المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌الباب العاشرفقه النبوة والرسالة

- ‌1 - فقه الاصطفاء والاختيار

- ‌2 - فقه النبوة والرسالة

- ‌3 - حكمة تعدد بعث الرسل

- ‌4 - حكمة موت الرسل

- ‌5 - فقه الدعوة إلى الله

- ‌6 - فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌7 - فقه النصيحة

- ‌8 - فقه الهداية

- ‌9 - فقه الابتلاء

- ‌10 - فقه الشورى

- ‌11 - فقه الإنفاق في سبيل الله

- ‌12 - فقه الهجرة والنصرة

- ‌13 - فقه الجهاد في سبيل الله

- ‌14 - فقه النصر

- ‌15 - فقه الخلافة

- ‌الباب الحادي عشرفقه الأخلاق

- ‌1 - فقه الخُلق

- ‌2 - درجات الأخلاق

- ‌3 - تغيير الأخلاق

- ‌4 - فقه حسن الخلق

- ‌5 - فقه الأدب

- ‌6 - فقه مكارم الأخلاق

- ‌7 - فقه المروءة

- ‌8 - فقه الإيثار

- ‌9 - فقه الحكمة

- ‌10 - فقه العزة

- ‌11 - فقه المحبة

- ‌12 - فقه الرحمة

- ‌الباب الثاني عشرفقه الشريعة

- ‌1 - فقه الحق والباطل

- ‌2 - فقه العدل والظلم

- ‌3 - فقه الأمر والنهي

- ‌4 - فقه النفع والضر

- ‌5 - فقه الحلال والحرام

- ‌6 - فقه السنن والبدع

- ‌7 - فقه العبادات

- ‌1 - فقه الصلاة

- ‌2 - فقه الزكاة

- ‌3 - فقه الصيام

- ‌4 - فقه الحج

- ‌8 - فقه الذكر والدعاء

- ‌9 - فقه المعاملات

- ‌10 - فقه الحسنات والسيئات

الفصل: ‌8 - فقه الهداية

‌8 - فقه الهداية

قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57)} [يونس: 57].

وقال الله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)} [القصص: 56].

وقال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} [العنكبوت: 69].

القرآن الكريم بصائر لجميع الناس، فهو بصيرة وتبصرة، وموعظة وتذكرة، وهدى ورحمة، وبيان وشفاء.

فهو هدى للعالمين، وموعظة للمتقين، وشفاء للعالمين، وهدى للمتقين، وشفاء للمؤمنين، وموعظة للعالمين.

فهو في نفسه هدى ورحمة، وشفاء وموعظة.

فمن اهتدى به واتعظ واشتفى كان بمنزلة من استعمل الدواء الذي يحصل به الشفاء، فهو دواء له بالفعل.

وإن لم يستعمله فهو دواء له بالقوة لكنه لم يستعمله.

وكذلك الهدى، فالقرآن هدى بالفعل لمن اهتدى به، والهادي هو الله، والمحل القابل هو قلب العبد، والذي يحصل به الهدى هو القرآن.

فالمحل القابل هو قلب العبد المتقي المنيب إلى ربه، فإذا هداه الله فكأنه وصل أثر فعله إلى محل قابل فتأثر به، فصار له هدى وشفاء، ورحمة وموعظة، بالوجود والفعل والقبول.

وإذا لم يكن المحل قابلاً وصل إليه الهدى فلم يؤثر فيه كما يصل الغذاء إلى محل غير قابل للاغتذاء، فإنه لا يؤثر فيه شيئاً، بل لا يزيده إلا ضعفاً وفساداً إلى فساده كما قال سبحانه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ

ص: 2353

الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)} [الإسراء: 82].

فتخلف الاهتداء يكون لعدم قبول المحل تارة .. ولعدم آلة الهدى تارة .. ولعدم فعل الفاعل وهو الهادي تارة.

ولا يحصل الهدى على الحقيقة إلا عند اجتماع هذه الثلاثة.

وقد قال سبحانه: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)} [الأنفال: 23].

فقطع الله تبارك وتعالى عنهم مادة الاهتداء وهو إسماع قلوبهم وإفهامها ما ينفعها، لعدم قبول المحل فإنه لا خير فيه، فإن الإنسان إنما ينقاد للحق بالخير الذي فيه، ومحبته له، وحرصه عليه، وهؤلاء ليس في قلوبهم شيء من ذلك.

فوصل الهدى إليها ووقع عليها كما يصل الغيث النازل من السماء على الأرض الغليظة العالية، والتي لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فلا هي قابلة للماء ولا للنبات، فالماء في نفسه رحمة وحياة ولكن ليس فيها قبول له.

وفي هؤلاء مع عدم القبول والفهم آفة أخرى وهي الكبر والإعراض وفساد القصد، فلو فهموا لم ينقادوا ولم يتبعوا الحق ولم يعملوا به.

فالهدى في حق هؤلاء هدى بيان وإقامة حجة لا هدى توفيق وإرشاد، فلم يتصل الهدى في حقهم بالرحمة.

وأما المؤمنون فاتصل الهدى في حقهم بالرحمة فصار القرآن لهم هدى ورحمة، ولأولئك هدى بلا رحمة.

والرحمة المقارنة للهدى في حق المؤمنين نوعان: عاجلة وآجلة.

فأما العاجلة فما يعطيهم الله في الدنيا من محبة الخير والبر، وذوق طعم الإيمان وحلاوته، والفرح والسرور بهذا الهدى، فهم يتقلبون في نور هداه، ويمشون به في الناس.

فهم أشد الناس فرحاً بما آتاهم ربهم من الهدى، وقد أمرهم ربهم أن يفرحوا بفضله ورحمته بقوله سبحانه: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا

ص: 2354

يَجْمَعُونَ (58)} [يونس: 58].

وفضل الله ورحمته هو العلم والإيمان والقرآن والهدى واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.

والرحمة التي تحصل لمن حصل له الهدى تكون بحسب هداه، فكلما كان نصيبه من الهدى أتم كان حظه من الرحمة أوفر.

والإنسان كلما اتسع علمه اتسعت رحمته، وقد وسع ربنا كل شيء رحمة وعلماً، فهو سبحانه أرحم من الوالدة بولدها، بل هو أرحم بالعبد من نفسه، كما هو أعلم بمصلحة العبد من نفسه.

والعبد لجهله بمصالح نفسه وظلمه لها يسعى فيما يضرها ويؤلمها، وينقص حظها من كرامته وثوابه، ويبعدها من قربه ورحمته، وهو يظن أنه ينفعها ويكرمها، وهذا غاية الجهل والظلم، والرب تعالى أعلم بالمحل الذي يصلح للهدى والرحمة، فهو الذي يؤتيها العبد كما قال سبحانه عن عبده الخضر:{فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65)} [الكهف: 65].

والهداية نور يقذفه الله في قلب من شاء من عباده ممن يصلح لذلك.

وكما أن للصحة علامات .. وللمرض علامات .. فكذلك للهداية علامات .. وللضلالة علامات.

ومن علامات الهداية:

الإقبال على الله .. والتوجه إليه في جميع الأحوال .. والتوكل على الله في جميع الأمور .. والاستعانة به في كل شيء .. والإنابة إلى دار الخلود .. والتجافي عن دار الغرور .. والاستعداد للموت قبل نزوله .. وأن يرى السعادة والمنفعة في امتثال أوامر الله .. والشقاء والمضرة في مخالفتها .. ويرى الخير والنجاة في الإيمان والأعمال الصالحة .. ويرى الشر والهلاك في ترك ذلك .. ويرى الفلاح في الدين .. والخسار في خلاف الدين.

والله عليم حكيم يضع الأشياء في مواضعها لكمال علمه وحكمته، فلا بد للعبد

ص: 2355

من العلم بأمرين:

أحدهما: أن الله وحده تفرد بالخلق والأمر والهداية والإضلال.

الثاني: أن ذلك كله وقع منه سبحانه على وجه الحكمة والعدل لا بالاتفاق، ولا بمحض المشيئة المجردة عن وضع الأشياء مواضعها، بل بحكمة اقتضت هدى من عَلِمَ الله أنه يزكو على الهدى ويقبله، ويشكره عليه، ويثمر عنده، وإضلال من عَلِمَ الله أنه لا يزكو على الهدى ولا يقبله، ولا يشكر عليه، ولا يثمر عنده.

فالله أعلم حيث يجعل رسالته أصلاً وميراثاً كما قال سبحانه: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124].

ولم يطرد سبحانه عن بابه ولم يبعد من جنابه من يليق به التقريب والهدى والإكرام، بل طرد من لا يليق به إلا الطرد والإبعاد.

فإن قيل: لم خلق من هو بهذه المثابة؟.

قيل: لأن خلق الأضداد والمتقابلات هو من كمال ربوبيته كالليل والنهار، والحر والبرد، والخير والشر، والنعيم والجحيم، والبر والفاجر.

{وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)} [الأنعام: 53].

والله عز وجل أقام الحجة ومكن من أسباب الهداية ببعثة الرسل، وإنزال الكتب، وإعطاء السمع والبصر والعقل:{إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)} [الإنسان: 2، 3].

والله سبحانه تفضل على بني آدم بأمرين هما أصل السعادة:

أحدهما: أن كل مولود يولد على الفطرة، فالنفس بفطرتها إذا تركت كانت محبة لله، تعبده لا تشرك به شيئاً، ولكن يفسدها من يزين لها الفساد من شياطين الإنس والجن.

والنفس سعادتها أن تحيا الحياة الطيبة فتعبد الله، ومتى لم تحيا هذه الحياة

ص: 2356

الطيبة كانت ميتة، وكان ما لها من الحياة الطبيعية موجباً لعذابها.

قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأمَرَتْهُمْ أنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا» أخرجه مسلم (1).

الثاني: أن الله تعالى هدى الناس هداية عامة بما جعل فيهم من العقل، وبما أنزل إليهم من الكتب، وبما أرسل إليهم من الرسل.

ففي كل واحد ما يقتضي معرفته بالحق ومحبته له، وقد هداه الله إلى ما ينفعه، وجعل في فطرته محبة ذلك.

والنفس إن علمت الحق وأرادته فذلك من تمام إنعام الله عليها، وإلا فهي بطبعها لا بدَّ لها من مراد معبود غير الله، ومرادات سيئة تركبت من كونها لم تعرف الله ولم تعبده.

قال الله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)} [الأعلى: 1 - 3].

والهداية إلى الصراط المستقيم أغلى شيء في خزائن الله، ولذلك أمرنا الله عز وجل بطلب الهداية منه في كل صلاة، بل في كل ركعة بقوله سبحانه:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} [الفاتحة: 6].

وقد بين الله مصدر الهداية بقوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)} [البقرة: 2].

وبين مكان الهداية بقوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96)} [آل عمران: 96].

وبين طريق الحصول على الهداية بقوله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} [العنكبوت: 69].

وبين لنا أسوة أهل الهداية وهم الأنبياء والرسل بقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ

(1) أخرجه مسلم برقم (2865).

ص: 2357

فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)} [الأنعام: 90].

وبين لنا أن مالك الهداية هو الله وحده لا شريك له بقوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)} [القصص: 56].

فالله يهدي من يعلم أنه يصلح للهداية، ويعرف قدرها، ويعمل بها، ويشكر ربه عليها، ويضل من يعلم أنه لا يصلح للهداية، ولا يعرف قدرها، ولا يقوم بواجبها.

