الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
7 - فقه النصيحة
قال الله تعالى عن نوح صلى الله عليه وسلم: {قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62)} [الأعراف: 61، 62].
وقال الله تعالى عن هود صلى الله عليه وسلم: {قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68)} [الأعراف: 67، 68].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» متفق عليه (1).
الواجب على المسلمين كافة التعاون على البر والتقوى، وأن ينصح بعضهم بعضاً؛ لأنهم كالجسد الواحد، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً.
والنصيحة التي ينبغي لكل مسلم أن يؤديها خمسة أنواع:
فالنصيحة إما أن تكون لله .. أو لكتابه .. أو لرسوله .. أو لأئمة المسلمين .. أو لعامتهم .. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» . قُلْنَا: لِمَنْ؟ قال: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» أخرجه مسلم (2).
فالنصيحة لله: هي وصف الله جل جلاله بما هو أهله، والخضوع له ظاهراً وباطناً، والرغبة في محابه بفعل الطاعات، والرهبة من مساخطه بترك المعاصي، وبذل الجهد في رد العاصين إليه، وتقديم حقه على حق غيره.
والنصيحة لكتابه: الإيمان بأن القرآن كلام الله لا يقدر على مثله أحد، وتعظيمه، وتلاوته حق تلاوته، والتصديق بما فيه، وحفظ حدوده، والعمل بموجبه، ونشر علومه، والدفاع عنه، والدعوة إليه.
والنصيحة لرسوله: تكون بالتصديق برسالته، والإيمان بجميع ما جاء به،
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (6011)، ومسلم برقم (2586)، واللفظ له.
(2)
أخرجه مسلم برقم (55).
وطاعته في أمره ونهيه، ونصرته حياً وميتاً، وإعظام حقه، وتوقيره، وإحياء سنته، وبعث دعوته، ونشر شريعته، ومعاداة من عاداه، وموالاة من والاه، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبته ومحبة أهل بيته وأصحابه، والدفاع عن سنته.
والنصيحة لأئمة المسلمين: تكون بمعاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وأمرهم به، وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف بما نسوه، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم ما لم يفعلوا كفراً بواحاً، وتأليف قلوب الناس لطاعتهم في غير معصية الله، والصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يدعى لهم بالصلاح، وهذا بناء على أن المراد بالأئمة الخلفاء.
وإن فسر الأئمة بالعلماء، فتكون النصيحة لهم بقبول ما رووه، وتقليدهم في الأحكام، وإحسان الظن بهم، ونصحهم فيما أخطأوا فيه، فلا نؤثم ولا نعصم، وتوقيرهم وإكرامهم، والتأدب في حسن التلقي عنهم.
والنصيحة لعامة المسلمين: تكون بإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكف الأذى عنهم، وستر عوراتهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، والرفق بهم، والشفقة عليهم، والرحمة لهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتعليمهم أمور دينهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة، والإحسان إليهم، وعدم غشهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير، ويكره لهم ما يكره لنفسه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» متفق عليه (1).
والنصيحة إنما تكون لمن في قلبه بعض حياة يحس بها، فهو مريض غافل أو مغفول عنه.
فأما من مات قلبه وعظمت فتنته فقد سد على نفسه طريق النصيحة: {وَمَنْ يُرِدِ
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (13)، واللفظ له، ومسلم برقم (45).
اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)}} [المائدة: 41].
والنصيحة حق وواجب للمسلم على المسلم لما فيها من الخير والبركات.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» . قِيلَ: مَا هُنَّ؟ يَا رَسُولَ اللهِ! قال: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» أخرجه مسلم (1).
والنصيحة تكون من الفرد إلى الفرد، ومن الفرد إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الفرد، ومن الراعي للرعية، ومن الرعية للراعي، ومن الأعلى إلى الأدنى، ومن الأدنى إلى الأعلى، ومن نبي لقومه كما سبق، ومن نبي إلى نبي كما نصح موسى أخاه هارون:{وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)} [الأعراف: 142].
وموسى صلى الله عليه وسلم يعلم أن هارون نبي مرسل من ربه معه، ولكن المسلم للمسلم ناصح، وقد تلقى هارون النصيحة، ولم تثقل على نفسه، فالنصيحة إنما تثقل على نفوس الأشرار؛ لأنها تقيدهم بما يريدون أن ينطلقوا منه، وتثقل على نفوس المتكبرين الصغار، الذين يحسون في النصيحة تنقصاً لأقدارهم.
إن الصغير حقاً هو الذي يبعد عنه يدك التي تمتد لتسانده ليظهر أنه كبير.
إن تمكين منهج الله ليسود في الأرض ليس بمجرد الوعظ والإرشاد والبيان فقط، بل هذا شطر.
والشطر الآخر القيام بسلطة الأمر والنهي، لتحقيق المعروف، ونفي المنكر من حياة البشرية كما قال سبحانه:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)} [آل عمران: 104].
والنصيحة هي الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهي عما فيه الفساد، وإخلاص
(1) أخرجه مسلم برقم (2162).
المحبة للغير بإظهار ما فيه صلاحه، وأنصح الناس لك من خاف الله فيك.
وأول النصح أن ينصح الإنسان نفسه بحملها على طاعة الله واجتناب معصيته، ومن غش نفسه فقلما ينصح غيره.
وحق على من استنصح أن يبذل غاية النصح وإن كان في ذلك شيء يضره، فلا يترك المعلوم للمظنون والله حافظه كما قال سبحانه:{وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20)} [القصص: 20].
والتواصي بالحق والصبر واجب على كل مسلم ومسلمة، فصلاح أمر المسلم بالإيمان والعمل الصالح، وصلاح أمر الأمة كلها بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر، ويتم ذلك بأداء الطاعات وترك المحرمات، وتحمل البلايا والأذى في كل حال، وهذا سبيل الفلاح والنجاة كما قال سبحانه:{وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [العصر: 1 - 3].
ويجب على الأمة عامة، وعلى حملة الكتاب والسنة خاصة، نصح الأمة فيما ينفعها وتحذيرها مما يضرها، فإن الكتاب لا ينطق حتى ينطق به، والسنة لا تعمل حتى يعمل بها، ولا يليق بالعاقل أن يقول ما لا يفعل.
ولا ينبغي للطبيب أن يداوي المرضى بما يبرئهم ويمرضه، فإنه إذا مرض اشتغل بمرضه عن مداواتهم، ولكن ينبغي أن يلتمس لنفسه الصحة ليقوى بها على علاج المرضى، وخير الناس أنفعهم للناس:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)} [الصف: 2، 3].