المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌الباب العاشرفقه النبوة والرسالة

- ‌1 - فقه الاصطفاء والاختيار

- ‌2 - فقه النبوة والرسالة

- ‌3 - حكمة تعدد بعث الرسل

- ‌4 - حكمة موت الرسل

- ‌5 - فقه الدعوة إلى الله

- ‌6 - فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌7 - فقه النصيحة

- ‌8 - فقه الهداية

- ‌9 - فقه الابتلاء

- ‌10 - فقه الشورى

- ‌11 - فقه الإنفاق في سبيل الله

- ‌12 - فقه الهجرة والنصرة

- ‌13 - فقه الجهاد في سبيل الله

- ‌14 - فقه النصر

- ‌15 - فقه الخلافة

- ‌الباب الحادي عشرفقه الأخلاق

- ‌1 - فقه الخُلق

- ‌2 - درجات الأخلاق

- ‌3 - تغيير الأخلاق

- ‌4 - فقه حسن الخلق

- ‌5 - فقه الأدب

- ‌6 - فقه مكارم الأخلاق

- ‌7 - فقه المروءة

- ‌8 - فقه الإيثار

- ‌9 - فقه الحكمة

- ‌10 - فقه العزة

- ‌11 - فقه المحبة

- ‌12 - فقه الرحمة

- ‌الباب الثاني عشرفقه الشريعة

- ‌1 - فقه الحق والباطل

- ‌2 - فقه العدل والظلم

- ‌3 - فقه الأمر والنهي

- ‌4 - فقه النفع والضر

- ‌5 - فقه الحلال والحرام

- ‌6 - فقه السنن والبدع

- ‌7 - فقه العبادات

- ‌1 - فقه الصلاة

- ‌2 - فقه الزكاة

- ‌3 - فقه الصيام

- ‌4 - فقه الحج

- ‌8 - فقه الذكر والدعاء

- ‌9 - فقه المعاملات

- ‌10 - فقه الحسنات والسيئات

الفصل: ‌2 - فقه الزكاة

‌2 - فقه الزكاة

قال الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)} [التوبة: 103].

وقال الله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)} [التوبة: 60].

الله تبارك وتعالى خلق الخلق، وقسم أرزاقهم، وفضل بعضهم على بعض في الأخلاق والأموال والأرزاق والأعمال كما قال سبحانه:{أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)} [الزخرف: 32].

والله عز وجل أعلم بمن يصلح للهداية فيهديه، وأعلم بمن لا يصلح للهداية فيضله، وكذلك هو أعلم بمن يصلح للغنى فيغنيه، ويهيء له أسبابه، وهو أعلم بمن لا يصلح للغنى فيمنعه، ويقطع عنه أسبابه.

والمال أياً كان مال الله يؤتيه من شاء من خلقه، ويبتليه به لينظر هل ينفقه حسب أمر الله ورسوله، أم ينفقه حسب هواه وشهواته.

والزكاة حظ الفقراء في أموال الأغنياء، فيها إعانة للضعيف، وإغاثة للملهوف، وإقدار للعاجز، وتقويته على أداء ما افترضه الله عليه من العبادات والحقوق.

والزكاة تطهر مؤديها من أنجاس الذنوب، وتزكي أخلاقه بخلق الجود والكرم والبذل والإحسان، وترك الشح والبخل، فالأنفس مجبولة على الضن بالمال، والإنفاق -صدقة أو زكاة- يقطع هذا الخلق، ويعود المرء على التحلي بمكارم الأخلاق، ونفع السائلين والمحرومين والمحتاجين.

كما قال سبحانه: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)} [التوبة: 103].

ص: 2812

والله سبحانه أنعم على الأغنياء بصنوف النعم يأكلون منها، ويزكون منها، ويتصدقون منها، وأداء الزكاة إلى الفقير من باب شكر النعمة.