فهو سبحانه العليم الحكيم الذي يضع الشيء في موضعه، ويعطي العطاء لمن هو أهله، ويعلم أنه يستحقه ويقدره:{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7)} [القلم: 7].

والهداية بيد الله، يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ولكن الله جعلنا سبباً للهداية كما جعل الشمس سبباً للإنارة، ووكلنا بنشر الدين في العالم كما وكل السحب بحمل المياه وتوزيعها في العالم، والله يفعل ما يشاء بقدرته ينزل المطر حيث شاء، وينزل الهداية على من يشاء.

وقد تحصل الأسباب وتتأخر النتائج ليعلم العباد أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الأمور كلها بيده، وأنه لا رب سواه، ولا إله غيره، وأن ما سواه ليس بيده شيء.

فأبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم عنده كل أسباب الهداية ولم يهتد؛ لأن عنده العصبية لمحمد لا لدين محمد، وبلال رضي الله عنه عنده العصبية لدين محمد لا لمحمد ولذلك قبله الله ولم يقبل أبا طالب، وآسية زوج فرعون عندها كل أسباب الغواية واهتدت، لكمال رغبتها في الدين، وكراهيتها لحياة السلاطين الظالمين.

واليهود عندهم كل أسباب الأمن من الحصون والآلات والأموال فلم تمنعهم، وأتاهم العذاب من حيث لم يحتسبوا.

والنبي صلى الله عليه وسلم عنده كل أسباب الخوف في بيته بمكة، وفي الغار، وفي طريق

ص: 2358

الهجرة، ومع ذلك لم يخف؛ لأن الله معه، فأنجاه وأعزه وأظهر دينه ومكن له في الأرض، وخذل المعاندين له.

ونصر الله رسوله والمؤمنين معه في بدر مع قلة العدد والعدة.

وخذل المشركين والكفار في بدر مع كثرة العدد والعدة.

فإن قيل: إذا كنا مهتدين فكيف نسأل الله الهداية؟.

فجوابه: أن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم، وما لا نريد فعله تهاوناً وكسلاً مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه، وما لا نقدر عليه كما نريده كذلك، وما نعرف جملته ولا نهتدي إلى تفاصيله فأمر يفوت الحصر، ونحن محتاجون إلى الهداية التامة.

ومن كملت له هذه الأمور كان سؤال الهداية له سؤال التثبيت والدوام، وفوق هذا الإنسان محتاج إلى سؤال الهداية يوم القيامة إلى الصراط المستقيم، الذي هو طريق الجنة، فمن سار عليه في الدنيا، هدي هناك إلى الصراط المستقيم الموصل إلى الجنة.

والهدى من الله كثير في الآفاق والأنفس، لكن لا يبصره إلا بصير، ولا يعمل به إلا اليسير.

ألا ترى أن نجوم السماء يبصرها البصراء، ولا يهتدي بها إلا العلماء.

والله تبارك وتعالى أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأوضح السبل، وأزاح العلل، ومكن من أسباب الهداية والطاعة بالأسماع والأبصار والعقول، وهذا عدله.

ووفق من شاء من عباده بمزيد عناية، وأراد سبحانه من نفسه أن يعينه ويوفقه فهذا فضله، وخذل من ليس بأهل لتوفيقه وفضله، وخلى بينه وبين نفسه، ولم يرد سبحانه أن يوفقه، فقطع عنه فضله ولم يحرمه عدله:

إما جزاء منه للعبد على إعراضه عنه، وعدم ذكره وشكره، فهو أهل أن يخذله ويتخلى عنه.

أو لا يشاء له الهداية ابتداء لما يعلم منه أنه لا يعرف قدر نعمة الهداية، والله يعلم

ص: 2359

وأنتم لا تعلمون: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)} [الأنفال: 23].

والله سبحانه ذو فضل على العالمين .. خلقنا بمنِّه وكرمه في أحسن تقويم .. وهدانا بإعطاء الحواس الخمس الظاهرة والباطنة .. ثم هدانا بنصب الدلائل الكونية والنفسية الدالة على كمال قدرته وعظمته .. ثم هدانا بإرسال الرسل .. وإنزال الكتب .. وأنعم علينا بآلات العلم من السمع والبصر والعقل .. ثم هدانا أعظم هداية بكشف الحجاب عن الحق والباطل .. فظهر الحق حقاً .. وظهر الباطل باطلاً .. ثم أعاننا ووفقنا للعمل بالحق وترك الباطل .. ثم وفقنا لتعليم الحق والدعوة إليه وأعاننا على ذلك.

فلله المنَّة والفضل، وله الحمد والشكر:«اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءُ الأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، لا مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدّ» أخرجه مسلم (1).

وللحصول على الهداية لا بد من الجهد، والجهد في الدين على ثلاثة أقسام:

1 -

جهد على النفس فقط، وهذا جهد الصالحين.

2 -

جهد على النفس والقرابة أو العشيرة أو القوم، وهذا جهد المرسلين.

3 -

جهد على النفس وعلى عموم البشرية وهذا أعلاها وهو جهد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وهو مطلوب من كل مسلم ومسلمة.

وكل عبد مضطر إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم، فعليه أن يطلب الهداية من ربه، فإنه لا نجاة من العذاب ولا وصول إلى السعادة إلا بهذه الهداية.

فمن فاتته فهو إما من المغضوب عليهم، الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به وإما من الضالين الذين عرفوا الحق وضلوا عنه، وهذا الهدى لا يحصل إلا بهدى

(1) أخرجه مسلم برقم (477)، (478).

ص: 2360

الله: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178)} [الأعراف: 178].

والصراط المستقيم: أن يفعل العبد في كل وقت ما أُمر به في ذلك الوقت من علم وعمل، ويجتنب ما نهي عنه، فهو محتاج لحصول ذلك له إلى طلب الهداية في كل وقت، والحاجة إلى الهدى أعظم من الحاجة إلى طلب النصر والرزق.

وأعظم نعم الله على عباده نعمة الهداية إلى الدين، والذي يستخدمه الله لدينه والدعوة إليه، هو الذي لم تبق عنده أي عاطفة غير عاطفة الهداية، فلا تكون عاطفته الكبرى إلا للدين وهداية الناس، ولكن هذه العاطفة لا تأتي إلا بالتضحية بكل شيء من أجل إعلاء كلمة الله.

وكمال التضحية من أجل الدين يتم بسبعة أمور:

التضحية بالنفس .. والأهل .. والوقت .. والمال .. والجاه .. والدار .. والشهوات .. كما فعل ذلك الأنبياء والصحابة.

فمن ضحى بكل ذلك من أجل الدين هداه الله وجعله سبباً لهداية الناس كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} [العنكبوت: 69].

ومن رحمة الله بعباده ولطفه بهم أن جعل طرق الهداية كثيرة متنوعة، لتفاوت عقول الناس وأذهانهم وبصائرهم.

فمنهم من يهتدي فوراً بنفس ما جاء به وما دعا إليه الرسول أو الداعي من غير أن يطلب منه برهاناً خارجاً عن ذلك، كحال الكُمَّل من الصحابة كالصديق رضي الله عنه.

ومنهم من يهتدي بمعرفته بحال الرسول أو الداعي، وما فطر عليه من كمال الأخلاق والأوصاف والأفعال، وأن عادة الله ألا يخزي من قامت به تلك الأوصاف كما قالت خديجة رضي الله عنها للرسول صلى الله عليه وسلم حين قال لها:«لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» . فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلا وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أبَدًا، إنَّكَ لَتَصِلُ

ص: 2361

الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. متفق عليه (1).

وهذه المقامات من الإيمان عجز عنها أكثر الخلق فاحتاجوا إلى الخوارق والآيات المشهودة بالحس فآمن كثير منهم عليها، وأضعف الناس إيماناً من كان إيمانه صادراً عن المظهر أو النصر، وأضعف من هؤلاء إيماناً من إيمانه إيمان العادة والمنشأ فهذا دين العوائد، وهو أضعف شيء.

وخواص الأمة ولبابها لما شهدت عقولهم حسن هذا الدين وكماله وجلالته، وشهدت قبح ما خالفه ونقصه، خالط الإيمان به ومحبته بشاشة قلوبهم، وهذا الضرب من الناس هم الذين استقرت أقدامهم على الإيمان، وهم أبعد الناس عن الارتداد عنه، وأحقهم بالثبات عليه إلى يوم لقاء الله.

والأمانة التي أبت السموات والأرض أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، هي أمانة الهداية والمعرفة، والإيمان بالله عن قصد وإرادة، وجهد واتجاه.

فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمان به، والاهتداء إليه، ومعرفته وعبادته وطاعته، بغير جهد منه، ولا قصد، ولا إرادة، ولا اتجاه.

والإنسان وحده هو الذي وكله الله إلى فطرته، وإلى عقله، وإلى معرفته، وإلى إرادته، وإلى إتجاهه، وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله بعون من الله.

وهذه أمانة حملها، وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من الأمانات كما قال سبحانه:{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)} [الأحزاب: 72].

وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58].

والهداية: هي العلم بالحق مع قصده، وإيثاره على غيره، فالمهتدي هو العامل

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (3) واللفظ له، ومسلم برقم (160).

ص: 2362

بالحق المريد له، والهداية أعظم نعم الله على العبد، ومن أجل هذا أمرنا الله عز وجل أن نسأله الهداية إلى الصراط المستقيم كل يوم وليلة في صلواتنا الخمس والنوافل.

فالعبد محتاج إلى معرفة الحق الذي يرضي الله في كل حركة ظاهرة وباطنة، فإذا عرفه فهو محتاج إلى من يلهمه قصد الحق، فيجعل إرادته في قلبه، ثم إلى من يقدره ويعينه على فعله.

ومعلوم أن ما يجهله العبد أضعاف ما يعلمه، وأن كل ما يعلمه أنه حق لا تطاوعه نفسه على إرادته، ولولا إرادته لعجز عن كثير منه، فهو مضطر كل وقت إلى هداية تتعلق بالماضي والحال والمستقبل.

أما الماضي: فهو محتاج إلى محاسبة نفسه عليه، إن كان محسناً شكر الله عليه، وإن كان مسيئاً فيتوب إلى الله منه ويستغفره.

وأما الهداية في الحال: فهي مطلوبة منه، فإنه ابن وقته، فيحتاج أن يعلم ما هو متلبس به من الأفعال هل هو صواب؟ أم خطأ؟.

وأما المستقبل: فحاجته إلى الهداية منه أظهر، ليكون سيره على الطريق الصحيح.

ومن أحاط علماً بحقيقة الهداية وحاجة العبد إليها، علم أن الذي لم يحصل له منها أضعاف ما حصل له، وأنه في كل وقت محتاج إلى هداية متجددة لا سيما والله تعالى خالق أفعال القلوب والجوارح، فالإنسان كل وقت محتاج إلى أن يخلق الله له هداية خاصة، وصرف الموانع التي تمنع موجب الهداية.

فالوساوس والخواطر وشهوات الغي في قلبه كل منها مانع من وصول أثر الهداية إليه، فإن لم يصرفها الله عنه لم يهتد هدىً تاماً.

وحاجة العبد إلى هداية الله له مقرونة بأنفاسه، وهي أعظم حاجة للعبد.

