسارع نوح فيحمل في السفينة بذور الحياة من كلٍ زوجين اثنين من أنواع الحيوان والطيور والنبات، وأهله إلا من سبق عليه القول منهم، وهم الذين كفروا وكذبوا، فاستحقوا كلمة الله وسنته النافذة، وهي إهلاك المكذبين بآيات الله بالغرق الذي ابتلعهم.

وأمر الله نوحاً ألا يجادل في أمر واحد، ولا يحاول إنقاذ أحد، فسنة الله ماضية لا تحابي أحداً، ولا تنحرف عن طريقها من أجل خاطر ولي ولا قريب.

وتنفيذاً لما طلبه نوح صلى الله عليه وسلم من ربه جاء أمر الله بإغراق المكذبين ونصر المؤمنين: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ

ص: 2557

الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77)} [الأنبياء: 76، 77].

وإنها لنعمة كبرى أن ينصر الله أولياءه ويخذل أعداءه، فأمر الله نوحاً أن يشكر ربه على هذه النعمة، وأن يستهديه لسلوك الصراط المستقيم كما قال سبحانه:{فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28)} [المؤمنون: 28].

وابتلاء الله لعباده أنواع وألوان:

ابتلاء للصبر .. وابتلاء للشكر .. وابتلاء للأجر .. وابتلاء للتوجيه .. وابتلاء للتأديب .. وابتلاء للتمحيص .. وابتلاء للتقويم.

وفي قصة نوح صلى الله عليه وسلم ألوان من الابتلاء له ولقومه ولأبنائه القادمين.

وسنة الله أن الشر حين يتمحض يحمل سبب هلاكه في ذاته، والبغي حين يتمرد لا يحتاج إلى من يدفعه من البشر.

فحين بغى فرعون على بني إسرائيل، واستطال بجبروت الحكم والسلطان، وحين بغى قارون عليهم، واستطال بجبروت العلم والمال، فكانت النهاية واحدة.

هذا خسف الله به وبداره الأرض، وذلك أخذه اليم هو وجنوده، فلما لم تكن هناك قوة تعارضها من قوى الأرض الظاهرة فحينذاك نصر الله أولياءه مباشرة فوضع حداً للبغي والفساد، حينما عجز الناس عن الوقوف للبغي والفساد.

فدل هذا على أنه حين يتمحض الشر ويسفر الفساد، ويقف الخير عاجزاً حسيراً ويخشى من الفتنة بالبأس والفتنة بالمال، عندئذ تنزل نصرة الله صريحة متحدية بلا ستار من الخلق، ولا سبب من قوى الأرض، لتضع حداً للشر والفساد، وتضرب الظلم والطغيان والبغي ضربة مباشرة عندما يعجز عن ضربها البشر، وتنصر المستضعفين الذين لا حول لهم ولا قوة، وتمكن للمعذبين الذين لا حيلة لهم ولا وقاية: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ

ص: 2558

كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39)} [الحج: 38، 39].

إن هذا ما يجب أن يعلمه كل مجاهد في سبيل الله وكل داع إليه، وهو ما تجهله الكثرة المشركة الباغية الطاغية.

ففرعون طغى: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40)} [القصص: 39، 40].

أما قارون فقد جاء أمر الله مباشرة في إهلاكه، فخسف الله به وبداره الأرض، ولم يغن عنه ماله ولا علمه، كما أغرق الله فرعون، فألقاه في اليم هو وجنوده:{فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81)} [القصص: 81].

وهكذا انتهى سلطان العلم والمال مع البغي والبطر والاستكبار بالبوار، كما انتهى سلطان الحكم والجبروت والعلو في الأرض.

هذا ابتلعه الماء، وذلك ابتلعته الأرض، وأُتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين، فبعداً لقوم لا يؤمنون.

فأخذ الله كل أمة من الأمم المكذبة بذنبها، وعاقبها على قدر جرمها كما قال سبحانه:{فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)} [العنكبوت: 40].

وما كان وما ينبغي وما يليق بالله تعالى أن يظلم أحداً؛ لكمال عدله، وغناه التام عن جميع الخلق، ولكن هؤلاء ظلموا أنفسهم فمنعوها حقها التي خلقها الله من أجله، فهي مخلوقة لعبادة الله وحده، وهؤلاء وضعوها في غير موضعها، وأشغلوها بالشهوات والمعاصي عن الإيمان والطاعات، فضروها أعظم الضرر من حيث ظنوا أنهم ينفعونها.

