المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌الباب العاشرفقه النبوة والرسالة

- ‌1 - فقه الاصطفاء والاختيار

- ‌2 - فقه النبوة والرسالة

- ‌3 - حكمة تعدد بعث الرسل

- ‌4 - حكمة موت الرسل

- ‌5 - فقه الدعوة إلى الله

- ‌6 - فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌7 - فقه النصيحة

- ‌8 - فقه الهداية

- ‌9 - فقه الابتلاء

- ‌10 - فقه الشورى

- ‌11 - فقه الإنفاق في سبيل الله

- ‌12 - فقه الهجرة والنصرة

- ‌13 - فقه الجهاد في سبيل الله

- ‌14 - فقه النصر

- ‌15 - فقه الخلافة

- ‌الباب الحادي عشرفقه الأخلاق

- ‌1 - فقه الخُلق

- ‌2 - درجات الأخلاق

- ‌3 - تغيير الأخلاق

- ‌4 - فقه حسن الخلق

- ‌5 - فقه الأدب

- ‌6 - فقه مكارم الأخلاق

- ‌7 - فقه المروءة

- ‌8 - فقه الإيثار

- ‌9 - فقه الحكمة

- ‌10 - فقه العزة

- ‌11 - فقه المحبة

- ‌12 - فقه الرحمة

- ‌الباب الثاني عشرفقه الشريعة

- ‌1 - فقه الحق والباطل

- ‌2 - فقه العدل والظلم

- ‌3 - فقه الأمر والنهي

- ‌4 - فقه النفع والضر

- ‌5 - فقه الحلال والحرام

- ‌6 - فقه السنن والبدع

- ‌7 - فقه العبادات

- ‌1 - فقه الصلاة

- ‌2 - فقه الزكاة

- ‌3 - فقه الصيام

- ‌4 - فقه الحج

- ‌8 - فقه الذكر والدعاء

- ‌9 - فقه المعاملات

- ‌10 - فقه الحسنات والسيئات

الفصل: ‌3 - حكمة تعدد بعث الرسل

‌3 - حكمة تعدد بعث الرسل

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].

وقال الله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165)} [النساء: 165].

وقال الله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87)} [الأنعام: 83 - 87].

إن الله تبارك وتعالى خلق البشر، واصطفى منهم رسلاً مبشرين ومنذرين، وأرسلهم إلى خلقه رحمة منه؛ ليكملوا ويسعدوا في الدنيا والآخرة، فأدوا ما أرسلوا به، وبلغوا البلاغ المبين واحداً بعد الآخر، الأول يبشر بالآخر، والآخر يصدق بالأول.

وقد أرسلهم الله عز وجل رحمة بعباده، ليأمروا الناس بعبادة الله وحده لا شريك له، وإقرار منهج الله في الحياة وحده.

هذا موكب الإيمان .. وهؤلاء رسله الكرام .. وهذا منهجه العدل .. إنه يواجه البشرية ويوجهها في رحلتها الطويلة على هذه الأرض.

يواجهها كلما التوت بها الطريق، وكلما انحرفت عن صراط الله المستقيم، وكلما تفرقت بها السبل، تحت ضغط الشهوات التي يقودها بها الشيطان من خطامها، ليرضي حقده وينفذ وعيده، ويمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم.

ص: 2166

ولكن رحمة الله جل جلاله تدرك العباد كلما ضلوا، فإذا الموكب الكريم من رسل الله يواجه البشرية بالهدى، ويلوح لها بالنور، يبشرها بالجنة، ويحذرها من النار، ونزغات الشيطان الرجيم.

إن هذا الإنسان المزدوج الطبيعة، العجيب التركيب، ذو فطرة وعقل، وذو جسد وروح، خلقه الله قابلاً للهدى والضلال، والإيمان والكفر، يؤمن بربه، ويتعامل معه فيعرف أسماءه وصفاته، ومشيئته وقدره، وقدرته وجبروته، ورحمته وفضله.

ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكة ربه .. ويتعامل مع إبليس وقبيله .. ويتعامل مع هذا الكون المشهود .. ويتعرف على سنن الله فيه .. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض .. ويتعامل مع بعضه البعض .. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك.

وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط يجري تاريخه، وتختلف أحواله، ويتلون سلوكه، وتختلف مشاربه، فهو بحاجة إلى الهدى والرشاد، والحفظ والإيمان، والتوفيق والسداد، وقد شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى، وأمر الملائكة بالسجود له، والبارئ العظيم يعلن ميلاده، ويعلن خلافته في الأرض كما ذكر الله في كتابه.

وشهدنا ضعفه بعد ذلك، وكيف قاده منه عدوه الشيطان، وكان سبباً في خروجه من الجنة.

وشهدنا مهبطه إلى الأرض، وانطلاقه بشتى أنواع التعامل على ظهرها وقد أهبط الله آدم إلى هذه الأرض مؤمناً بربه، مستغفراً لذنبه مأخوذاً عليه عهد الخلافة أن يتبع ما يأتيه من ربه، ولا يتبع الهوى ولا الشيطان بعد ما ابتلاه الله في الجنة.

ثم مضى به الزمن وتقاذفته الأمواج في الخضم، وتفاعلت تلك العوامل في كيان ذاته وفي الوجود من حوله، فإذا هو يدلف إلى الجاهلية.

ص: 2167

إنه ينسى وقد نسي، إنه يضعف وقد ضعف، إن الشيطان يغلبه وقد غلبه، ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى.

لقد هبط إلى الأرض مؤمناً مهتدياً تائباً موحداً، ولكن ها نحن نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً فماذا حصل؟.

لقد تقاذفته الأمواج في الخضم .. واجتمعت عليه الشياطين من كل جهة .. وداعبته الشهوات والمشتهيات في كل وقت .. فنسي وضل.

ولكن رحمة ربه لا تفارقه، فمن رحمة ربه ألا يتركه وحده، فيهلك بين هذه الأمواج العاتية، فأرسل إليه الرسل ترده إلى ربه الذي خلقه وصوره، وفطره على الإيمان والتوحيد.

فها هو موكب الإيمان يرفع أعلامه رسل الله الكرام من النبيين والمرسلين، ومنهم نوح وهود وصالح .. وإبراهيم ولوط وشعيب .. وإسماعيل وإسحاق ويعقوب .. ويونس وموسى وهارون .. وداود وسليمان وأيوب .. وزكريا ويحيى وعيسى .. ومحمد .. صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وهذا الموكب الجليل الكريم يحاول بتوجيه الله وتعليمه إنقاذ الركب البشري من الضلال والهاوية التي يقوده إليها الشيطان وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان.

فكم من صراع حصل بين الحق والباطل؟.

وكم من معارك وخصومات حصلت بين أهل الهوى وأهل الضلال؟.

وكم جرى بين الرسل الكرام وبين شياطين الجن والإنس من حروب وجدل وخصومات؟.

وكل ذلك من أجل سعادة الإنسان ونجاته وخلاصه في الدنيا والآخرة.

وفي الختام وبعد الإنذار والتذكير نشهد مصارع المكذبين ونجاة المؤمنين في كل مرحلة.

إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة، ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة

ص: 2168

مشتركة، وذلك بفعل عوامل في ذات الإنسان، إلى جانب العوالم والعناصر التي يتعامل معها، والبيئة التي يعيش فيها.

وهنا يأتي من الكريم الرحمن رسول يرد الناس إلى فطرتهم التي كانوا عليها، يردوهم إلى طاعة ربهم وعبادته قائلاً لقومه:{يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50)} [هود: 50].

وهذه الحقيقة الشرعية يقوم عليها الدين كله، ويتعاقب بها الرسل على مدار التاريخ، وعليها مدار سعادة الإنسان في كل زمان ومكان.

فكل رسول يجيء يقولها لقومه الذين اجتالتهم الشياطين عنها فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى.

وعلى أساس ذلك تدور المعركة بين الحق والباطل، وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.

لقد جاءت الرسل رسولاً بعد رسول بالتوحيد الخالص، ليعرف الناس رب العالمين، ويتوجهوا له بالعبادة أجمعين.

مبينين الشعائر والشرائع التي أرسلوا بها للبشر كمنهج حياة من رب العالمين، معرفين لهم بمالهم بعد القدوم على الله يوم الدين.

وكل رسول جاء إلى قومه بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.