والهداية لها أربع مراتب:

المرتبة الأولى: الهداية العامة، وهي هداية كل مخلوق من الحيوان والآدمي إلى

ص: 2363

مصالحه التي يقوم بها أمره كما قال سبحانه: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)} [الأعلى: 1 - 3].

وحين قال فرعون لموسى: من ربكما يا موسى؟: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)} [طه: 50].

فخلق الله المخلوقات ثم هداها إلى ما خلقت له من الأعمال، فخلق الشمس وهداها للإنارة، والأرض للإنبات، وخلق الرجلين وهداهما للمشي، وخلق العينين وهداهما للإبصار، وخلق الأذنين وهداهما للسمع، وخلق اللسان وهداه للكلام .. وهكذا ..

المرتبة الثانية: هداية البيان والدلالة والإرشاد إلى الحق، وهي التي أقام الله بها الحجة على العباد، وأرسل بها رسله، وأمر بها عباده كما قال سبحانه:{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17)} [فصلت: 17].

وقال سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)} [الشورى: 52].

وهذه لا تستلزم الهداية التامة.

المرتبة الثالثة: هداية التوفيق والإلهام، وهي الموجبة للاهتداء كما قال سبحانه:{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)} [القصص: 56].

المرتبة الرابعة: الهداية في الآخرة إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار، كما قال سبحانه عن أهل الجنة:{وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)} [الأعراف: 43].

وقال سبحانه عن أهل النار: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22)} [الصافات: 22].

وأكمل الناس هداية أعظمهم جهاداً، وأفرض الجهاد: جهاد النفس .. وجهاد

ص: 2364

الهوى .. وجهاد الشيطان .. وجهاد الدنيا.

فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك هذا الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد.

ولا يتمكن العبد من جهاد عدوه في الظاهر إلا إذا جاهد هذه الأعداء في الباطن، فمن نُصر عليها نُصر على عدوه، ومن نُصرت عليه نُصر عليه عدوه.

وقد علق سبحانه الهداية بالجهاد الذي لا ينقطع كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} [العنكبوت: 69].

والواجب على الأمة ووظيفتها دعوة الناس إلى الله، وتعليمهم أحكام دينهم، ولكن لا يلزم من ذلك حصول الهداية، فإن ذلك وغيره بيد الله، ولا يلزم من العلم بكون الشيء سبباً لمصلحة العبد وسروره أن يقبله، أو يستجيب له، فقد يمنعه مانع من قبوله والعمل بمقتضاه وذلك لأسباب كثيرة، فللهداية موانع أهمها:

الأول: ضعف معرفة العبد وقلة إدراكه.

الثاني: عدم الأهلية، فقد يعرف الإنسان الشيء، لكن المحل غير قابل للتزكية، فإذا كان القلب قاسياً حجرياً لا يقبل التزكية ولا تؤثر فيه النصائح أو كان مريضاً لم ينتفع بكل علم يعلمه.

الثالث: محبة الأهل والعشيرة، فيرى أنه إذا اتبع الحق وخالفهم أبعدوه وطردوه عنهم، وأخرجوه من بين أظهرهم، وهذا سبب بقاء كثير من الخلق على الكفر بين قومهم وأهلهم.

الرابع: محبة الدار والوطن، فيرى أن في دخوله في الإسلام خروجه عن داره ووطنه إلى دار الغربة.

الخامس: من تخيل أن في الإسلام ومتابعة الرسول إزراءً وطعناً على آبائه وأجداده وذماً لهم، وهذا هو الذي منع أبا طالب وأمثاله عن الإسلام.

السادس: متابعة من يعاديه من الناس للرسول، وسبقه إلى الدخول في دينه،

ص: 2365

فتحمله هذه العداوة له على معاداة الحق وأهله، وهذا كما جرى لليهود مع الأنصار، فلما أسلم الأنصار حملتهم معاداتهم لهم على البقاء على كفرهم.

السابع: قيام مانع وهو إما حسد أو كبر، وهو داء الأولين والآخرين، وهو الذي منع إبليس من الانقياد للأمر، وهو الذي منع اليهود ومنع أبا جهل وعبد الله بن أبي من الإسلام، فهؤلاء لم يرتابوا في صدق النبي صلى الله عليه وسلم، لكن حملهم الكبر والحسد على الكفر به.

الثامن: مانع الرياسة والملك، فقد لا يكون في قلبه حسد ولا كبر، ولكن يضن بملكه ورياسته كحال هرقل، وملك القبط، وهو داء فرعون.

التاسع: مانع الشهوة والمال، وهو الذي منع كثيراً من أهل الكتاب وغيرهم من الإيمان خوفاً من ذهاب أموالهم ومآكلهم التي تصير إليهم من قومهم، كالأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله.

العاشر: مانع الإلف والعادة والمنشأ، فإن العادة قد تقوى حتى تغلب على حكم الطبيعة، فيتربى على شيء، ثم يأتيه العلم وهلة واحدة يريد إزالتها وإخراجها من قلبه وأن يسكنه مكانها فيعسر عليه الانتقال عنه، وهذا هو الغالب على الأمم.

والدعوة إلى الله أقوى سبب لحصول الهداية، فكما نجتهد لكسب المعاش كذلك علينا أن نجتهد لكسب الإيمان، وقد خلقنا الله في دار الأسباب، فجعل الماء سبباً للإرواء، والطعام سبباً للشبع، فكذلك جعل سبحانه الدعوة سبباً لحصول الهداية للداعي والمدعو.

ولكن سببية إرواء الماء ليست يقينية فقد يروي وقد لا يروي، ولكن محال أن يجتهد الإنسان جهد الدعوة ولا تحصل له الهداية، والهداية: هي لزوم الصراط المستقيم، والتأثر من الله وعدم التأثر من غيره، فنعتقد أن المخلوقات كلها صغيرها وكبيرها من النملة حتى جبريل لا تنفع ولا تضر إلا بأمر الله وإذنه وإرادته.

ص: 2366

وكما أن النملة لا طاقة لها إلا بأمر الله، فكذلك جبريل لا قوة له إلا بأمر الله.

وقوة فكر الهداية للأمة ثمرة قوة الإيمان، فكلما كان الإيمان قوياً كانت أعمال الدين من عبادة ودعوة قوية.

فإذا زاد الإيمان زادت العبادات وقويت.

وإذا زاد الإيمان تفكرت جميع الأمة لهداية كل فرد من الأمة، فإن نقص تفكرت الأمة للأمة بوجه عام.

فإن نقص تفكر الفرد وحده لهداية الأمة.

فإن نقص لم يتفكر الفرد أو الأمة لهداية الفرد أو الأمة.

وهذه أدنى الدرجات، والأولى أعلاها، وعليها كان الصحابة رضي الله عنهم.

وأوسع الخلق فكراً في الهداية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان فكره يدور على ثماني دوائر، فكان يفكر ويسعى في هداية نفسه .. وأهله .. وعشيرته .. وقومه .. وقريته .. وما حولها .. والناس .. والعالم.

ففكره لنفسه وأهله كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)} [التحريم: 6].

وفكره لعشيرته كما قال سبحانه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} [الشعراء: 214].

وفكره لقومه كما قال سبحانه: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3)} [السجدة: 3].

وفكره للناس وفكره لقريته وما حولها كما قال سبحانه: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الأنعام: 92].

كما قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28)} [سبأ: 28].

وفكره للعالم كما قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)} [الأنبياء: 107].

ص: 2367

وحتى يأتي فينا فكر الرسول صلى الله عليه وسلم وأعماله، لا بدَّ أن نفكر دائماً في كل وقت في هداية أنفسنا .. وأهلنا .. وعشيرتنا .. وقومنا .. وقريتنا .. ومملكتنا .. والناس .. والعالم .. ونقوم بالدعوة .. وندعو الله لنا ولغيرنا بالهداية.

وهذا كما أنه وظيفتنا ومسؤوليتنا فبه يزيد إيماننا، وتزداد أعمالنا، ويزيد أجرنا وثوابنا، وبه تكون عزتنا ونصرتنا:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} [العنكبوت: 69].

فهذه الثمانية تبدأ بالنفس، وتنتهي بالعالم، وعلى قدر النية يكون الثواب والأجر، فإنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى.

وحتى يزداد الفكر والهم والعمل لا ننظر كم عملنا؟ بل ننظر كم لم نعمل مما نستطيع؟.

ولا ننظر كم قام بالدعوة والتعليم والعبادة؟. بل ننظر كم لم يقم بذلك من الناس؟.

ولا ننظر كم اهتدى؟، بل ننظر كم لم يهتدِ؟ كم لم يتب؟.

وحتى يقبلنا الله ويستخدمنا لدينه لا بدَّ أن نخرج من مراد النفوس إلى مراد الملك القدوس .. ومن دائرة الأقوال إلى دائرة الأعمال .. ومن اليقين على المخلوق إلى اليقين على الخالق .. ومن العادات والتقاليد إلى السنن والآداب الإسلامية .. ومن حب الأموال والأشياء إلى حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .. وحب الإيمان والأعمال الصالحة .. ومن جهد الدنيا إلى جهد الدين وجهد المرسلين .. ومن الدعوة إلى الأموال والأشياء إلى الدعوة إلى الإيمان والأعمال.

وإذا تغير الفكر، تغير العمل، وتغيرت النتائج:{أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20)} [السجدة: 19،20].

ص: 2368

والهداية درجات:

وأعلاها أن يكون الإنسان معرضاً عما سوى الله، مقبلاً بكليته على ربه ممتثلاً لجميع أوامره، راضياً بقدره، مؤمناً به، مستسلماً له، مقبلاً بكلية قلبه وبدنه وفكره على ربه، بحيث يصير لو أمر بذبح ولده لأطاع كما فعل إبراهيم صلى الله عليه وسلم بابنه إسماعيل.

ولو أمر بأن ينقاد ليذبحه غيره لأطاع كما فعل إسماعيل صلى الله عليه وسلم، ولو أمر بأن يصبر على القتل والشق نصفين في سبيل الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأطاع كما فعل يحيى وزكريا عليهما الصلاة والسلام.

ويصبر على الإحراق بالنار في سبيل إعلاء كلمة الله كما فعل إبراهيم صلى الله عليه وسلم.

وهذه مقامات الأنبياء، وهي مقامات عظيمة، وأكثر الناس لا طاقة لهم بذلك، ولا ما دون ذلك، وذلك بسبب ضعف إيمانهم ويقينهم.

ومن اجتهد لإعلاء كلمة الله هداه الله، وهدى به الناس، وبقدر الجهد تنزل الهداية، وإذا قل الجهد أو عدم خرجت الهداية أو ضعفت وقلَّت، فتخرج الهداية أولاً من المعاملات، من التجارة، من المعاشرات، فيتعامل الناس ويتعاشرون بطريقة اليهود والنصارى، ويكتسبون كذلك.

ثم تخرج الهداية من العبادات، ثم ينتهي الدين تدريجياً، فلا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، ويتلى ولكن لا يعمل به، وتظهر في الأمة سنن اليهود والنصارى، وتختفي سنن الدين وأحكامه، ولا يثبت على الإسلام إلا طائفة، من الغرباء.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الإِسْلامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا» أخرجه مسلم (1).

فإذا جاء جهد الدعوة إلى الله جاءت الهداية أولاً إلى العبادات، ثم ظهرت في

(1) أخرجه مسلم برقم (146).

ص: 2369

المعاملات، ثم ظهرت في شعب الحياة عامة.