والنفس ميالة إلى الحرص، ولما كانت النفس كذلك، وكان الجود مطلوباً جعلت الزكاة رياضة للنفس وتمريناً لها على الكرم شيئاً فشيئاً، حتى يصير الكرم لها عادة، وهذا أعظم جهاد للإنسان يزول به البخل عنه.

والزكاة فرض من فرائض الإسلام، والمسلم إذا لم يؤد فرضاً من فرائض الصلاة على الوجه المطلوب يكون غير مقبول، ويكون آثماً، فكذلك الزكاة إذا لم يؤدها الإنسان من طيبات ما رزقه الله لم تكن مقبولة، ويكون آثماً، فالكريم حقاً يجود بأحسن ما لديه، وهو في الحقيقة يختار لنفسه قبل غيره، وقد أمرنا الله عز وجل بالإنفاق من الطيبات وتجنب الخبائث كما قال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)} [البقرة: 267].

والله عز وجل أوجب الزكاة مواساة للفقراء، وطهرة للمال، وعبودية للرب، وتقرباً إليه بإخراج محبوب العبد له؛ إيثاراً لمرضاته.

وفرضها سبحانه على أكمل الوجوه وأنفعها للمساكين، وأرفقها بأرباب الأموال، ولم يفرضها في كل مال، بل فرضها في الأموال التي تحتمل المواساة ويكثر فيها الربح والدر والنسل.

ولم يفرضها العزيز الرحيم فيما يحتاج العبد إليه من ماله، ولا غنى له عنه كعبيده وداره وثيابه وسلاحه ومركوبه.

بل فرضها في أربعة أجناس من المال:

الذهب والفضة .. وعروض التجارة .. والزروع والثمار .. وبهيمة الأنعام.

فهذه أكثر أموال الناس الدائرة بينهم، وقسم الشارع كل جنس من هذه الأجناس إلى ما فيه الزكاة، وإلى ما لا زكاة فيه.

ص: 2813

فقسم الذهب والفضة إلى قسمين:

ما هو معد للتجارة ففيه الزكاة ربع العشر.

وما هو معد للانتفاع دون التجارة كحلي المرأة وحلية السلاح فلا زكاة فيه.

وقسم العروض إلى قسمين:

عروض معدة للتجارة ففيها الزكاة ربع العشر.

وعروض معدة للقنية والاستعمال، فهو مصروف عن جهة النماء فلا زكاة فيه.

وقسم الزروع والثمار إلى قسمين:

قسم يسقى بلا كلفة ولا مشقة كالذي يسقى بماء السماء فأوجب فيه العشر.

وقسم يسقى بكلفة ومشقة كالذي يسقى بالآلات، أو الحيوانات فأوجب فيه نصف العشر.

وقسم البهائم إلى قسمين:

سائمة ترعى بلا كلفة ولا مشقة ولا خسارة كالإبل والبقر والغنم، فهذه فيها الزكاة.

ومعلوفة بالثمن، أو عاملة في مصالح أربابها بالحرث والنقل، فلا زكاة فيها لكلفة المعلوفة، وحاجة المالك إلى العوامل لخدمته.

ولما كان حصول النماء والربح في التجارة أشق، خففها بأن جعل فيها ربع العشر .. ولما كان الربح والنماء في الزروع والثمار التي تسقى بالكلفة أقل كلفة جعله ضعفه وهو نصف العشر .. ولما كان التعب والعمل فيما يشرب بنفسه أقل جعله ضعف ذلك وهو العشر .. ولما كان الركاز والمعدن مالاً مجموعاً محصلاً بلا كلفة كان الواجب فيه ضعف ذلك وهو الخمس .. ثم لما كانت المواساة لا تحتمل كل يوم ولا كل شهر جعلها في كل عام مرة كالصيام .. ولما كانت الصلاة لا تشق كل يوم وظفها كل يوم وليلة .. ولما كان الحج يشق على المسلم جعله في العمر مرة.

