الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 - درجات الأخلاق
قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)} [النحل: 90].
وقال الله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)} [فصلت: 34 - 35].
الأخلاق في الإسلام ربانية المصدر، فكلها مستمدة من الشرع، وهي ربانية الهدف، فكلها يبتغي بها المسلم وجه الله ورضاه.
منها ما هو مأمور به كالصدق والإحسان، ومنها ما هو منهي عنه كالكذب والبخل، والمأمور به درجات، والمنهي عنه درجات.
ومهما تخلق الإنسان بالأخلاق الحسنة فإنها ستبقى صورة بلا روح طالما لم يُرِد بها صاحبها وجه الله ورضاه.
فليس الغرض من الأخلاق وجود صورتها الخارجية، وإنما هذه آثارها، فمصدرها قلبي، وأصلها صلاح الباطن، تملك على المسلم قلبه، ويدفعه إليها إيمانه، ويزيده الالتزام بها إيماناً؛ لأنها عبادة.
فالعدل عبادة مأمور بها، والإحسان عبادة، وترك الفحشاء عبادة، وترك المنكرات عبادة كما قال سبحانه:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)} [النحل: 90].
والعدل مع العدو أقرب إلى التقوى؛ لأنها مسألة عبادية كما قال سبحانه: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)} [المائدة: 8].
ومهما حسنت أخلاق الكافر فهي هباء منثور؛ لأنها لم تكن خالصة لوجه الله،
وإذا لم تكن خالصة لله، فإنها ستظهر نفاقاً أو لمصلحة ثم تزول، ويظهر ما وراءها من سوء الخلق كما قال سبحانه عن الكفار:{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23)} [الفرقان: 23].
والإسلام يدعو إلى مكارم الأخلاق، والسمو إلى أعلى الدرجات، ولكنه يراعي نفسية البشر وحاجاتهم كما قال سبحانه:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)} [التغابن: 16].
ولا يعتبر الخائف أو المكره ناقضاً للصدق إن كذب لينجو حين لا ينجيه من البطش إلا الكذب كما قال سبحانه: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106)} [النحل: 106].
كما لا يعد الجائع المضطر خائناً للأمانة إن سرق ليأكل، ولا يعد طيشاً وخروجاً عن خلق الحلم إن غضب وثار من استُفِز واستُغْضِب.
والأخلاق الإسلامية أصيلة في نفس صاحبها، لا تفارقه في جميع أحواله، فليست قميصاً يلبسه إذا شاء، وينزعه إذا شاء، بل هي لازمة له لزوم النور للشمس؛ لأنها تعبدية، يدور صاحبها مع الحق حيث دار، ويثبت عليها في كل حال.
فلا يتغير خلقه مع الضعفاء والأقوياء .. ولا مع الفقراء والأغنياء .. ولا يتغير خلقه في حال رضاه وغضبه .. ولا في حال فقره وغناه .. ولا في حال خلوته وجلوته .. ولا في حال سفره وإقامته .. ولا فيما له ولا فيما عليه.
ولا تختلف أخلاقه حين يكون أميراً أو مأموراً، أو مكرماً أو مظلوماً.
فالمسلم ثابت على أخلاقه التي أمره الله بها، أما أخلاق الكفار فهي متقلبة تدور مع المصالح والأهواء، وتدير صاحبها على حسب تقلبها: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11)} [الحج: 11].
والأخلاق التي جاء بها الإسلام شاملة كاملة تغطي جميع جوانب حياة الإنسان، وتشمل كافة أحواله، وسائر علاقاته:
مع ربه ومع الناس .. في بيته وفي عمله .. في بيعه وشرائه .. في أكله وشربه، وفي صحوه ونومه .. وفي صحته وسقمه .. وفي ظاهره وباطنه .. وفي قلبه وجوارحه.
وكل الأخلاق الإسلامية مطلوبة، العدل والإحسان، والرحمة والشدة، فلا يغلب بعضها على بعض، ولكل خلق حالة ومكان.