ص: 2559

فهذه نصرة الله لأوليائه حين يتمحض الشر، ويقف الخير عاجزاً.

أما حين يقف الإيمان القوي في وجه الطغيان الباغي فإن الله جل جلاله ينصر أهل الإيمان، ويخذل أهل الطغيان، ويظهر قدرته، ولكن تحت ستار من الخلق كما قال سبحانه:{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14)} [التوبة: 14].

وقال سبحانه: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)} [الأنفال: 17].

إن في هذا الكون إله واحد لا شريك له وهو الله وحده .. وفيه قوة واحدة هي قوة الله وحده .. وفيه قيمة واحدة للإنسان هي قيمة الإيمان بالله.

فمن كان الله وحده هو إلهه ومعبوده فهو أسعد الناس في الدنيا والآخرة، ومن كانت قوة الله معه فلا خوف عليه ولو كان مجرداً من كل مظاهر القوة، ومن كانت قوة الله عليه فلا أمن له ولا طمأنينة ولو ساندته جميع القوى في الكون كله.

فمن كانت له قيمة الإيمان فله الخير كله، ومن فقد هذه القيمة فليس بنافعه شيء أصلاً.

ومن هنا تقعد قيمة الحكم والسلطان عن قيمة الإيمان والأعمال الصالحة، كما تقعد قيمة العلم والمال عن قيمة الإيمان والأعمال الصالحة:{أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20)} [السجدة: 18 - 20].

وقد جعل الله سبحانه انتصار الحق سنة كونية كخلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، سنة لا تتخلف، قد تبطئ لحكمة يعلمها الله، وقد تأتي في موعدها حسب سنة الله.

ص: 2560

والله تبارك وتعالى هو القوي العزيز وحده، وقوة الرب هي القوة، وما عداها من قوة الخلق فهو هزيل واهن، من تعلق به أو احتمى به خذله الله به، فهو كالعنكبوت الضعيفة تحتمي ببيت من خيوط واهنة واهية، فهي وما تحتمي به سواء كما قال سبحانه:{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)} [العنكبوت: 41].

إنه لا بدَّ للبشر من معرفة حقيقة القوى في هذا الوجود، ليعرف الناس أين يتوجهون؟، وعلى من يتوكلون؟، ومن يعبدون؟.

فلا تخدعهم قوة الحكم والسلطان، ويحسبونها القوة القادرة التي تعمل في هذه الأرض، فيتوجهون إليها، ويخشونها ويفزعون منها، ويترضونها ليكفوا عن أنفسهم أذاها، أو يضمنوا لأنفسهم حماها.

ولا تخدعهم قوة المال، فيحسبونها القوة المسيطرة على أقدار الناس، وأقدار الحياة، فيسعون للحصول عليها، ليستطيلوا بها، ويتسلطوا على الرقاب كما يحسبون، ولا تخدعهم قوة العلم الإنساني، فيحسبونها أصل القوة، وأصل سائر القوى التي يصول ويجول بها من يملكها.

فلا تخدعهم هذه القوى الظاهرة، سواء كانت في أيدي الأفراد أو الجماعات أو الدول، فيدورون حولها ويتهافتون عليها كما يتهافت الفراش على النار.

إن المؤمن لا بدَّ أن يعلم أن القوة الوحيدة التي تخلق سائر القوى الصغيرة والكبيرة، وتملكها وتوجهها، وتسخرها حيثما تريد كما تريد، إنما هي قوة الله وحده:{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66)} [هود: 66].

ولا بدَّ كذلك أن يتيقن المؤمن أن الالتجاء إلى تلك القوى مهما كانت كالتجاء العنكبوت إلى بيت العنكبوت.

فالعنكبوت حشرة ضعيفة رخوة واهنة، لا حماية لها من تكوينها الرخو، ولا وقاية لها من بيتها الواهن، وليس هناك إلا حماية الله، وإلا ركنه القوي، فهو

ص: 2561

سبحانه القوي، وكل قوة في العالم العلوي والعالم السفلي من قوته.

وبهذه الحقيقة الإيمانية العظمى، والتي رسخت في قلب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم كانت بها أقوى من جميع القوى التي وقفت في طريقها، وداست بها على كبرياء الجبابرة والطغاة في الأرض، ودكت بها المعاقل والحصون.