ومقدار ما أوجبه الشارع في الزكاة لا يضر المخرج فقده، وينفع الفقير أخذه،

ص: 2814

وقصد إلى كل جنس من أجناس الأموال فأوجب الزكاة في أعلاه وأشرفه كالذهب والفضة من المعادن.

والنعم متى شُكرت قرّت، ومتى كُفرت فرّت، وشكر النعم يكون باللسان كأن تقول: الحمد لله .. الشكر لله .. ويكون بالجوارح كفعل الصلاة والصدقات والعبادات كلها على الإطلاق إنما هي شكر لله تعالى على نعمه التي لا تحصى، وإذا كان الأمر كذلك كان أداء الزكاة شكراً لله على نعمه العديدة التي أنعم بها عليك، والتي منها إنقاذك من مخالب الفقر والفاقة.

ومدّ يد الغني لإعطاء الزكاة يزيد في ماله وينميه، فكأن المال شجرة، والسقيا له هو الزكاة كما قال سبحانه:{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)} [البقرة: 276].

والمال لا ينفع صاحبه إلا إذا توفرت فيه ثلاثة شروط هي:

أن يكون حلالاً .. وأن لا يشغل صاحبه عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .. وأن يؤدي حق الله فيه.

والله عز وجل شرع لعباده عبادات متنوعة منها ما يتعلق ببذل المحبوب إلى النفس كالزكاة والصدقة، ومنها ما يتعلق بكف النفس عن محبوباتها وما تشتهيه كالصيام، ونوّع الله العبادات ليختبر العباد ليرى من يقدم طاعة ربه على هوى نفسه، وليقوم كل واحد بما يسهل عليه ويناسبه منها.

وليس الهدف من دفع الزكاة جمع المال وإنفاقه على الفقراء والمساكين فحسب، بل الهدف الأول أن يعلو بالإنسان عن المال ليكون سيداً له لا عبداً له، ومن هنا جاءت الزكاة لتزكي المعطي والآخذ وتطهرهما.

والزكاة تكفر الخطايا، وهي سبب لدخول الجنة، والنجاة من النار، وهي تزيد في حسنات مؤديها، وتقي المال من الآفات، وتثمره وتنميه وتزيده، وتسد حاجة الفقراء والمساكين، وتمنع الجرائم المالية كالسرقات والنهب والسطو، وتولد المحبة بين المسلمين.

ص: 2815

وكل قادر على الكسب مطلوب منه شرعاً أن يعمل ليكفي نفسه بنفسه.

فمن كان عاجزاً عن الكسب لضعف ذاتي كالصغر والأنوثة، والعته والكبر، والعاهة والمرض، أو كان قادراً ولم يجد باباً حلالاً للكسب يليق بمثله، أو وجد ولكن كان دخله من كسبه لا يكفيه وعائلته، أو يكفيه بعض الكفاية دون تمامها، فقد حل له الأخذ من الزكاة، ولا حرج عليه في دين الله، الذي جمع بين العدل والإحسان، والعدل والرحمة، والعدل والشفقة.

والفقراء والمساكين نوعان:

نوع يستطيع أن يعمل ويكتسب ويكفي نفسه بنفسه، ولكن ينقصه أدوات الصنعة، أو رأس مال التجارة، أو آلات الحرث والسقي، فهذا يعطى من الزكاة ما يمكنه من اكتساب كفاية العمر، وعدم الاحتياج إلى الزكاة مرة أخرى.

والنوع الآخر عاجز عن الكسب كالشيخ الكبير والأعمى والأرملة والطفل ونحوهم، فهؤلاء لا بأس أن يعطى الواحد منهم كفاية السنة، بل يصح أن يوزع على أشهر العام إن خيف من المستحق الإسراف، وبعثرة المال في غير حاجة ماسة.

والله بكل شيء عليم، يعلم كل ما ينفقه المنفق صدقة أم نذراً، سراً أو جهراً، لله أو لغير الله، قليلاً كان أو كثيراً كما قال سبحانه:{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270)} [البقرة: 270].