وبمقدار جهدنا للدين تأتي الهداية من الله للمسلمين والكفار.

وجهد الأنبياء قسمان:

جهد على الكفار .. وجهد على الأصحاب.

فموسى صلى الله عليه وسلم أرسله الله إلى فرعون، وإلى بني إسرائيل، والدعوة لأنفسنا أولاً، ولكن لكثرة الطلبات الإنسان يغفل وينسى نفسه، ويدعو غيره، فلا يترقى في العمل، فالدعوة للداعي .. والأمر بالمعروف للآمر كما أن التجارة للتاجر:{وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6)} [العنكبوت: 6].

وبقوة الدعوة والمجاهدة يزيد إيماننا .. وتقوى عباداتنا .. وتصلح معاملاتنا .. وتحسن معاشراتنا وأخلاقنا .. وتنزل الهداية علينا وعلى غيرنا.

ومن رحمة الله أن كل شيء تكون حاجة الناس إليه أشد يكون الحصول عليه سهلاً كالماء والهواء والطعام.

وكذلك البشرية أحوج ما تكون إلى الدعوة إلى الله، ولذلك جعلها الله أسهل شيء في الدين، يستطيعها كل مسلم، أما الأحكام ففيها صعوبة خص الله بها من شاء من العلماء والفقهاء.

فبالدعوة تنزل الهداية، وبالتعليم يصح العمل، وتزول البدع، وبالعبادة تزكو النفوس، وتستقيم على أوامر الله.

وقد سمى الله عز وجل العلم الذي بعث الله به رسوله نوراً وهدى وحياة، وجعله روحاً؛ لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح، ونوراً لما يحصل به من الهدى والرشاد:{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)} [الأنعام: 122].

والنور ظاهر وباطن:

فإذا حل النور بظاهر الجسم كساه من الجمال والجلال والمهابة والحسن

ص: 2370

بحسب ما كسي من النور.

وإذا حل النور بالباطن اكتسى من الخير والعلم والرحمة والهداية وحسن الخلق بحسب ذلك النور.

ولما كان ليوسف الصديق صلى الله عليه وسلم من هذا النور النصيب الوافر ظهر في جماله الظاهر والباطن.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم له من هذا النور أكمل نصيب، فهو أجمل الخلق ظاهراً وباطناً، فكان وجهه يتلألأ تلألؤ القمر ليلة البدر، وكان كلامه كله نوراً، وعمله نوراً، ومدخله نوراً، ومخرجه نوراً، فكان أكمل الخلق في نور الظاهر والباطن.

والأنبياء والصحابة لما ضحوا بأموالهم وأنفسهم وأوقاتهم، وتركوا أهلهم وديارهم من أجل إعلاء كلمة الله انتشرت الهداية بين الناس.

والهداية لا تحصل إلا ببذل الجهد من أجل الدين، والفلاح لا يحصل إلا بركوب قطار الإيمان والأعمال الصالحة.

فمن أراد مكة فليركب في السيارة التي تذهب إلى مكة ولا ينزل منها، أما أن يركب إلى الشام وهو يريد مكة فهذا لا يصل إليها أبداً.

وهكذا الإنسان بالإيمان والأعمال الصالحة يصل إلى الجنة، أما أن يركب الكفر والمعاصي والكبائر ويستبدلها بأوامر الله، فهذا لا يصل إلى الجنة أبداً، ومن سلكها فإنما توصله إلى النار.

ولا تحصل الهداية إلا ببذل الجهد ابتغاء مرضاة الله، وإذا جاءت الهداية جاء الإيمان، وإذا جاء الإيمان سهل على العبد امتثال أوامر الله ورسوله، وإذا امتثلنا أوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنا، وإذا رضي الله عنا أسعدنا في الدنيا، وأدخلنا الجنة في الآخرة.

والواجب على كل مسلم أمران:

أن تكون حياته كحياة النبي .. وأن يكون جهده كجهد النبي صلى الله عليه وسلم.

فعلينا أن نجعل حياتنا كحياة النبي صلى الله عليه وسلم صورة وسريرة، قلباً وقالباً، فمن اتصف

ص: 2371

بصفات النبي صلى الله عليه وسلم يجعله الله سبباً لهداية البشرية، ومن جعل بيته كبيت النبي صلى الله عليه وسلم جعل الله بيته سبباً لهداية البشرية.

وعلينا أن نقوم بجهد النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونصح الخلق، والجهاد في سبيل الله فالمطلوب من كل مسلم: حياة النبي .. وجهد النبي.

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)} [الأحزاب: 21].

وإذا قمنا بالدعوة إلى الله نزلت الهداية علينا وعلى غيرنا من العصاة والكفار .. وزاد إيماننا .. وزادت أعمالنا .. وصلحت أحوالنا .. وزال الباطل من حولنا.

وليست مسؤوليتنا أن نكسر الباطل، بل ذلك على الله سبحانه كما قال سبحانه:{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)} [الأنبياء: 18].

لكن علينا امتثال أوامر الله في كل حال، وطاعة الله ورسوله، وإعداد ما نستطيع من قوة، وفعل ما نستطيع، والله يفعل ما يريد، ومن سنته نصر أوليائه .. وخذلان أعدائه:{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14)} [التوبة: 14].

والله تبارك وتعالى هو الهادي وحده، وهو كما هدى المؤمنين قادر على هداية الضالين كما قال سبحانه:{قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)} [الأنعام: 149].

ولكن حكمته سبحانه اقتضت إبقاءهم على ضلالهم عدلاً منه تعالى، وليس ظلماً؛ لأن إعطاء الإيمان والهدى محض فضله، فإذا منعه أحداً لم يعد ظالماً، لا سيما إذا كان المحل غير قابل للنعم.

والله عز وجل لا يعطي نعمة الهداية إلا على قدر طلب العبد وجهده، والأنبياء بعثهم الله ليجتهدوا على عباد الله ليأتي فيهم طلب الهداية من الله، وإذا كان

ص: 2372

جهدنا لله فإن الله يفتح لنا أبواب الهداية، وإذا كان جهدنا لغير الله فإن الله لا يفتح أبواب الهداية أمامنا كما قال سبحانه:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} [العنكبوت: 69].

أما الدنيا فإن الله يعطيها الطالب وغير الطالب، والمجتهد وغير المجتهد.

والهداية لها بداية وليس لها نهاية، فكل باب من الهداية وراءه باب آخر، وهكذا تفتح أبواب الهداية حسب الجهد حتى الموت.

والله سبحانه جعل في سنن محمد صلى الله عليه وسلم نور الهدى، وبسبب هذا النور يهتدي الناس إلى الصراط المستقيم، فإذا فقد هذا النور عاش الناس في الظلمات.

فكما أن الإنسان والحيوان والسيارة كل يمشي بسلام بحسب النور الذي عنده، فكذلك المسلم يعيش ويمشي بحسب نور الهداية الذي عنده، فإن لم يكن عنده هذا النور اضطربت حياته، واصطدم مع غيره بسبب فقد النور كما قال سبحانه:{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)} [الأنعام: 122].

وللمحافظة على هذا النور لا بدَّ للعبد من بيئة صالحة يزيد فيها إيمانه، وتقوى أعماله، وتتحسن فيها أخلاقه، وتأتي في حياته السنن والآداب الشرعية، وقد أمرنا الله عز وجل بلزوم هذا البيئة كما قال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} [التوبة: 119].

فالذي يحضر مجالس الذكر والإيمان يكرمه الله بعشر كرامات:

فعلى أهل مجالس الذكر تنزل السكينة .. وتغشاهم الرحمة .. وتحفهم الملائكة .. ويذكرهم الله فيمن عنده .. ويناديهم مناد انصرفوا مغفوراً لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات .. ويوقظهم الله من سنة الغفلة .. وتستضيء قلوبهم وتشرق حتى ترى معالم قدرة الله .. ويعطيهم الله القوة لضبط نفوسهم من الانزلاق في طريق النقائص والرذيلة .. ويحبهم الله عز وجل.

ص: 2373

والناس في الهدى الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أقسام:

الأول: مَنْ قَبِل الإسلام ظاهراً وباطناً، وهم الأئمة الذين عقلوا عن الله كتابه، وفهموا مراده، فعملوا به، وبلغوه إلى الأمة.

فهؤلاء كالأرض التي قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فرعى الناس فيه، ودونهم من حفظه وضبطه، وأداه لغيره، فهؤلاء بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس، فوردوه وشربوا منه.

الثاني: من رده ظاهراً وباطناً وكفر به، وهؤلاء نوعان:

السادة .. وأتباعهم.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أصَابَ أرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأنْبَتَتِ الْكَلا وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أجَادِبُ، أمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أخْرَى، إنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أرْسِلْتُ بِهِ» متفق عليه (1).

الثالث: مَنْ قَبٍل الهدى ظاهراً وكفر به باطناً، وهؤلاء هم المنافقون، وهؤلاء نوعان: من أبصر ثم عمي، وأقر ثم أنكر، وأتباعهم من المقلدين، وهؤلاء أخطر من الكفار:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3)} [المنافقون: 3].

الرابع: من آمن به باطناً وكتمه ظاهراً، وهم الذين آمنوا بمكة الذين قال الله عنهم:{وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25)} [الفتح: 25].

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (79) واللفظ له، ومسلم برقم (2282).

ص: 2374

ومنهم النجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه.

والله عز وجل أعلم بالمحل الذي يصلح لغرس شجرة التوحيد فتثمر بالحمد والشكر، من المحل الذي لا يصلح لغرسها، فلو غُرست فيه لم تثمر، فكان غرسها هناك ضائعاً لا يليق بالحكمة، فهو سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته، وهو أعلم بالشاكرين.

فأعطى سبحانه هذا .. ومنع هذا .. لحكمة يعلمها ولا نعلمها: {أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10)} [العنكبوت: 10].

فهو سبحانه ما أعطى إلا بحكمة .. ولا منع إلا بحكمة .. ولا هدى إلا بحكمة ولا أضل إلا بحكمة .. وما عمرت الدنيا والآخرة والجنة والنار إلا بحكمته: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)} [التين: 8].

والله عز وجل ما عدل عن موجب العدل والإحسان في هداية من هدى، وإضلال من ضل، ولم يطرد عن بابه، ولم يبعد عن جنابه من يليق به التقريب والهدى والإكرام.

بل طرد من لا يليق به إلا الطرد والإبعاد، وحكمته وحمده تأبى تقريبه وإكرامه، وجعله من أهله وخاصته وأوليائه.

ولو علم سبحانه في الكفار خيراً وقبولاً لنعمة الإيمان، وشكراً له عليها، ومحبة له، واعترافاً بها، لهداهم إلى الإيمان.

ولهذا لما قالوا للمؤمنين: {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [الأنعام: 53].

أجابهم بقوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)} [الأنعام: 53].

وهم الذين يعرفون قدر نعمة الإيمان ويشكرون الله عليها.

فالله عز وجل أعلم بمواقع الفضل، ومحال العطاء، ومحال الحرمان، فبحمده وحكمته أعطى وهدى، وبحمده وحكمته منع وأضل.