لقد استقرت هذه الحقيقة في كل نفس، وعمرت كل قلب مؤمن، قوة الله وحدها هي القوة، وولاية الله وحدها هي الولاية، وما عداها فهو واهن ضئيل هزيل مهما علا واستطال، ومهما تجبر وطغى، ومهما ملك من وسائل البطش والطغيان والتنكيل والإرهاب، إنها أضعف من العنكبوت وبيتها الواهن:{وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ} [العنكبوت: 41].

وإن المؤمنين عامة، والعلماء والدعاة والمجاهدين خاصة، الذين يتعرضون في كل وقت للفتنة والأذى، وللإغراء والإغواء، لجديرون أن يقفوا أمام هذه الحقيقة الضخمة، ولا ينسوها لحظة وهم يواجهون القوى المختلفة من بين أيديهم ومن خلفهم:

هذه تضربهم وتحاول أن تسحقهم .. وهذه تستهويهم وتحاول أن تشتريهم، وكلها خيوط العنكبوت في حساب الله، والقوة كلها لله جميعاً:{وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)} [البقرة: 165].

والمؤمن دائماً يسأل ربه ألا يجعله فتنة للكفار، ويسأله مغفرة ذنوبه كما قال خليل الرحمن:{رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5)} [الممتحنة: 5].

أي لا تسلط الكفار علينا فيكون في ذلك فتنة لهم، إذ يقولون لو كان الإيمان يحمي أهله ما سلطنا عليهم وقهرناهم، وفتنة لنا بتسلطهم علينا.

وهي شبهة كثيراً ما تحيك في الصدور حين يتمكن الباطل من الحق، ويتسلط الطغاة على أهل الإيمان لحكمة يعلمها الله في فترة من الفترات.

ص: 2562

والمؤمن يصبر للابتلاء، ولكن هذا لا يمنعه أن يدعو الله ألا يصيبه البلاء الذي يجعله فتنة وشبهة تحيك في الصدور.

ثم يقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم: واغفر لنا، إدراكاً منه لمستوى العبادة التي يستحقها منه ربه، وعجزه ببشريته عن بلوغ المستوى الذي يكافئ به نعم الله وآلاءه، ويمجد جلاله وكبرياءه، فيطلب المغفرة من ربه، ليكون في شعوره وفي طلبه أسوة لمن معه، ولمن يأتي بعده:{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الممتحنة: 4].

والله سبحانه يطمئن رسله وأولياءه أنه سبحانه سيتولى حرب هؤلاء الكفار، ويحذر أعداءه وهم كالهباءة المنثورة التي لا تعني شيئاً أمام جبروت الجبار العظيم القهار قائلاً:{فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)} [القلم: 44، 45].

إن الجبار القهار يكشف عن خطة الحرب مع هذا المخلوق المعاند الهزيل، الضعيف الصغير.

فالله سبحانه يملي لهؤلاء المغترين بالمال والبنين والجاه والسلطان، ويجعل هذه النعمة فخهم.

فهذه سنة الله في الحرب بينه وبين أعدائه المخدوعين، فهو سبحانه يستدرجهم إلى العقوبة، ويمهلهم ويكيد لهم بما شاء.

وبهذا وذلك يخلي الله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأتباعه من المعركة بين الإيمان والكفر، وبين الحق والباطل، فهي معركته سبحانه، وهي حربه مع أعدائه التي يتولاها بذاته وتدبيره.

والأمر كذلك في حقيقته مهما بدا أن للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين دوراً في هذه الحرب أصلاً، إن دورهم حين ييسره الله لهم هو طرف من قدر الله في حربه مع أعدائه.

فهم أداة يفعل الله بها أو لا يفعل، وهو في الحالين فعال لما يريد، وهو في الحالين يتولى المعركة بذاته وفق سنته التي يريد، فنعم المولى ونعم النصير.

ص: 2563

وهذا النص نزل والنبي صلى الله عليه وسلم في مكة والمؤمنون معه قلة لا تقدر على شيء، فكانت فيه الطمأنينة للمستضعفين، والفزع والخوف للمغترين بالقوة والجاه، والمال والبنين.

ثم تغيرت الأحوال والأوضاع في المدينة، وشاء الله أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين دور ظاهر في المعركة.