وشعور المؤمن بأن عين الله سبحانه على نيته، وعلى حركته، وعلى عمله، يثير في نفسه مشاعر حسية حية متنوعة، شعور التقوى والتحرج أن يهجس في خاطره هاجس رياء، وهاجس شح أو بخل، وهاجس خوف من الفقر أو الغبن، وشعور الإطمئنان على الجزاء، وشعور الرضا والراحة.

وإخفاء الصدقة حين تكون تطوعاً أولى وأحب إلى الله، وأجدر أن تبرأ من الرياء، فإن كان في إظهارها مصلحة الاقتداء به فهو أولى.

فأما حين تكون أداء للفريضة فإن إظهارها فيه معنى الطاعة، وفشو ذلك

ص: 2816

وظهوره خير، وفيها تنبيه للغافل عن أدائها.

فتحمد هذه في موضعها، وتحمد تلك في موضعها، ويعد الله المؤمنين على هذه وتلك تكفير السيئات، وعليهم مراقبة الله في ذلك، فإن الله خبير بما يعملون:{إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)} [البقرة: 271].

وحق الله على العبد أن يعبده ويطيعه، ويتقرب إليه بما أمر به، ويجتنب كل ما نهى عنه.

أما الخلق فعليه الإحسان إليهم، والنصيحة لهم، ومواساة محتاجهم، وعيادة مريضهم، وشهود جنائزهم، ومحبتهم، وإجابة دعوتهم.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» قِيلَ: مَا هُنَّ؟ يَا رَسُولَ اللهِ! قال: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» أخرجه مسلم (1).

وهدى القلوب وضلالها بيد الله لا بيد غيره، فهذه القلوب من صنعه، وهو الذي يقلبها كيف يشاء.

فعلى المسلم أن يحسن إلى الخلق، ويبذل لهم الخير والعون أياً كانوا مسلمين أو غيرهم ما لم يحاربوا الإسلام كما قال سبحانه:{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)} [الممتحنة: 8].

وثواب العطاء والإنفاق والإحسان إلى الخلق كله محفوظ عند الله، ومضاعف للمنفق أضعافاً كثيرة، ما دام الإنفاق ابتغاء وجه الله، وهذا شأن المؤمن لا سواه، إنه لا ينفق إلا ابتغاء وجه الله، لا ينفق عن هوى ولا غرض: {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا

(1) أخرجه مسلم برقم (2162).

ص: 2817

ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)} [البقرة: 272].

فالمؤمن ينفق الطيب خالصاً لوجه الله، ومن ثم يطمئن لقبول الله لصدقته، ويطمئن لبركة الله في ماله، ويطمئن لثواب الله وعطائه، ويطمئن إلى حصول الخير والإحسان إليه من ربه، جزاء الخير والإحسان لعباد الله.

ويزكو ويتطهر بما أعطى في حياته، وعطاء الآخرة، ودخول الجنة بعد ذلك كله فضل.

والله تبارك وتعالى أمرنا بالإحسان إلى جميع الناس، فالخلق كلهم عيال الله فهو الذي يعولهم ويربيهم بنعمه الظاهرة والباطنة، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله وأرحمهم بهم:{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)} [آل عمران: 134].

وقد خص الله بالذكر مصرفاً من أهم مصارف الصدقة من المؤمنين ليحرك القلوب لإدراك نفوس وقفت نفسها لله، وفي سبيل الله، وهي نفوس أبية، تأنف السؤال، وتأبى الكلام.

فلا بدَّ أن تدرك بالمدد فلا تهون، وبالإسعاف فلا تضام.

هؤلاء قوم كرام معوزون بذلوا أوقاتهم من أجل إعلاء كلمة الله، اكتنفتهم ظروف تمنعهم من الكسب قهراً، وأمسكت بهم كرامتهم أن يسألوا العون، إنهم يتحملون كي لا تظهر حاجتهم، وكثيراً ما يغفل الناس عنهم، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف.