فبنوا آدم نشأوا موحدين لرب العالمين كما كانت عقيدة آدم وزوجه، ثم انحرفوا بفعل العوامل السابقة كما قال سبحانه في الحديث القدسي:«إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأمَرَتْهُمْ أنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا» أخرجه مسلم (1).

(1) أخرجه مسلم برقم (2865)

ص: 2169

فلما جاء نوح صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى فترة طويلة، فما آمن معه إلا قليل، ثم جاء الطوفان لما دعا عليهم فأهلك الله به المكذبين، ونجا المؤمنين، وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين.

حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من قبلهم، حتى إذا جاء هود أهلك الله المكذبين لرسوله بالريح العقيم وهكذا.

ولقد أرسل الله كل رسول إلى قومه ليقول لهم: {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [هود: 50].

ونصح كل رسول قومه، وحذرهم عاقبة ما هم عليه من الشرك والجهل والظلم، وفي كل مرة وقف الملأ من علية القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه، ورفضوا الاستسلام لرب العالمين، وأبوا أن تكون العبودية لله وحده، وأبوا أن تكون الحياة على منهج الله وحده.

فصدع كل رسول في وجه هؤلاء الطواغيت، فانقسم قومه إلى مؤمنين وكفار، وعندئذ يجيء الفتح، ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المستكبرين المكذبين، وينجي الطائعين المسلمين.

وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل ولا نصر قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده، وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم، وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم والبراءة منهم.

وهذا ما بينه الله في القرآن في حكاية أحوال الرسل مع أممهم .. فمصارع المكذبين للرسل تجري على سنة لا تتبدل .. نسيان لآيات الله .. وانحراف عن طريقه .. إنذار من الله للغافلين على يد رسول .. استكبار عن العبودية لله وحده .. عدم الخضوع لرب العالمين .. اغترار بالرخاء .. واستهزاء بالإنذار .. واستعجال للعذاب .. طغيان وتهديد .. وإيذاء للمؤمنين .. وثبات للمؤمنين .. ومفاصلة على العقيدة .. ثم المصرع الذي يأتي وفق سنن الله بعد التبشير والإنذار.

ص: 2170

وطاغوت الباطل لا يطيق مجرد وجود الحق، بل يتابع الحق ويطارده، وأهل الباطل لا يطيقون رؤية الحق يعيش، ولا رؤية جماعة تدين لله وحده، وتخرج من سلطان الطواغيت كما قال قوم شعيب:{قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الأعراف: 88،89].

فالطواغيت لن يتركوا أهل الإيمان إلا أن يتركوا دينهم كلية ويعودوا إلى ملة الكفر، فلا بدَّ من الصبر، وخوض المعركة، وانتظار فتح الله بعد المفاصلة، ثم تجري سنة الله بعد ذلك بالفتح:{عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)} [الأعراف: 89].

إن موكب الإيمان الذي يسير في مقدمته رسل الله الكرام سبقه موكب إيمان الخلائق في الكون كله: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)} [الأعراف: 54].

إن الإيمان بهذا الإله العظيم، الذي خلق السموات والأرض، والذي استوى على العرش، والذي تجري وتتحرك المخلوقات بأمره، والذي له الخلق والأمر كله، هو الذي يدعو إليه الرسل.

إن الدينونة لهذا الإله وحده هي التي يدعو إليها الرسل كافة، هي التي يدعون إليها البشرية كافة، كلما قعد لها الشيطان على صراط الله، فأضلها عنه، وردها إلى الجاهلية.

والله في القرآن الكريم يكثر من الربط بين عبودية هذا الكون لله ودعوة البشر إلى الاتساق مع الكون المطيع لربه، والذي يعيشون فيه، والإسلام لله الذي أسلم له الكون كله، والذي يتحرك مسخراً بأمره.

وفي ذلك ما يهز القلب البشري هزاً، ويستحثه من داخله على أن ينخرط في

ص: 2171

سلك الخلائق الطائعة لربها، ولا يكون هو وحده نشازاً في نظام الوجود كله.

إن رسل الله عز وجل لا يدعون البشرية لأمر شاذ، أو مستحيل، أو ضار، إنما يدعونهم إلى التوحيد الذي يقوم عليه الوجود كله، والمركوز في فطرة البشر.

إسلام الوجه لله

والإيمان به .. وعبادته وطاعته .. وتنفيذ أوامره .. مع الخلائق الأخرى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18)} [الحج: 18].