فمن رده المنع إلى الافتقار إلى الله، والتذلل له، وتملقه، انقلب المنع في حقه

ص: 2375

عطاءً، ومن شغله عطاؤه: وقطعه عنه انقلب العطاء في حقه منعاً، فمن أعطاه الله فمحله قابل للعطاء، ومن منعه فلأن محله غير قابل للعطاء، وليس معه إناء يوضع فيه العطاء، ومن جاء بغير إناء رجع بالحرمان، ولا يلومن إلا نفسه.

والهادي هو الله تبارك وتعالى .. وكتابه هو الهدى الذي يهدي به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم .. والمهتدي هو الذي اهتدى بالهدى بإذن الهادي وتوفيقه.

فها هنا ثلاثة أشياء: فاعل .. وقابل .. وآلة.

فالفاعل هو الله سبحانه، والقابل قلب العبد، والآلة هو الذي يحصل به الهدى وهو الكتاب المنزل.

فالمحل القابل: هو قلب العبد المتقي المنيب إلى ربه، فإذا هداه الله فكأنه وصل أثر فعله إلى محل قابل فتأثر به، فصار له هدى وشفاء ورحمة وموعظة.

وإذا لم يكن المحل قابلاً وصل إليه الهدى فلم يؤثر فيه، كما يصل الغذاء إلى محل غير قابل للاغتذاء، فإنه لا يؤثر فيه شيئاً، بل لا يزيده إلا ضعفاً ومرضاً، وهكذا القرآن شفاء للمؤمنين، وخسارة للكافرين كما قال سبحانه:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)} [الإسراء: 82].

فتخلف الاهتداء يكون إما لعدم قبول المحل تارة .. وإما لعدم آلة الهدى تارة .. وإما لعدم فعل الفاعل وهو الهادي تارة.

ولا يحصل الهدى على الحقيقة إلا عند اجتماع هذه الأمور الثلاثة.

وإذا أعرض العبد عن ربه جازاه بأن يعرض عنه، فلا يمكِّنه من الإقبال عليه كما قال سبحانه:{وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (127)} [التوبة: 127].

فلما انصرفوا بفعلهم صرف الله قلوبهم عن القرآن وتدبره؛ لأنهم ليسوا أهلاً له، فالمحل غير صالح ولا قابل.

فانصرافهم الأول كان لعدم إرادته سبحانه ومشيئته لإقبالهم؛ لأنه لا صلاحية فيهم ولا قبول، فلم ينلهم القبول والإذعان، فانصرفت قلوبهم بما فيها من

ص: 2376

الجهل والظلم عن القرآن، فجازاهم على ذلك صرفاً آخر غير الصرف الأول.

كما جازاهم على زيغ قلوبهم عن الهدى إزاغة غير الزيغ الأول كما قال سبحانه: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)} [الصف: 5].

فهؤلاء ليس عندهم قابلية للإيمان، وأنهم لا خير فيهم يدخل بسببه الإيمان إلى قلوبهم.

ثم أخبر سبحانه عن مانع آخر قام بقلوبهم يمنعهم من الإيمان لو أسمعهم، وهو الكبر والتولي والإعراض كما قال سبحانه:{وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)} [الأنفال: 23].

فالأول مانع عن الفهم، والثاني مانع عن الانقياد والإذعان.

وإبليس لما عصى ربه تعالى ولم ينقد لأمره، وأصر على ذلك، عاقبه الله بإن جعله داعياً إلى كل معصية، فعاقبه على معصيته الأولى بأن جعله داعياً إلى كل معصية، وصار هذا الإعراض والكفر منه عقوبة لذلك الإعراض والكفر السابق.

فمن عقاب السيئة السيئة بعدها، كما أن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها.

فإن قيل: فالله هو الذي صرفهم وجعلهم معرضين؟

قيل: هم دائرون بين عدله وحجته عليهم، فمكنهم، وفتح لهم الباب، ونهج لهم الطريق، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، ودعاهم على ألسنة رسله، وجعل لهم عقولاً تميز بين الخير والشر، والنافع والضار، وأسباب الشقاء، وأسباب السعادة، وجعل لهم أسماعاً وأبصاراً.

فآثروا الهوى على التقوى .. واستحبوا العمى على الهدى .. واشتغلوا بالشهوات عن الأوامر.

وقالوا: الشرك أحب إلينا من توحيدك .. ومعصيتك آثر عندنا من طاعتك .. وعبادة سواك أنفع لنا من عبادتك .. فأعرضت قلوبهم عن ربهم وخالقهم ومليكهم، وانصرفت عن طاعته ومحبته، فهذا عدله فيهم، وتلك حجته عليهم.

ص: 2377

فهم سدوا على أنفسهم باب الهدى إرادة منهم واختياراً، فَسَدَّه الله عليهم اضطراراً، وخلاهم وما اختاروا لأنفسهم، وولاهم ما تولوه، وأدخلهم من الباب الذي استبقوا إليه، وأغلق عنهم الباب الذي تولوا عنه وهم معرضون، إذ لا طارق يطرقه منهم.

فلا أقبح من فعلهم، ولا أحسن من فعله، ولو شاء ربك لَخَلَقهم على غير هذه الصفة.

ولكنه سبحانه حكيم عليم، خلق العلو والسفل، والنور والظلمة، والطيب والخبيث، والنافع والضار، والملائكة والشياطين.

فسبحان الحكيم العليم، وتبارك الله أحسن الخالقين:{الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)} [الأعلى: 2،3].

والهداية المسؤولة في قوله سبحانه: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} [الفاتحة: 6].

هي طلب التعريف والبيان والإرشاد، والتوفيق والإلهام.

فكل عبد لا يحصل له الهدى التام المطلوب إلا بعد ستة أمور، وهو محتاج إليها حاجة لا غنى له عنها، وهي:

الأول: معرفة العبد في جميع ما يأتيه ويذره بكونه محبوباً للرب تعالى مرضياً له فيؤثره، وكونه مبغوضاً له مسخوطاً فيجتنبه، فإن نقص من هذا العلم والمعرفة شيء نقص من الهداية التامة بحسبه.

الثاني: أن يكون مريداً لجميع ما يحب الله منه أن يفعله عازماً عليه، ومريداً لترك جميع ما نهى الله عنه، عازماً على تركه بعد خطوره بالبال مفصلاً أو مجملاً، فإن نقص من إرادته لذلك شيء نقص من الهدى التام بحسب ما نقص من الإرادة.

الثالث: أن يكون قائماً به فعلاً وتركاً، فإن نقص من فعله شيء نقص من هداه بحسبه.

فهذه أصول الهداية، ويتبعها ثلاثة أخرى هي من تمامها وكمالها.

أحدها: أمور هدي إليها جملة، ولم يهتد إلى تفاصيلها، فهو محتاج إلى هداية

ص: 2378

التفصيل فيها.

الثاني: أمور هدي إليها من وجه دون وجه، فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها، لتكمل له هدايتها.

الثالث: الأمور التي هدي إليها تفصيلاً من جميع وجوهها، فهو محتاج إلى استمرار الهداية والدوام عليها.

ويتعلق بالماضي أمر سابع، وهو أمور وقعت منه على غير جهة الاستقامة، فهو محتاج إلى الهداية ليتداركها بالتوبة منها، وتبديلها بغيرها.

وإذا كانت هذه المراتب حاصلة به بالفعل، فحينئذ يكون سؤاله الهداية سؤال تثبيت ودوام، لكن أنى يحصل على الكمال وما يجهله العبد أضعاف ما يعلمه، وما لم يفعله أضعاف ما فعله؟.

والعبد مفتقر إلى الهداية في كل نفس في جميع ما يأتيه وما يذره أصلاً وتفصيلاً، وعلماً وعملاً، وثباتاً ودواماً إلى الموت، فليس له أنفع ولا هو إلى شيء أحوج من سؤال الهداية.

فنسأل الله عز وجل َأن يهدينا وجميع المسلمين صراطه المستقيم، وأن يثبت قلوبنا على دينه، والله لا يخيب من سأله ودعاه:{وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)} [الحج: 54].

والله سبحانه يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، ومن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وهو أعلم بمن يصلح لدار كرامته، ومن يصلح لدار إهانته، والهدى والإضلال بيد الله وحده لا بيد العبد، والعبد هو الضال أو المهتدي، فالهداية والإضلال فعله سبحانه، والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه.

والله سبحانه أمر العباد أن يكونوا مع مراده الديني منهم، لا مع مراد أنفسهم، فأهل طاعته آثروا الله ومراده على مرادهم، فاستحقوا كرامته.

وأهل معصيته آثروا مرادهم على مراده، وعلم الله سبحانه أنهم لا يؤثرون مراده البتة، وإنما يؤثرون أهواءهم ومرادهم، فأمرهم ونهاهم، فظهر بأمره ونهيه ما

ص: 2379

قدره عليهم، فقامت عليهم بالمعصية حجة عدله فعاقبهم بظلمهم.

فإن قيل: كيف تقوم حجته عليهم وقد منعهم من الهدى وحال بينهم وبينه؟.

قيل: حجته سبحانه قائمة عليهم بتخليته بينهم وبين الهدى، وبيان الرسل لهم، وإراءتهم الصراط المستقيم حتى كأنهم يشاهدونه عياناً، وأقام لهم أسباب الهداية ظاهراً وباطناً، ولم يحل بينهم وبين تلك الأسباب.

ومن حال بينه وبينها منهم بزوال عقل، أو صغر سن، أو كونه بناحية من الأرض لم تبلغه دعوة رسله، فإنه لا يعذب حتى يقيم عليه حجته.

فلم يمنعهم من هذا الهدى، ولم يحل بينهم وبينه.

وهو سبحانه وإن قطع عنهم توفيقه، ولم يرد من نفسه إعانتهم، والإقبال بقلوبهم إليه، فلم يحل بينهم وبين ما هو مقدور لهم، وإن حال بينهم وبين ما لا يقدرون عليه، وهو فعله ومشيئته وتوفيقه، فهذا غير مقدور لهم، وهو الذي منعوه، وحيل بينهم وبينه.

والهداية إلى الصراط المستقيم والتوفيق لذلك بيد الله وحده كما قال سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50)} [سبأ: 50].

والناس قسمان:

حي قابل للانتفاع، يقبل الإنذار، وينتفع به.

وميت لا يقبل الإنذار، ولا ينتفع به؛ لأن أرضه غير زاكية، ولا قابلة لخير البتة، فيحق عليه القول بالعذاب، وتكون عقوبته بعد قيام الحجة عليه، لا بمجرد كونه غير قابل للهدى والإيمان، بل لأنه غير قابل ولا فاعل.

فلما أرسل الله إليه رسوله فأمره ونهاه، فعصى الرسول بكونه غير قابل للهدى، فعوقب بكونه غير فاعل، فحق عليه القول أنه لا يؤمن ولو جاءه الرسول كما قال سبحانه:{كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33)} [يونس: 33].

ص: 2380

ومن آمن بالله فقد اهتدى، ومن لم يؤمن بالله فهو المشاق للحق المعادي للهدى، فالمؤمن وحده المهتدي، ولا عليه من شقاق من لا يهتدي ولا يؤمن، ولا عليه من كيده ومكره، ولا عليه من جدله ومعارضته، فالله سيتولاهم عنه، وهو كافيه وحسبه:{فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)} [البقرة: 137].

وليس في الحياة إلا اتجاهان اثنان:

إما الدخول في السلم كافة .. وإما اتباع خطوات الشيطان .. إما هدى .. وإما ضلال .. إما إسلام .. وإما جاهلية.