ولكنه سبحانه هنالك أكد لهم كذلك ذلك القول الذي قاله لهم، وهم في مكة قلة مستضعفون.

فقال لهم وهم منتصرون في بدر: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)} [الأنفال: 17].

وقال بعد أن أمدهم بالملائكة في بدر: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)} [آل عمران: 126].

وذلك كله ليقر في قلوب المؤمنين هذه الحقيقة، حقيقة أن المعركة معركته سبحانه، وأنه حين يجعل للمؤمنين فيها دوراً، فإنما ذلك ليبليهم منه بلاء حسناً، وليكتب لهم بهذا البلاء أجراً.

أما حقيقة الحرب فهو سبحانه الذي يتولاها، وأما حقيقة النصر فهو الذي يكتبه، وهو سبحانه يجريها بهم وبدونهم، وهم حين يخوضونها أداة لقدرته، ليست هي الأداة الوحيدة في يده.

وهذه حقيقة تسكب الطمأنينة في قلب المؤمن في حالتي قوته وضعفه على السواء، ما دام يخلص قلبه لله، ويتوكل في جهاده على الله.

فقوته ليست هي التي تنصره في معركة الإيمان والكفر، والحق والباطل، إنما هو الله الذي يكفل له النصر بعد قيام العبد بأسبابه التي أمره الله بها.

وضعف العبد لا يهزمه كذلك؛ لأن قوة الله من ورائه، وهي التي تتولى المعركة، وتكفل له النصر، ولكن الله يملي ويستدرج، ويقدر الأمور في مواقيتها وفق

ص: 2564

مشيئته وحكمته، ووفق عدله ورحمته.

كما أنها حقيقة تفزع قلب العبد الكافر وتخيفه سواء كان المؤمن أمامه في حالة ضعف أم في حالة قوة، فليس المؤمن هو الذي ينازله ويحاربه، إنما هو الله الذي يتولى المعركة بقوته وجبروته.

فما هذا البائس المتعوس، وما هذه الهباءة المنثورة أمام قدرة الله وجبروته؟.

إن الله يملي له ويستدرجه من حيث لا يعلم، فهو في الفخ الرهيب المفزع المخيف، ولو كان في أوج قوته وعدته، فهذه القوة هي ذاتها الفخ، وهذه العدة هي ذاتها المصيدة:{فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)} [القلم: 44، 45].

أما متى يكون النصر؟ .. ومتى تتوفر أسبابه؟ .. فذلك في علم الله المكنون.

فعلينا الدعاء، وعلى الله الإجابة .. وعلينا الجهاد، وعلى الله النصر .. وعلينا العمل، وعلى الله الأجر .. وعلينا الدعوة، وعلى الله الهداية.

{ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4)} [الجمعة: 4].

وأمام هذه الحقيقة يوجهنا الله إلى الصبر والتقوى، الصبر على الدعوة، والصبر على الجهاد، والصبر على أوامر الله، والصبر على أقدار الله، والصبر عن معاصي الله، والصبر على التواءات النفوس، والصبر على الأذى والتكذيب .. والصبر على السخرية والاستهزاء.

الصبر في هذا كله حتى يحكم الله في الوقت المقدر كما يريد، فيحصل للمؤمنين الفوز والفلاح:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)} [آل عمران: 200].

وقد وعد الله المؤمنين إذا نصروا الله بالقيام بدينه والدعوة إليه وجهاد أعدائه أن ينصرهم على عدوهم ويثبت أقدامهم كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)} [محمد: 7 - 9].

ص: 2565

فعلى المؤمنين بالله أن يقوموا بنصرة دينه، وإعلاء كلمته، والدعوة إليه، وجهاد من عانده ونابذه بالأنفس والأموال كما قال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)} [الصف: 14].

فيا أمة محمد صلى الله عليه وسلم كونوا أنصار الله، ودعاة دينه، ينصركم على عدوكم كما نصر من قبلكم، ويظهركم على عدوكم كما أظهر من كان قبلكم.

إن جميع الأنبياء دعوا أممهم إلى ثلاثة أشياء:

التوحيد .. والإخلاص .. والنصيحة.

وضحوا بكل ما يملكون من أجل الدين تضحية كاملة، فالاستقامة الكاملة والتضحية الكاملة معها نصرة كاملة من الله، وذلك خاص بالأنبياء وأتباعهم من المؤمنين، وهي سنة جارية لا تتبدل.