فإن غلبت على الإنسان صفات القوة والشجاعة والعزة فسيجأر الناس إلى الله من عدوانه وجبروته وتكبره .. وإن غلبت عليه صفات العفو والسماحة والسكينة ربما رأى فيه الناس الذلة والمسكنة .. وإن غلبت عليه صفات الجرأة والصراحة والنصيحة ربما شَكَوا من سوء أدبه، وقلة احترامه.
فالأخلاق الإسلامية مع كمالها متوازنة تدعو إلى العزة والتواضع كما تدعو إلى الانتصار والعفو.
والأخلاق نوعان:
منها ما هو طبيعة وجبلة يتفضل الله بها على بعض خلقه، فيجبلهم عليها من غير كسب منهم ولا جهد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس:«إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُّحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ» أخرجه مسلم (1).
فمثل هذا فضل من الله ومنة على من أوتيها، ومن لم يؤتها مكلف بمجاهدة نفسه حتى يحصل عليها، وتصبح له خلقاً مكتسباً بعد الترويض والمجاهدة، وتنقلب مع الزمن إلى طبع ثابت وخلق أصيل، فهذا هو النوع الثاني وهو المكتسب الذي يحصل بالتخلق والتكلف حتى يصير ملكة وسجية، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ
(1) أخرجه مسلم برقم (18).
اللهُ وَمَا أعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» متفق عليه (1).
فبالتسامح يصبح سمحاً، وبالتورع يصبح ورعاً .. وهكذا في باقي الأخلاق اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وأصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
والأخلاق الإسلامية تؤخذ بالتأسي والاقتداء بأهل الأخلاق الفاضلة، وهكذا تتوارث الأجيال الأخلاق العالية بالنظر إلى أخلاق القرون الأولى، ويتوارث الأفراد مكارم الأخلاق بالاقتداء والتأسي بأحاسنهم أخلاقاً.
ولذلك فإن الله لم ينزل كتبه إلا وأرسل معها العامل بها، القائم عليها من رسله، المتمثل لأوامرها، والمتخلق بأخلاقها، ليقتدي به الناس، ويتأسون به، خاصة أحسن الناس خَلْقاً وخُلُقاً، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان خلقه القرآن، وأثنى عليه ربه بكمال خلقه فقال:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} [القلم: 4].
وشرع لنا الاقتداء به، والتأسي به في جميع الأحوال كما قال سبحانه:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)} [الأحزاب: 21].
والأخلاق الإسلامية لا تطلب من الناس بكمها الكبير، وكليتها الشاملة من أول يوم يلج فيه الإنسان باب الهداية، بل لا بدَّ من التدرج بتقديم الأهم والأوجب في الأوامر، واجتناب الأفحش الأخطر في باب المناهي.
فيطالب ابتداء بالصدقة بما تجود به نفسه، ولا يطالب بالتنازل عن كل ماله كما فعل أبو بكر رضي الله عنه.
وكذلك لا ننتظر منه أكثر من العفو عمن أساء إليه، أما أن يحسن إلى المسيء فتلك مرتبة أعلى، ومقام أرفع، يمكن أن يرتقي إليها بالتربية تدريجياً.
والقفز إلى معالي الأخلاق من العزيمة التي يوفق إليها أهل الهمم الكبيرة،
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (1469)، واللفظ له، ومسلم برقم (1053).
ولكن أغلب النفوس يربيها التدرج.
والأخلاق درجات متفاوتة، وبحار واسعة، والناس فيها متفاوتون، وأحسن الأخلاق ما حسن به صاحبه، وشرف به حامله.
والخُلق على ثلاث درجات:
الدرجة الأولى: أن يعرف العبد مقام الناس، ومقاديرهم، وجريان الأحكام القدرية عليهم، وإنهم مقيدون بالقدر لا خروج لهم عنه البتة، وأنهم محبوسون في قدرتهم وطاقتهم لا يمكنهم تجاوزها إلى غيرها، وأنهم موقوفون على الحكم الكوني القدري لا يتعدونه، فيحسن خلقه معهم.