فمن لا يدخل في السلم بكليته، ولا يسلم نفسه لربه وشريعته، فهو لا شك داخل في حلف الشيطان، سائر على خطوات الشيطان، وقد دعا الله عباده المؤمنين إلى الدخول في السلم كافة، وحذرهم من اتباع خطوات الشيطان بقوله:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208)} [البقرة: 208].

وليس من سنة الله أن يغفر للكفار الذين يصدون عن سبيل الله بعدما ضلوا ضلالاً بعيداً، وقطعوا على أنفسهم كل طريق للمغفرة.

وليس من شأن الله أن يهديهم طريقاً إلا طريق جهنم، وقد قطعوا على أنفسهم كل طريق للهدى، وصرفوا أنفسهم عن كل طريق إلا طريق جهنم، فأبعدوا فيه وأوغلوا، واستحقوا الخلود المؤبد في جهنم بإصرارهم على الكفر والضلال، والظلم والصد عن سبيل الله، بحيث لا يرجى لهم بعد هذا الإصرار والإبعاد مآب:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169)} [النساء: 168،169].

وسنة الله سبحانه أن يهدي من يجاهد ليبلغ الهدى، وأن يفلح من يزكي نفسه ويطهرها كما قال سبحانه:{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)} [الشمس: 7 - 10].

ص: 2381

وأما من لا يتجه إلى الهدى ولا يطلبه فإن الله لا يهديه، ومن عطل أجهزته الفطرية ابتداءً جعل الله بينهم وبين الهدى حجاباً، فكل شيء بأمر الله، ومن أمر الله أن يهدي من يجاهد، ومن أمر الله أن يجعل على قلوب المعرضين أكنة أن يفقهوه، وفي آذانهم وقراً أن يسمعوه.

والهداية بيد الله عز وجل، ولكنها تجيء في موعدها، لا يعجلها عن هذا الموعد أن الدعاة الأبرياء المخلصين يتلقون الأذى والتكذيب، ولا أن المجرمين الضالين يؤذون الطيبين.

ولا يعجلها كذلك عن موعدها أن صاحب الدعوة المخلص المتجرد من ذاته وشهواته، إنما يرغب في هداية قومه حباً في هدايتهم، ويئس على ما هم فيه من ضلال وشقوة، وعلى ما ينتظرهم من دمار وعذاب في الدنيا والآخرة، لا يعجلها عن موعدها شيء من ذلك كله.

فإن الله لا يعجل لعجلة أحد من خلقه، فلنزول المطر أسباب وأوقات، ولنزول الهداية أسباب وأوقات، ولا يعلم ذلك إلا الله وحده، ولا مبدل لكلماته:{وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)} [الأنعام: 35].

فهدى الناس لا يتوقف على أن تأتيهم بآية، فليس الذي ينقص هو الآية التي تدلهم على الحق فيما تقول، فلو شاء الله لجمعهم على الهدى: إما بتكوين فطرتهم من الأصل على أن لا تعرف سوى الهدى كالملائكة، وإما بتوجيه قلوبهم، وجعلها قادرة على استقبال هذا الهدى والاستجابة إليه، وإما بإظهار خارقة تلوي أعناقهم، أو بغير ذلك، وكلها يقدر الله عليها.

ولكنه سبحانه لحكمته خلق الإنسان لوظيفة معينة، وأعطاه استعدادات مختلفة يستقبل بها دلائل الهدى، وموجبات الإيمان.

ولذلك لم يجمع الله الناس على الهدى بأمر تكويني من عنده، ولكنه أمرهم بالهدى، وترك لهم اختيار الإيمان والطاعات، أو الكفر والمعاصي، وتلقي

ص: 2382

الجزاء العادل في نهاية المطاف.

والناس في استقبال الوحي الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فريقان:

فريق حي وأجهزة الاستقبال فيه حية عاملة مفتوحة، وهؤلاء يستجيبون للهدى، فهو عندها من القوة والوضوح بحيث يكفي أن تسمعه وتستجيب له فوراً.

وفريق ميت معطل الفطرة، لا يسمع ولا يستقبل، ومن ثم لا يتأثر ولا يستجيب، ليس الذي ينقصه أن هذا الحق لا يحمل دليله، فدليله كامن فيه، إنما الذي ينقص هذا الفريق من الناس هو حياة الفطرة، وقيام أجهزة الاستقبال فيها بمجرد التلقي.

وهؤلاء لا حيلة للرسول فيهم، ولا مجال معهم للبرهان، إنما يتعلق أمرهم بمشيئة الله، إن شاء بعثهم فسمعوا واستجابوا، وإن شاء لم يبعثهم في هذه الدنيا:{إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)} [الأنعام: 36].

والله سبحانه هو الهادي، وهدى الله هو الهدى، والإنسان بل البشرية كلها كلما تركت هذا الهدى، أو انحرفت عن شيء منه، أو استبدلت به شيئاً من عند أنفسها، كلما تخبطت في التيه، وركبت الشقاء، وضلت عن سواء السبيل.

وقد وهب الله الإنسان القدرة على التعرف على بعض ما في الكون، وبعض طاقاته وقواه، للانتفاع بها في خلافته في الأرض، وترقية هذه الحياة لنفع البشرية وفق الشرع الإلهي.

لكن هذا الإنسان ذاته غير موهوب من الله القدرة على معرفة الحقائق المطلقة في هذا الكون، ولا على الإحاطة بأسرار الغيوب التي تلفه من كل جانب، ومنها غيب عقله وروحه، بل غيب وظائف جسمه، وما يدفعه للعمل بهذا الانتظام، وهذا الاتجاه.

ومن ثم يحتاج هذا الإنسان إلى هدى الله في كل ما يختص بوجوده وحياته، من عقيدة وخلق، وشعائر وشرائع، تملأ حياته بمنهج ربه وهداه.

وكلما فاء هذا الإنسان إلى هدى ربه اهتدى؛ لأن هدى الله هو الهدى كما قال

ص: 2383

سبحانه: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71)} [الأنعام: 71].

وكلما بعد الإنسان كلية عن هداه، أو انحرف بعض الانحراف، واستبدل به شيئاً من عنده ضل، وماذا بعد الحق إلا الضلال.

لهذا فلا بدَّ لكل إنسان يريد السعادة في الدنيا والآخرة أن يستسلم لرب العالمين، فهو وحده الذي استسلم له العالمون، فالعوالم كلها في العالم العلوي، والعالم السفلي، كلها مستسلمة له، منقادة له، خاضعة له، مطيعة له.

فما الذي يجعل الإنسان يشذ من بين العالمين عن الاستسلام لهذا الرب الذي أسلم له من في السموات ومن في الأرض؟.

والإنسان في تركيبه العضوي مستسلم لربه، فهو مضطر في وجوده وبقائه ورزقه إلى ربه، كما استسلمت لربه كافة المخلوقات فهو الملك:{وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83)} [آل عمران: 83].

فلم يبق للإنسان إلا أن يستسلم في الجانب الذي ترك له الخيار فيه ليبتلى فيه، وهو جانب الاختيار فيه، اختيار الهدى أو الضلال، ولو استسلم فيه استسلام كيانه العضوي لاستقام أمره، وانتظم تكوينه وسلوكه، وسعد جسمه وروحه، وأفلح في دنياه وآخرته.

وكيف لا يستسلم العبد لربه، وهو الذي تحشر إليه الخلائق، فأولى له أن يقدم بين يدي الحشر ما ينجيه، وأن يستسلم له اليوم استسلام العالمين، قبل أن يقف وإياهم أمامه مسؤولين.

وجميع أبواب السعادة في الدنيا والآخرة مقفلة عن جميع البشرية إلا عن أهل الإيمان والتقوى فهي مفتوحة لهم كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا

ص: 2384

تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)} [فصلت: 30 - 32].

والله الذي يؤمر الخلق بالاستسلام له، هو الذي خلق السموات والأرض، والذي يخلق يملك ويحكم، فلماذا لا يستجيبون له وهم يعلمون أنه لا شريك له؟.

{وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125)} [النساء: 125].

والله سبحانه القادر على كل شيء .. ومشيئته مطلقة في الخلق والإبداع .. وفي التغيير والتبديل .. وفي التصريف والتدبير .. وقوله الحق سواء في القول الذي يقول به للخلق كن فيكون .. أو في القول الذي يأمر به بالاستسلام له وحده .. أو في القول الذي يخبر به عن الماضي والحاضر والمستقبل .. أو القول الذي يخبر به عن الخلق والنشأة .. أو في القول الذي يخبر به عن نفسه وأسمائه وصفاته وأفعاله.

قوله الحق في هذا كله، وهو سبحانه خالق كل شيء:{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)} [الأنعام: 73].

فهذا الرب .. وهذا الإله .. وهذا الملك .. وهذا القوي.

أولى أن يستسلم له وحده من يشركون به ما لا ينفع ولا يضر من خلقه، ومن يتبعون قول غيره.

وهو سبحانه عليم بكل شيء، يعلم الغيب المحجوب كما يعلم هذا الكون المشهود، عالم الغيب والشهادة، الذي لا تخفى عليه خافية من أمر العباد، ولا يند عنه شأن من شؤونهم.

فأولى لهم أن يسلموا له، ويعبدوه، ويتقوه.

وهو سبحانه الحكيم الخبير الذي يصرف أمر الكون الذي خلقه، وأمور العباد

ص: 2385

الذين يملكهم في الدنيا والآخرة بالحكمة والخبرة.

فأولى للعباد أن يسلموا له، ويستسلموا لتوجيهه وشرعه، ويفيئوا إلى هداه وحده، ويخرجوا من التيه والضلال إلى نور الهدى والإيمان:{وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (22) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24)} [لقمان: 22 - 24].

والله عز وجل هو الذي خلق الخلق، ولو شاء أن يلزمهم الهدى لألزمهم، ولكنه سبحانه خلق الإنسان بهذا الاستعداد للهدى وللضلال، وتركه يختار طريقه، ويلقى جزاء اختياره في حدود المشيئة المطلقة التي لا يقع في الكون إلا ما تجري به، ولكنها لا ترغم إنساناً على الهدى أو الضلال.

وخلق الله الإنسان على هذا النحو لحكمة يعلمها، وليؤدي دوره في هذا الوجود كما قدره الله له باستعداداته وتصرفاته:{قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)} [الأنعام: 149].

ولو حشر الله كل شيء في هذا الكون يواجه الناس، ويدعوهم إلى الإيمان، فإنهم لا يؤمنون إلا أن يشاء الله، والله سبحانه لم يشأ لبعض الناس؛ لأنهم لا يجاهدون في الله ليهديهم إليه، وهذه هي الحقيقة التي يجهلها أكثر الناس عن طبائع القلوب.

إنه لا ينقص الذين يلجون في الضلال أنه لا توجد أمامهم دلائل وبراهين، إنما الذي ينقصهم آفة في القلب، وعطل في الفطرة، أدى إلى رد الحق.

والهدى جزاء لا يستحقه إلا الذين يتجهون إليه، ويجاهدون في الله من أجل الحصول عليه كما قال سبحانه:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} [العنكبوت: 69].

والله وحده علام الغيوب، العليم بما في القلوب، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا

ص: 2386

لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)} [الأنعام: 111].

فالإيمان والكفر .. والهدى والضلال .. لا تتعلق بالبراهين والأدلة على الحق .. فالحق هو برهان في ذاته .. وله من السلطان على القلب البشري ما يجعله يقبله، ويطمئن إليه، ويرضخ له.