فنصرة الله دائماً إلى يوم القيامة لأهل الإيمان والتقوى، سواء كان نبياً أو خليفة أو من سائر الناس، فرداً أو جماعة أو أمة.

وبعد بذل كل شيء، وكمال الاستقامة، وكمال التضحية، الله يفصل بأمرين:

نصر أوليائه المؤمنين .. وخذلان أعدائه الكافرين.

فنوح صلى الله عليه وسلم دعا قومه إلى التوحيد، وإخلاص العبادة لله، ونصحهم بطاعة الله ورسوله، فلما لم يستجيبوا ولم يؤمنوا جاء أمر الله بنجاة المؤمنين، وإهلاك الكافرين كما قال سبحانه:{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)} [هود: 40].

وهود صلى الله عليه وسلم دعا قومه عاداً كذلك، ولما لم يستجيبوا له جاء أمر الله بإهلاكهم كما قال سبحانه: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ

ص: 2566

عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)} [هود: 58 - 60].

وصالح صلى الله عليه وسلم دعا قومه إلى الله، ولما لم يستجيبوا له أهلكهم الله كما قال سبحانه:{فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67)} [هود: 66، 67].

وإبراهيم صلى الله عليه وسلم دعا قومه إلى الله فأبوا وأشعلوا النار لإحراقه فأنجاه الله من النار، وجعلها برداً وسلاماً عليه كما قال سبحانه:{قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71)} [الأنبياء: 68 - 71].

ولوط صلى الله عليه وسلم دعا قومه إلى الله، ولما لم يستجيبوا رفع الله ديارهم إلى السماء وقلبها عليهم كما قال سبحانه:{فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)} [هود: 82، 83].

وشعيب صلى الله عليه وسلم قال لقومه: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84)} [هود: 84].

ولما لم يستجيبوا له وسخروا منه نزل بهم أمر الله كما قال سبحانه: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)} [هود: 94، 95].

وموسى صلى الله عليه وسلم دعا فرعون وملأه إلى الله، ولما لم يستجب أغرقه الله وقومه في البحر كما قال سبحانه: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ

ص: 2567

فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66)} [الشعراء: 61 - 66].

وعيسى صلى الله عليه وسلم دعا بني إسرائيل إلى الله والاستقامة على الدين، فلما لم يستجيبوا له أظهر الله من آمن به على من خالفه كما قال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)} [الصف: 14].

ومحمد صلى الله عليه وسلم دعا قومه قريشاً إلى الله فلم يؤمن منهم إلا القليل، ولما أعرضوا عنه وسبوه، ثم آذوه وأرادوا قتله حفظه الله وهاجر إلى المدينة فأعز الله دينه ورسوله والمؤمنين، ثم أظهره الله على جميع أعدائه ودخل مكة فاتحاً معه المهاجرون والأنصار، ودخل الناس في دين الله أفواجاً كما قال سبحانه:{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)} [النصر: 1 - 3].

ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم وانشغل الناس بموته، ومن يكون خليفة بعده، وقف جهد الدعوة فنقص الدين، وحصلت في الإسلام خمس مصائب:

اشرأب النفاق .. ومنع قوم الزكاة .. وترك قوم الصلاة .. وارتد كثير من قبائل العرب .. واجتمع الأعداء لغزو المدينة.

ونزل بأبي بكر الصديق رضي الله عنه ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها.

ولكن لكمال إيمانه ويقينه على ربه وكمال تضحيته ثبته الله، فوقف لهذه الفتن العظام موقف المؤمن الواثق من نصر الله.

فأمر الخليفة أبو بكر رضي الله عنه بإنفاذ جيش أسامة رضي الله عنه، على الرغم من مخالفته الأحوال الظاهرة.

وأمر جميع الصحابة رضي الله عنهم أن يخرجوا لحرب المرتدين ومانعي الزكاة، وإقناعهم بالرجوع إلى دينهم، فخرجوا جميعاً ولم يبق في المدينة إلا

ص: 2568

الأطفال، والنساء، وأمهات المؤمنين.

إن حراسة أمهات المؤمنين مهمة، لكن حفظ الدين من النقصان أهم وأعظم.

وشرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه لجهاد المرتدين فعقد الألوية، وجهز الجيوش إلى كل ناحية، وخرج الصحابة لإكمال ما نقص من الدين بسبب الردة، وبعد ثلاثة أشهر تم القضاء على هذه الفتن، ورجع الناس إلى الدين عابدين لله، ممتثلين لأوامره، مجاهدين في سبيل الله، وبعد توبتهم ورجوعهم إلى حظيرة الإسلام جاءت في نفوسهم الرغبة في الجهاد في سبيل الله؛ تكفيراً لما سلف منهم من المعاصي، فأرسلهم أبو بكر فوراً لفتح العراق والشام، فسارعوا لامتثال أمره، وكانت في صحائفهم مع بقية الصحابة جميع فتوحات العراق والشام وخراسان والسند وغيرها من بلاد ما وراء النهر.

فبسبب تضحية أبي بكر رضي الله عنه وكمال إيمانه أكمل الله به ما نقص من الدين، ورد به المرتدين إلى المؤمنين، وجعلهم من المجاهدين في سبيل الله.

وهكذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لكمال إيمانه وتقواه، وكمال تضحيته فتح الله به الفتوح، ومَصَّر الأمصار، وجعله سبباً للهداية وإقامة العدل.

وهكذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله بسبب استقامته، وصدق تضحيته، ورغبته في أن يطاع الله، أصلح الله به أحوال الأمة، فعم الأمن في البلاد، واستقام الناس، واستغنى الفقراء والأغنياء، وامتلأت الخزائن بالأموال من صدقة وزكاة حتى لم يجد من يأخذها.

بل أصلح الله به ما بين السباع والبهائم، وتمت النصرة الكاملة مع التضحية الكاملة مع أن حكمه كان سنتين تقريباً، فلما مات تغيرت أحوال الأمة، وعدت السباع على البهائم.

وكل رجل ذو همة يحيي الله به أمة.

والإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ضحى بنفسه من أجل الدين، وإحياء السنة، فحفظه الله، ونشر به السنة، وقمع البدعة.

ص: 2569

وهكذا الغلام الذي تعلم الإيمان على يد الراهب، ثم ضحى بنفسه من أجل الدين تضحية كاملة، فجعله الله سبباً لهداية الناس، وترك دين الملك الضال، وبكمال تضحية من آمن به وأطاعه أزال الله الباطل وأحق الحق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ، فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلامًا أعَلِّمْهُ السِّحْرَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلامًا يُعَلِّمُهُ، فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ، إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلامَهُ، فَأعْجَبَهُ، فَكَانَ إِذَا أتَى السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَّاهِبِ وَقَعَدَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ: حَبَسَنِي أهْلِي، وَإِذَا خَشِيتَ أهْلَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أعْلَمُ آلسَّاحِرُ أفْضَلُ أمِ الرَّاهِبُ أفْضَلُ؟ فَأخَذَ حَجَرًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ! إِنْ كَانَ أمْرُ الرَّاهِبِ أحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ، حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا، وَمَضَى النَّاسُ، فَأتَى الرَّاهِبَ فَأخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أيْ بُنَيَّ، أنْتَ الْيَوْمَ أفْضَلُ مِنِّي، قَدْ بَلَغَ مِنْ أمْرِكَ مَا أرَى، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّ عَلَيَّ، وَكَانَ الْغُلامُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الأدْوَاءِ، فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ، فَأتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَاهُنَا لَكَ أجْمَعُ، إِنْ أنْتَ شَفَيْتَنِي، فَقَالَ: إِنِّي لا أشْفِي أحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ، فَإِنْ أنْتَ آمَنْتَ بِاللهِ دَعَوْتُ اللهَ فَشَفَاكَ، فَآمَنَ بِاللهِ، فَشَفَاهُ اللهُ، فَأتَى الْمَلِكَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ، فَأخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلامِ، فَجِيءَ بِالْغُلامِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أيْ بُنَيَّ! قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ، فَقَالَ: إِنِّي لا أشْفِي أحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ، فَأخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ، فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأبَى، فَدَعَا بِالْمِئْشَارِ، فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ،

ص: 2570

فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأبَى، فَوَضَعَ

الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلامِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأبَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإِلا فَاطْرَحُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ! اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَسَقَطُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللهُ، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ، فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلا فَاقْذِفُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ! اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللهُ، فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللهِ، رَبِّ الْغُلامِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، رَبِّ الْغُلامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ، فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، فَأتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أرَأيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَدْ وَاللهِ! نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ فَأمَرَ بِالأخْدُودِ فِي أفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وَأضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأحْمُوهُ فِيهَا، أوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلامُ: يَا أمَّهِ اصْبِرِي، فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ» أخرجه مسلم (1).