فما أعظم الصدقة والإحسان إلى هؤلاء الفقراء الكرام الذين يكتمون الحاجة كأنما يغطون العورة تعففاً وحياءً.

وما أجمل إعطاءهم سراً، وفي تلطف لا يخدش إباءهم، ولا يجرح كرامتهم، هؤلاء قوم كرام، وقد وصفهم الله بست صفات ليعرفهم من يريد الإحسان إليهم، والصدقة عليهم، فهناك الثواب العظيم، والأجر الجزيل على من أنفق

ص: 2818

على من وقف نفسه في سبيل الله كما قال سبحانه: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)} [البقرة: 273].

أما المنفقون ابتغاء مرضاة الله فهم ينفقون كل وقت من كل مال، في كل حال، ولكل محتاج، فما هو جزاؤهم؟ .. وما هي صفاتهم؟.

إنهم: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)} [البقرة: 274].

إن الإٍسلام لا يقيم حياة أهله على العطاء والصدقات.

بل يقوم أولاً على تيسير العمل والرزق لكل قادر، لكن هناك حالات خاصة يعجز أهلها عن الكسب والعمل، فهذه هي التي يعالجها الإسلام بالصدقة مرة في صورة فريضة كالزكاة .. ومرة في صورة تطوع غير محدد كالصدقات التي يتكرم بها المحسنون القادرون، ويبذلونها للمحتاجين ابتغاء الأجر من الله، مع مراعاة الأدب في العطاء.

فالزكاة يجبيها إمام المسلمين ويوزعها على المستحقين لها، وأما الصدقة فموكولة للغني يبذلها لمن شاء من المحتاجين بأي قدر شاء، والله يضاعف لمن يشاء حسب نيته وصدقه، ووقوع صدقته في محلها كما قال سبحانه:{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)} [البقرة: 261].

وعلى كل من يريد إخراج الزكاة أن يفهم المراد من الزكاة، وهو أربعة أشياء:

ابتلاء مدعي محبة الله بإخراج محبوبه .. والتنزه عن صفة البخل المهلك .. وشكر نعمة المال وتطهيره .. وسد حاجة الفقراء.

ومن آداب الزكاة الظاهرة والباطنة:

الإسرار بإخراجها لكونه أبعد من الرياء والسمعة، وفيه إذلال للفقير.

ص: 2819

وأن لا يفسدها بالمن والأذى، فإنه محسن إلى الفقير، والفقير محسن إليه بقبول حق الله الذي هو طهرة له.

وأن يستصغر العطية؛ لئلا يدخله العجب، ولا يتم المعروف إلا بتصغيره وتعجيله وستره.

وأن ينتقي من ماله أحله وأجوده وأحبه إليه، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ويلاحظ فيه أمرين:

حق الله سبحانه وتعالى بالتعظيم له، فإنه أحق من اختير له.

وحق نفسه فإن الذي يخرجه هو الذي يلقاه غداً في القيامة، فينبغي أن يختار الأجود لنفسه.

وأما أحبه إليه فلقوله سبحانه: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)} [آل عمران: 92].

ومن الآداب كذلك أن يطلب لصدقته من تزكو به من أهل الزكاة، ولهم صفات أهمها:

التقوى؛ لتكون عوناً لهم على طاعة الله .. وأهل العلم؛ لتكون إعانة لهم على طلب العلم ونشره .. ومن يرى الإنعام من الله وحده، بأن يكون ساتراً لحاجته، صائناً لفقره .. أو يكون ذا عائلة فقيرة .. أو محبوساً لمرض أو دين، فهذا من المحصرين .. وأن يكون من الأقارب وذوي الأرحام المحتاجين، فالصدقة عليهم صدقة وصلة، وكل من جمع هذه الخلال أكثر فعطاؤه أفضل.

ص: 2820