وبهذه المعرفة يستفيد العبد ثلاثة أشياء:
أمن الخلق منه .. ومحبة الخلق له .. ونجاة الخلق به.
فالعبد العارف إذا نظر إلى الخلق بعين الحقيقة لم يطالبهم بما لا يقدرون عليه فيعفو عنهم، ويأمنوا من تكليفه إياهم بما لا يقدرون عليه، وأمنوا لائمته، فإنه في هذه الحال عاذر لهم فيما يجري عليهم من الأحكام فيما لم يأمر الشرع بإقامته فيهم.
لأنهم إذا كانوا محبوسين في طاقاتهم، فينبغي مطالبتهم بما يطالب به المحبوس، وعذرهم بما يعذر به المحبوس.
وإذا بدا منهم في حقك تقصير أو إساءة أو تفريط فلا تقابلهم به، ولا تخاصمهم، بل اغفر لهم ذلك واعذرهم، نظراً إلى جريان الأحكام عليهم وأنهم آلة.
وهذا ما يجلب محبتهم له، ويرشدهم إلى القبول منه، وتلقي ما يأمرهم به، وما ينهاهم عنه أحسن التلقي.
الدرجة الثانية: تحسين خلقك مع الحق سبحانه.
وتحسينه منك أن تعلم أن كل ما يأتي منك يوجب عذراً، وأن كل ما يأتي من الحق يوجب شكراً، وأن لا ترى له من الوفاء بداً.
فتعلم أنك ناقص، وكل ما يأتي من الناقص ناقص يوجب اعتذار العبد منه لا محالة، فعلى العبد أن يعتذر إلى ربه من كل ما يأتي به من خير وشر.
أما الشر فظاهر، وأما الخير فيعتذر من نقصانه أو تأخيره، ولا يراه صالحا لربه، فهو مع إحسانه معتذر وَجِل.
ولذلك مدح الله أولياءه بالوجل كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)} [المؤمنون: 60].
والحامل للعبد على هذا الاعتذار أمران:
أحدهما: شهود تقصيره في العمل ونقصانه.
الثاني: صدق محبته لربه، فإن المحب الصادق يتقرب إلى محبوبه بغاية إمكانه وهو معتذر إليه، مستح منه، يرى أن قدره فوقه وأجل منه.
ويعلم أن كل ما يصدر منه سبحانه إلى عبده نافع عظيم، وأنه يوجب عليه الشكر، وأنه عاجز عن شكره، ولا يتبين هذا إلا في المحبة الصادقة، فإن المحب يستكثر من محبوبه كل ما يناله منه.
ويعامل الحق سبحانه بمقتضى الاعتذار من كل ما منه، والشكر على كل ما من ربه، وهذا عقد لازم لك أبداً، لا ترى من الوفاء به بداً.
الدرجة الثالثة: الاشتغال بالله عز وجل عن كل ما سواه، فيتقرب إليه بما يحب من الأقوال والأعمال، ويستأنس به، ويستوحش من غيره، ويتلذذ بعبادته ومناجاته، ويقف أمام ربه وقوف العبد العاجز المقصر المحتاج:
معظماً لربه .. حامداً له .. مستعيناً به .. مستغفراً له .. سائلاً له .. معتذراً إليه: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)} [الأنعام: 162،163].
وأصول الأخلاق:
الإخلاص لله في السر والعلانية .. والعدل في الغضب والرضا .. والقصد في الفقر والغنى.
وأن يكون صمتي فكراً .. ونطقي ذكراً .. ونظري عِبراً.
هذا بالنسبة للنفس أما بالنسبة للغير فأصول الأخلاق أربعة:
أن أعفو عمن ظلمني .. وأعطي من حرمني .. وأصل من قطعني .. وأحسن إلى من أساء إلي.