فحتى تحصل الأمة على النصرة والعزة لا بدَّ من التضحية الكاملة لتحصل النصرة للأمة، والهداية للبشرية.

(1) أخرجه مسلم برقم (3005).

ص: 2571

والشيء الذي لا يكمل لا يثمر، والذي لا يثمر لا خير فيه، فالشجرة لا تثمر إلا بعد كمالها، والبنت لا تنكح وهي بنت سنتين.

فإذا كمل إيمان العبد كانت معه نصرة الله.

والعابد والقاعد قد يُقتل من قِبَل الكفار، ولكن الداعي لا يُقتل حتى يُجري الله على يديه شيئاً يبقى بعده كما آمن الناس بعد مقتل الغلام، فهو وإن مات فصحائفه تملأ بحسنات هؤلاء.

ونصرة الله تكون لمن نصر الله كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)} [محمد: 7].

والمؤمنون ينصرون الله بأمرين:

الأول: أن تتجرد نفوسهم لله وحده، فلا تشرك به شيئاً ظاهراً أو خفياً، وأن يكون الله أحب إليها من ذاتها ومن كل ما تحب وتهوى، وأن تحكمه في رغباتها وشهواتها، وحركاتها وسكناتها، وسرها وعلانيتها فهذا نصر الله في ذوات النفوس.

الثاني: أن لله عز وجل شريعة ومنهاجاً للحياة، ونصر الله يتحقق بنصر شريعته ومنهاجه، وتحكيم أمره في كل شيء.

فهذا نصر الله في واقع الحياة.

وغزوة أحد لم تكن معركة في الميدان وحده، وإنما كانت كذلك معركة في ميدان النفس البشرية.

والمعارك الحربية في الإسلام ليست معركة أسلحة وخيل ورجال فحسب، فتلك معركة جزئية، إنما المعركة الكبرى في عالم القلب، عالم الإيمان، عالم السلوك، عالم الأخلاق، لتتعلق القلوب والنفوس بالله وحده، وتتلقى منه ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، وتُؤْثر طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وما يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على كل شيء مهما كان.

والنفوس لا تنتصر في المعارك الحربية إلا حين تنتصر في المعارك الشعورية

ص: 2572

والأخلاقية، وتُؤْثر طاعة ربها على كل ما سواه.

والذين تولوا يوم التقى الجمعان في أُحد إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا من الذنوب، والذين انتصروا في معارك العقيدة مع الأنبياء هم الذين بدؤوا المعركة بالدعاء والاستغفار من الذنوب، وصدق اللجوء إلى الله وطاعته فتلك عُدَّة النصر.

وقدر الله وراء أفعال البشر، ففي غزوة أحد نصر الله المؤمنين في البداية، وما أن ضعف المسلمون وتنازعوا وعصوا وانصرفوا لجمع الغنائم إلا وصرف الله قوتهم وبأسهم وانتباههم عن المشركين، وصرف الرماة عن ثغرة الجبل، وصرف المقاتلين عن الميدان فلاذوا بالفرار، ووقع كل هذا مرتباً على ما صدر منهم كما قال سبحانه:{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)} [آل عمران: 152].

وما حدث لهم مدبَّر من الله ليبتليهم لتمحيص النفوس، وتمييز الصفوف فصرفهم عنهم ليبتليهم، ولقد عفا الله عن المؤمنين لضعفهم وعدم إصرارهم على الخطيئة، وحسن نيتهم، وثباتهم على دينهم، والله ذو فضل على المؤمنين.

والصحابة رضي الله عنهم وإن كانوا خير أمة أخرجت للناس إلا أنهم بشر فيهم الضعف والنقص، ولذلك حصل منهم ما حصل في أُُحد؛ لأنهم في دور التربية والتكوين، وفي أوائل الطريق، ولكنهم جادون في أخذ هذا الأمر، مسلمون أمرهم لله مولاهم.

ومن ثم رحمهم الله وعفا عنهم ولم يطردهم، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعفو عنهم ويستغفر لهم، ويشاورهم في الأمر؛ تربية لهم.