ولكنها المعوقات الأخرى التي تحول بين القلب والحق، وموجبات الإيمان كامنة في القلب ذاته، وفي الحق كذلك بذاته، فيجب أن تتجه المحاولة إذاً إلى ذلك القلب لعلاجه من آفاته ومعوقاته.

ومشيئة الله سبحانه هي المرجع الأخير في أمر الهدى والضلال، فقد اقتضت مشيئة الله أن تبتلي البشر بقدر من حرية الاختيار والتوجه في الابتداء.

وجعل الله سبحانه هذا القدر موضع ابتلاء للبشر وامتحان، فمن استخدمه في الاتجاه القلبي إلى الهدى والتطلع إليه، والرغبة فيه، فقد اقتضت مشيئة الله أن يأخذ بيده ويعينه ويهديه إلى سبيله.

ومن استخدمه في الرغبة عن الهدى، والصدود عن دلائله وموجباته، فقد اقتضت مشيئة الله أن يضله، وأن يبعده، وأن ينساه، وأن يدعه يتخبط في الظلمات.

ومرد الأمر كله إلى الله في النهاية: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)} [الأنعام: 112].

فالأمر كله مقيد بمشيئة الله، هو سبحانه الذي شاء ألا يهديهم؛ لأنهم لم يأخذوا بأسباب الهدى، وهو سبحانه الذي شاء أن يدع لهم هذا القدر من الاختيار على سبيل الابتلاء، وهو سبحانه الذي يهديهم إذا جاهدوا للهدى، وهو الذي يضلهم إذا اختاروا الضلال:{فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)} [التكوير: 26 - 29].

والطائعون والعصاة في قبضة الله سواء، وهم جميعاً تحت قهره وسلطانه سواء،

ص: 2387

فهم لا يملكون جميعاً أن يحدثوا شيئاً إلا بإذن الله، وفق مشيئته التي جرت بتلك السنن في تصريف العباد، ولكن المؤمنين يطابقون ويجمعون في القدر المتروك لهم للاختيار بين الخضوع القهري، المفروض عليهم في ذوات أنفسهم وفي تكوينهم العضوي، وبين الخضوع الاختياري الذي يلتزمونه بأنفسهم بناء على المعرفة والهدى والاختيار.

وبذلك يعيشون في سلام مع أنفسهم ذاتها؛ لأن الجانب القهري فيها والجانب الاختياري يتبعان ناموساً واحداً ورباً واحداً، فالمؤمنون بالله أعقل العقلاء.

وأما العصاة والكفار فهم مقهورون على اتباع ناموس الله الفطري الذي يقهرهم، ولا يملكون أن يخرجوا عنه في تكوينهم الجسمي، بينما في الجانب الذي ترك لهم الاختيار فيه هم ناشزون على سلطان الله المتمثل في منهجه وشرعه، شاذون عن طاعة الله من بين سائر الخلق.

وهم أشقياء في انفصام شخصيتهم، وهم بعد هذا كله في قبضة الله لا يعجزونه في شيء، ولا يحدثون شيئاً إلا بقدره وإذنه، فالسلطان كله لله، وهم أعجز أن يكون لهم في ذواتهم سلطان، فكيف يكون لهم على المؤمنين سلطان، فلا يؤذون أولياء الله إلا بما شاء الله بإذن الله:{وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102].

وحواس بعض الناس وجوارحهم مطموسة الاتصال بعقولهم وقلوبهم، فيسمعون ولا يعقلون ما سمعوا .. وينظرون ولا يميزون ما نظروا .. فهي معطلة لا تؤدي حقيقة وظيفتها، فهؤلاء في النار كما قال سبحانه:{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)} [الأعراف: 179].

والأسماع والأبصار والعقول بيد الله وحده، ولكن الله سن سنة وترك الخلق لمقتضى السنة، وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول ليهتدوا بها، فإذا هم عطلوها حقت عليهم سنته التي لا تتخلف ولا تحابي أحداً، ولقوا جزاءهم

ص: 2388

عدلاً.

فلا يضيق الداعي إذا كذبه الناس وهو يدعوهم إلى الحق، ولا يتألم من العناد الصفيق بعد تكرار البيان والإعلام، فليس إباؤهم عن تقصير منه في الجهد، ولا قصور فيما معه من الحق.

ولكن هؤلاء كالصم الذين لا يسمعون، والعمي الذين لا يبصرون، وما يفتح العيون والآذان إلا الله، فهو شأن خارج عن طبيعة الدعوة، والداعية داخل في اختصاص الله سبحانه وحده.

فكل عبد من عباد الله لا قدرة له خارج مجال العبودية ولو كان رسولاً، فالأمر كله لله الواحد القهار في الدنيا والآخرة، وفي العالم العلوي وفي العالم السفلي:{قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154].

والله جل جلاله أعلم بعباده من أنفسهم، فهو الذي يحكم على العباد بأن هذا مهتد وهذا ضال:{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7)} [القلم: 7].

وهو سبحانه الهادي الذي أنزل الهدى، وهو صاحب الحق في وزن الناس به، وتقرير من هو المهتدي، ومن هو الضال:{فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)} [النجم: 32].

والهداية إلى الإيمان نعمة كبرى بل هي أجل النعم، لا يعرفها إلا من ذاقها، فهي تنشئ في القلب حياة بعد الموت، وتطلق فيه نوراً بعد الظلمات.

حياة يعيد بها تذوق كل شيء، وتصور كل شيء، بحس آخر لم يكن يعرفه قبل هذه الحياة، ونوراً يبدو كل شيء تحت أشعته جديداً كما لم يبدُ من قبل قطّ لذلك القلب الحي هو الذي نوره الإيمان كما قال سبحانه:{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)} [الأنعام: 122].

فالقلوب إذا لم يدخلها الإيمان والهدى فهي ميتة مظلمة، فإذا دخل الإيمان في

ص: 2389

القلوب اهتزت وتحركت بالذكر والعبادة والطاعة لمولاها، فاطمأنت بذكره، وأنست بقربه، وتلذذت بعبادته، وأشرقت أرواح المؤمنين بهذا النور وأضاءت، وفاض منها النور تمشي به في الناس، تهدي الضال، وتلتقط الشارد، وتطمئن الخائف، وتكشف معالم الطريق للبشر، وتحقق مراد الله في أرضه وعباده.

فهل يستوي هذا الحي الذي أنار الله قلبه بالإيمان، بميت جاثم في الظلمات؟.

والهدى والرشاد هما غاية كمال العبد، وبهما سعادته وفلاحه.

والراشد المهدي هو الذي زكت نفسه بالعلم النافع، والعمل الصالح، وهو صاحب الهدى ودين الحق.

والناس في هذا أربعة أقسام:

الأول: مهتد في علمه، راشد في قصده وعمله، وهؤلاء ورثة الأنبياء، وصفوة الله من عباده، وهم وإن كانوا الأقلين عدداً، فهم الأكثرون عند الله قدراً.

الثاني: ضال في علمه، غاو في قصده وعمله، وهؤلاء أشر الخلق، وهم مخالفو الرسل والأنبياء.

الثالث: مهتد في علمه، غاو في قصده وعمله، وهؤلاء هم الأمة الغضبية اليهود، ومن تشبه بهم ممن عرف الحق ولم يعمل به.

الرابع: ضال في علمه، وقصده الخير، لكنه يتعبد على جهل وهو لا يشعر كالنصارى ومن تشبه بهم ممن ضل عن معرفة الحق.

وأكمل الخلق في الهداية والرشد هم الأنبياء، وأكمل الأنبياء في ذلك سيدهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم، الذي زكى الله عقله وقلبه ولسانه وكتابه ودينه كما قال سبحانه:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: 1 - 4].

ولا يمكن أن تحصل الهداية لأحد من البشر إلا بالوحي الذي أرسل الله به رسله، فالناس لا يهتدون إلى حقائق الإيمان بمجرد عقولهم دون نصوص الوحي.

ص: 2390

وعقل رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل عقول أهل الأرض على الإطلاق، فلو وزن عقله بعقولهم لرجحها، وهو قبل الوحي لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان كما قال سبحانه:{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)} [الشورى: 52].

فإذا كان أعقل الخلق على الإطلاق إنما حصل له الهدى بالوحي كما قال سبحانه: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50)} [سبأ: 50].

فكيف يحصل لمن دونه الاهتداء إلى حقائق الإيمان بالعقل دون الوحي؟.

ونعم الله على العباد كثيرة، وأجلها وأعظمها نعمة الهداية إلى الحق، وواجب العباد الثناء على ربهم المنعم بها، والثناء نوعان:

عام: وهو وصف ربه بالجود والكرم، والبر والإحسان، وسعة العطاء.

والخاص: التحدث بنعمه، والتحدث بنعمه نوعان:

أحدها: التحدث بذكر نعمه المادية من الأرزاق والأولاد والأموال ونحوها، والإخبار بوصولها من جهته.

الثاني: التحدث بنعمه الروحية وهي الدين، بالدعوة إلى الله، وتبليغ دينه، وتعليم الأمة، وكلاهما نعمة مأمور بشكرها والتحدث بها كما قال سبحانه:{وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)} [الضحى: 11].

إن الكفر انقطاع عن الحياة الحقيقية الأزلية الأبدية التي لا تفنى، فهو موت، وهو انعزال عن الخالق المالك للوجود كله فهو موت، وهو انطماس في أجهزة الاستقبال والاستجابة فهو موت.

والكفر حجاب للروح عن المعرفة والاطلاع فهو ظلمة، وختم على الجوارح والمشاعر فهو ظلمة، وتيه في أودية الضلال فهو ظلمة.

وما الكافر؟ .. وما المشرك؟.

ص: 2391

إن هو إلا نبتة ضالة لا وشائج لها في تربة هذا الوجود ولا جذور.

وكيف تكون حاله إذا نسيه ربه وأعرض عنه؟.

وما هو مصيره إذا قدم على ربه بمعاصيه؟.

ما الذي يمسك به في الظلمات، والنور حوله يفيض؟.

الذي يمسك به أن هناك تزييناً للكفر والظلمة، فقد أودع الله في فطرة هذا الإنسان الاستعداد المزدوج لحب النور، وحب الظلام، وابتلاه باختيار الظلمة أو النور.

فإذا اختار الإنسان الظلمة زينت له، ولج في الظلام حتى لا يخرج منه، ثم إن هناك شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، ويزينون للكافرين ما كانوا يعملون:{كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)} [الأنعام: 122].

والقلب الذي ينقطع عن الحياة والإيمان والنور يسمع في الظلمة للوسوسة، ولا يحس ولا يميز الهدى من الضلال في ذلك الظلام العميق.

والقلب الطيب كالأرض الطيبة، والقلب الخبيث يشبه الأرض الخبيثة، فكلاهما القلب والتربة منبت زرع، ومأتى ثمر.

القلب ينبت نوايا ومشاعر، واتجاهات وعزائم، وأعمالاً بعد ذلك وآثاراً في واقع الحياة.

والأرض تنبت زرعاً وثمراً مختلفاً أكله وألوانه، ومذاقاته وأنواعه:{وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)} [الأعراف: 58].