ومكانة المسلم عند الله عظيمة، وحقه كبير، فإن في قلبه لا إله إلا الله التي لو وضعت السموات والأرض ومن فيهن في كفة، ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن، ومن بدنه وجوارحه تصدر الأقوال والأعمال التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكم وزنه عند الله؟ .. وكم قيمته عند مولاه؟
فلهذا المسلم حقوق على أخيه المسلم لا بدَّ من معرفتها أولاً، وأدائها ثانياً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» . قِيلَ: مَا هُنَّ؟ يَا رَسُولَ اللهِ! قال: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ. وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» أخرجه مسلم (1).
فيجب على كل مسلم إكرام كل مسلم، ولإكرام المسلم أربع درجات:
الأولى: أداء الحقوق حسب ما أمر الله ورسوله به، وكيفية أدائها بإعطاء كل ذي حق حقه حسب مكانته:
فمنها حقوق الوالدين والأقربين والجيران .. وحقوق الزوج على زوجته، والزوجة على زوجها، وحقوق الحكام على الرعية .. وحقوق الرعية على الحكام .. وحقوق الفقراء على الأغنياء .. وحقوق الأغنياء على الفقراء .. وحقوق العلماء على المؤمنين .. وحقوق المؤمنين على العلماء .. وحقوق الكبار على الصغار .. وحقوق الصغار على الكبار .. وهكذا.
الثانية: حسن الخلق، فعلى المسلم أن يتخلق بالأخلاق التي تخلق بها النبي صلى الله عليه وسلم سواء كانت لأداء الواجب نحو خالقه بالإيمان به وطاعته وعبادته، أو كانت
(1) أخرجه مسلم برقم (2162).
تتعلق بالمخلوق نفسه، أو تتعلق بغيره؛ لتكون هذه الأخلاق سبباً لمحبة الله له، ومحبة الناس له.
الثالثة: الإيثار، وهو درجة الكمال للأخلاق، وهو أن يفضل الإنسان غيره، ويقدم حاجة أخيه على حاجته، وأن يحسن إلى من لا يحسن إليه.
فالله عز وجل مع كونه غنياً قادراً يغفر للعاصين، ويرزق المؤمنين والعاصين والكافرين على حد سواء؛ لأنه لا رازق غيره، ولا رب سواه، ولا أكرم منه.
فعلى الإنسان أن يقضي حوائج الآخرين قبل أن يقضي حوائجه، ويخدم خلق الله قبل أن يخدم نفسه؛ لينال الأجر، ويكسب محبة الله ومحبة خلق الله، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يحبون كل مؤمن:{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)} [الحشر: 9].
الرابعة: الإكرام، ودرجة الإكرام درجة خاصة لا يستحقها غير أهل التقوى من المسلمين.
فالدرجات الثلاث الأُوَل لجميع الناس، أما الدرجة الرابعة فهي تخص المؤمنين فقط.
فالمسلم مهما بلغ من الضعف والتقصير لا يمكن إهماله وتركه، بل نبذل الجهود في إرشاده وتعليمه بالرفق واللين، والترغيب والترهيب.
فهو كالمريض تجب مداواته، والعناية به، حتى يعود إلى صحته.
فالله قد اختاره وزينه بالإيمان، وأكرمه بالإسلام، وأدخله إلى بيته:
فإذا تغيرت أحواله وساءت أخلاقه لزم إكرامه ونصحه، وترغيبه وإرشاده حتى يعود إلى ربه، وبالإكرام والتذكير تتغير القلوب، ثم يتغير عمل الجوارح كما يحي الله بالماء الأرض بعد موتها كما قال سبحانه: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا
لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17)} [الحديد: 16،17].
وقال سبحانه: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)} [الذاريات: 55].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. متفق عليه (1).
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (6)، واللفظ له، ومسلم برقم (2308).