فعاد إليهم الإيمان في اليوم الثاني، وخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد

ص: 2573

متعقبين كفار مكة فزادهم إيماناً كما قال سبحانه: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)} [آل عمران: 172 - 174].

ولما كبروا واكتملت تربيتهم تغيرت معاملتهم، وحوسبوا كما يحاسب الرجال الكبار كما في مؤاخذة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم للنفر الثلاثة المتخلفين عن غزوة تبوك، فالقوم في أُحد غير القوم في تبوك، حيث بلغت فيهم التربية شأواً بعيداً.

وهم مع ذلك فيهم الضعف والنقص والخطأ والنسيان، ولكن كان فيهم دائماً الاستغفار والتوبة والرجوع إلى الله.

والله عز وجل في مواطن التربية والابتلاء لا يعد المؤمنين بالنصر في الدنيا .. ولا يعدهم بقهر الأعداء .. ولا يعدهم بالتمكين في الأرض، ولا يعدهم بشيء من الأشياء في هذه الحياة، إنما يعدهم شيئاً واحداً هو الجنة كما قال سبحانه:{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111].

وهذا هو الأصل في الدعوة، التجرد المطلق من كل هدف، ومن كل غاية، ومن كل مطمع، فهذه العقيدة عطاء ووفاء وأداء فقط، وبلا مقابل من أعراض هذه الأرض.

ثم يقع النصر والتمكين والعزة والغنائم، ولكن كل هذا ليس داخلاً في البيعة، ليس في الصفقة مقابل في هذه الدنيا، ليس فيها إلا الأداء والوفاء والعطاء والابتلاء.

على هذا كانت البيعة والدعوة مطاردة في مكة، وعلى هذا كان البيع والشراء، وعلى هذا يسير الدعاة إلى الله إلى يوم القيامة.

فإذا كانت قلوب المؤمنين متوجهة إلى الله .. وأجسادهم مزينة بسنن رسول الله

ص: 2574

- صلى الله عليه وسلم .. وفعلوا ما أمروا به من الأسباب .. جاءتهم نصرة الله الغيبية.

فالصحابة رضي الله عنهم في بدر نصرهم الله مع أنهم قلة أذلة، لا أسباب معهم تذكر؛ لأن قلوبهم متوجهة إلى الله بكمال الإيمان والتقوى.

وفي حنين مع كثرتهم هزمهم الله وسلط عليهم الأعداء؛ لأن قلوب بعضهم متوجهة إلى الأسباب حين أُعجبوا بكثرتهم .. ففي بدر اتباع كامل للدين، فجاء النصر كاملاً، وفي حنين اتباع ناقص، وبسببه ارتفعت النصرة، ثم جاء الاتباع، ثم جاء النصر كاملاً.

كما قال سبحانه: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26)} [التوبة: 25، 26].

والنصر له أسباب .. والهزيمة لها أسباب .. والعزة لها أسباب .. والذلة لها أسباب .. والنجاة لها أسباب .. والهلاك له أسباب.

فالنصر الكامل .. والعزة الكاملة .. والنجاة الكاملة .. تكون بالإيمان الكامل .. والاتباع الكامل .. والتضحية الكاملة كما قال سبحانه: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)} [الحج: 40، 41].

ومدار ذلك كله على الصبر واليقين.

والصبر منصور أبداً، فإن كان صاحبه محقاً كان منصوراً له العاقبة، وإن كان مبطلاً لم يكن له عاقبة.

وإذا قام العبد في الحق لله، ولكن قام بنفسه وقوته ولم يقم بالله مستعيناً به متوكلاً عليه مفوضاً إليه، بريئاً من الحول والقوة إلا به، فله من الخذلان وضعف

ص: 2575

النصرة بحسب ما قام به من ذلك.

فتجريد التوحيد، وصدق اليقين، وكمال الصبر، إذا مَنَّ الله بها على عبده فلا يقوم له شيء البتة، وهو مؤيد منصور ولو توالت عليه زمر الأعداء؛ لأن الله معه، وقد تكفل بنصره، والتمكين له، ومن قام لله حتى أوذي في الله فعليه الصبر ولا ينبغي له الانتقام كما قال لقمان لابنه:{يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)} [لقمان: 17].

اللهم انصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك، وعبادك المؤمنين.

اللهم .. {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147)} [آل عمران: 147].

ص: 2576