فالهدى والآيات، والمواعظ والنصائح، تنزل على القلب كما ينزل الماء على التربة، فإن كان القلب طيباً كالبلد الطيب تفتح واستقبل، وزكا وفاض بالخير والبركات، وإن كان القلب فاسداً شريراً كالذي خبث من البلاد والأماكن استغلق وقسا، وفاض بالشر والنكر والفساد، وإخراج الشوك والأذى كما

ص: 2392

تخرج الأرض النكدة ذلك.

وإذا انحرف الناس عن التوحيد والإيمان أغواهم الشيطان، وزين لهم ما انحرفوا إليه، فصار وليهم الذي يشرف عليهم ويصرفهم.

ولما ضل أهل الجاهلية عن التوحيد وانحرفوا عنه .. وضل أهل الكتاب عما جاءهم من العلم .. وانحرفوا وبدلوا وكتموا .. واختلفوا في دينهم .. أرسل الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم لينقذ البشرية من الشرك والكفر .. ويبين لهم الحق من الباطل .. ويفصل فيما وقع بينهم من خلاف في عقائدهم وكتبهم .. وليكون هدى ورحمة لمن يؤمنون به: {تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64)} [النحل: 63،64].

فوظيفة الكتاب الأخير والرسالة الأخيرة هي الفصل فيما شجر من خلاف بين أصحاب الكتب السابقة وطوائفهم، إذ الأصل هو التوحيد، وعبادة الله وحده لا شريك له.

وكل ما طرأ على التوحيد من شبهات، وكل ما شابه من شرك في صورة من الصور، كله باطل جاء القرآن ليجلوه وينفيه، وليكون هدى ورحمة لمن استعدت قلوبهم للإيمان وتفتحت لتلقيه.

والهداية إلى الإيمان فضل من الله تبارك وتعالى يمن به على من يعلم أنه يشكر عليه ويقوم بحقه كما قال سبحانه: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17)} [الحجرات: 17].

وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين كما قال سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)} [السجدة: 24].

فهؤلاء علماء بالشرع وطرق الهداية، مهتدون في أنفسهم، يهدون غيرهم بذلك الهدى، فهم في أرفع الدرجات بعد درجة النبوة والرسالة وهي درجة

ص: 2393

الصديقين.

وإنما نالوا هذه الدرجة العالية بالصبر على التعلم والتعليم، والدعوة إلى الله، والأذى في سبيله، وكف النفس عن المعاصي والاسترسال في الشهوات.

ووصلوا في الإيمان إلى درجة اليقين، وهو العلم التام الموجب للعمل، وإنما وصلوا إلى اليقين؛ لأنهم تعلموا علماً صحيحاً، وأخذوا المسائل من أدلتها المفيدة لليقين.

والهدى فضل من الله على عبده، فمن اهتدى بهدي الله بأن علم الحق وتفهمه وآثره على غيره فلنفسه، والله تعالى غني عن عباده، ومن ضل عن الهدى فإن أعرض عن العلم بالحق أو عن العمل به، فإنما يضل على نفسه، ولا يضر الله شيئاً كما قال سبحانه:{قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108)} [يونس: 108].

والله عز وجل هو الهادي، وهداه في كتابه المنزل، الذي لا طريق يوصل إلى الله إلا منه؛ لأنه لا طريق يوصل إليه إلا توفيقه، والتوفيق منه للإقبال على كتابه، فإذا لم يحصل هذا فلا سبيل إلى الهدى كما قال سبحانه:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)} [الزمر: 23].

والله سبحانه كما يمد الظالمين في ضلالهم، ويزيدهم حباً للضلالة عقوبة لهم على اختيارهم على الهدى كما قال سبحانه:{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)} [الصف: 5].

كذلك يزيد الله المهتدين هداية من فضله عليهم ورحمته، والهدى يشمل العلم النافع والعمل الصالح، فكل من سلك طريقاً في العلم والإيمان والعمل الصالح زاده الله منه، وسهله عليه، ويسره له، ووهب له أموراً أخر لا تدخل

ص: 2394

تحت كسبه: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76)} [مريم: 76].

وللهداية أسباب وعلامات منها:

الإيمان كما قال سبحانه: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)} [الحج: 54].

بذل الجهد للدين كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} [العنكبوت: 69].

الاعتصام بالله كما قال سبحانه: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)} [آل عمران: 101].

اتباع ما يحبه الله ويرضاه كما قال سبحانه: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)} [المائدة:15،16].

الإنابة كما قال سبحانه: {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13)} [الشورى: 13].

الدعاء كما قال سبحانه: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} [الفاتحة: 6].

العلم والعمل كما قال سبحانه: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18)} [الزمر: 18].

اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال سبحانه: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)} [الأعراف: 158].

طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال سبحانه: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور: 54].

توفيق الله وعونه كما قال سبحانه: {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46)} [النور: 46].

ص: 2395

وللضلالة أسباب وعلامات منها:

عدم الإيمان كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)} [النحل: 104].

الشرك كما قال سبحانه: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116)} [النساء: 116].

الكفر كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)} [المائدة: 67].

الظلم كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)} [الأنعام: 144].

الفسق .. كما قال سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)} [التوبة: 80].

عدم إرادة الله هدايته كما قال سبحانه: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37)} [النحل: 37].

الكذب .. كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3)} [الزمر: 3].

الإسراف كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)} [غافر: 28].

الزيغ: كما قال سبحانه: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)} [الصف: 5].

كثرة المعاصي كما قال سبحانه: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)} [الأحزاب: 36].

عدم الرغبة في الهدى كما قال سبحانه: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17)} [فصلت: 17].

وحياة القلب ونوره مادة كل خير فيه، وموته وظلمته مادة كل شر فيه، فأهل الإيمان في النور وانشراح الصدر، وأهل الضلال في الظلمة وضيق الصدر كما قال سبحانه:{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125)} [الأنعام: 125].

ص: 2396

ولما كان القلب محل الإيمان والمحبة والعلم والمعرفة، والإنابة والتوكل، وكانت هذه الأشياء إنما تدخل في القلب إذا اتسع لها.

فإذا أراد الله هداية عبد وسع صدره، وشرحه، فدخلت فيه وسكنته، وإذا أراد ضلاله ضيَّق صدره، وأحرجه، فإذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه، فلا يجد محلاً يدخل فيه، فيعدل عنه ولا يساكنه ويرتاح بذكر غيره كما قال سبحانه:{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45)} [الزمر: 45].

وكل إناء فارغ إذا أدخل فيه الشيء ضاق به، وكلما أفرغت فيه الشيء ضاق إلا القلب اللين فكلما أفرغ فيه الإيمان والعلم اتسع وانفسح، وهذا من آيات قدرة الرب تعالى.

فشرح الصدر من أعظم أسباب الهدى، وتضييقه من أهم أسباب الضلال، وشرحه من أجل النعم، وتضييقه من أعظم النقم.

فالمؤمن منشرح الصدر منفسحه في هذه الدار على ما ناله من مكروهها، وإذا قوي إيمانه كان على مكارهها أشرح صدراً منه على شهواتها ومحابها، فإذا بعثه الله يوم القيامة رأى من انشراح صدره وسعته ما لا نسبة لما قبله إليه، فشرح الصدر كما أنه سبب الهداية فهو بلا ريب أصل كل نعمة، وأساس كل خير.

وسبب شرح الصدر نور يقذفه الله فيه، فإذا دخله ذلك النور اتسع بحسب قوة النور وضعفه، وإذا فقد ذلك النور أظلم وضاق، والله يعطي هذا ويمنع هذا؛ لأنه الحكيم العليم بما في صدور العالمين، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، وأدرى بمن يشكر نعمته، فكما أنه ليس كل محل أهلاً لتحمُّل الرسالة عنه وأدائها إلى الخلق، فليس كل محل أهلاً لقبولها والتصديق بها.

ومن تدبر أحوال نفسه وأحوال العالم وجد أن كل طمأنينة في النفس، وكل صلاح في الأرض، فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو فسببه الشرك بالله، ومخالفة أوامر

ص: 2397

الله، ومعصية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

فإن الله أصلح الأرض برسوله صلى الله عليه وسلم ودينه، وبالأمر بتوحيده، ونهى عن إفسادها بالشرك به، ومخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم:{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)} [الروم: 41].

فحسن الشريعة في العقول كحسن الإحسان والإنعام من الرحمن، بل هو أبلغ أنواع الإحسان والإنعام، ولهذا سماه الله نعمة وفضلاً ورحمة.

بل هو أبلغ أنواع الإحسان والإنعام، ولهذا سماه الله نعمة وفضلاً ورحمة.

وأخبر سبحانه أن الفرح به خير من الفرح بالنعم المشتركة بين الأبرار والفجار، وبين الإنسان والحيوان، كما قال سبحانه:{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)} [يونس: 58].

وعاب على الكفار تبديلهم نعمة الإيمان بالكفر، وبين أن جزاء من فعل ذلك النار كما قال سبحانه:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29)} [إبراهيم: 28،29].

فالناس قسمان:

أحدها: أهل الهدى والبصائر الذين عرفوا الحق، واتبعوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء هم أصحاب العلم النافع والعمل الصالح، الذين صدقوا الرسول في أخباره ولم يعارضوها بالشبهات، وأطاعوه في أوامره ولم يضيعوها بالشهوات، أضاء لهم نور الوحي المبين فرأوا في نوره أهل الظلمات في الظلمات.

الثاني: أهل الجهل والظلم، الذين جمعوا بين الجهل بما جاء به، والظلم باتباع أهوائهم:{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23)} [النجم: 23].

وهؤلاء قسمان:

أحدهما: الذين يحسبون أنهم على علم وهدى، وهم أهل الجهل والضلال، فهؤلاء أهل الجهل المركب الذين يجهلون الحق ويعادونه، ويعادون أهله،

ص: 2398

وينصرون الباطل، ويوالون أهله، وهم يحسبون أنهم على شيء، وهؤلاء أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وهم الذين قال الله فيهم:{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)} [الكهف: 103،104].

الثاني: أصحاب الظلمات، وهم المنغمسون في الجهل، بحيث أحاط بهم من كل وجه، فهم بمنزلة الأنعام، بل هم أضل سبيلاً، فهم في ظلمة الجهل، وظلمة الكفر، وظلمة الظلم، وظلمة الشك، وظلمة الإعراض عن الحق الذي بعث الله به رسله، قوله ظلمة، وعمله ظلمة، فهو يتقلب في الظلمات:{فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40)} [النور: 40].

والهدى هو الصراط المستقيم، فمن سلكه أوصله إلى الله كما قال سبحانه:{قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41)} [الحجر: 41].

فالطريق الهدى، والغاية الوصول إلى الله، وهما أشرف الوسائل والغايات ولا يتم للعبد تحصيل مصالح دنياه وآخرته إلا بتوحيد طلبه والمطلوب منه.

والهدى التام يتضمن توحيد المطلوب .. وتوحيد الطلب .. وتوحيد الطريق الموصلة.

فتوحيد المطلوب يعصم من الشرك .. وتوحيد الطلب يعصم من المعصية .. وتوحيد الطريق يعصم من البدعة، والشيطان إنما ينصب فخه بهذه الطرق الثلاثة ليصطاد ابن آدم.

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وقنا برحمتك واصرف عنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك.

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

اللهم إنا نسألك الهدى والسداد وسلوك سبل الرشاد.

ص: 2399

اللهم إنا نعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلنا، أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون.

{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)} [آل عمران: 8].

ص: 2400