ومن سنة الله عز وجل في إرسال الرسل بعث كل رسول من قومه وبلسانهم؛ تأليفاً لقلوب الذين لم تفسد فطرهم، وتيسيراً على البشر في التفاهم والتعارف، وإن كان الذي فسدت فطرهم يعجبون من هذه السنة فلا يستجيبون، ويستكبرون أن يؤمنوا لبشر مثلهم:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)} [إبراهيم: 4].

ويطلبون أن تبلغهم الملائكة، وإن هي إلا تعلة، وما كانوا ليستجيبوا إلى الهدى مهما جاءهم من أي طريق.

أرسل الله تبارك وتعالى نوحاً إلى قومه كما قال سبحانه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59)} [الأعراف: 59].

فكيف كان استقبال المنحرفين الضالين من قوم نوح لهذه الدعوة إلى التوحيد وماذا قالوا له؟ {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60)} [الأعراف: 60].

دعاهم نوح صلى الله عليه وسلم إلى عبادة الله وحده، وإقامة منهج الله في الحياة، ليكون السلطان كله لله في حياة الناس كلها، قال لهم ذلك، وأنذرهم عاقبة التكذيب بها في إشفاق الأخ الناصح لإخوانه، ولكنهم رموا الداعي إلى الحق المبين بالضلال المبين، وهكذا يبلغ الضال من الضلال أن يحسب أن من يدعوه إلى

ص: 2172

الهدى هو الضال، هكذا تنقلب الموازين، ويحكم الهوى، ويضل العباد بسبب إغواء الشيطان، وغياب دعوة الرسل، وغلبة حب الدنيا على الناس.

فماذا تقول الجاهلية اليوم عن المهتدين بهدي الله؟

إنها تسميهم الضالين، وتعد من يسقط منهم في الوحل والمستنقع الكريه بالرضا والقبول.

وماذا تقول الجاهلية اليوم للفتاة التي لا تكشف عن لحمها؟

وماذا تقول للفتى الذي يستقذر اللحم الرخيص؟

إنها تسمي ذلك كله تخلفاً وجموداً.

وماذا تقول الجاهلية لمن يترفع عن جنون اللعب، والفن، والحفلات الفارغة والملاهي؟

إنها تقول إنه جامد، مغلق على نفسه، وتنقصه المرونة والثقافة، وتحاول أن تجره إلى الوحل الساقط الهابط مع البهائم.

وينفي نوح عن نفسه الضلال، ويكشف لقومه عن حقيقة دعوته، فهو لم يبتدعها من أوهامه وأهوائه، إنما هو رسول رب العالمين، يحمل لهم الرسالة، ومعها النصح والأمانة، ويعلم من الله ما لا يعلمون:{قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61)} [الأعراف: 61].

وأرسلت إليكم: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62)} [الأعراف: 62].

وقد عجب هؤلاء الملأ أن يختار الله رسولاً من البشر من بينهم، ويحمله رسالة إلى قومه، وما من عجب في هذا الاختيار؟

فإذا اختار الله من البشر رسولاً، فالله أعلم حيث يجعل رسالته، فيتلقى هذا المختار عنه الحق، ويبلغه إلى خلقه ليسعدوا ويفلحوا فما العجب في ذلك؟

{أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63)} [الأعراف: 63].

ص: 2173

إن الفطرة حين تبلغ حداً معيناً من الفساد لا تتفكر ولا تتدبر، ولا تتذكر ولا تستجيب، ولا ينفع معها الإنذار ولا التذكير، وحينئذ تتحقق سنة الله في المكذبين المعرضين:{فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64)} [الأعراف: 64].

فبعماهم هذا كذبوا، وبعماهم لاقوا هذا المصير، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.

وتمضي عجلة الزمن، وتتابع الأيام، فإذا نحن أمام عاد قوم هود، وقوم عاد من ذرية نوح والذين نجوا معه في السفينة، وكانوا يعبدون الله وحده.

فلما طال عليهم الأمد، وتفرقوا في الأرض، ولعب معهم الشيطان لعبة الغواية، وقادهم من شهواتهم وفق الهوى لا وفق شريعة الله، عاد قوم هود إلى الجاهلية مرة أخرى.

يستنكرون أن يدعوهم نبيهم إلى عبادة الله وحده من جديد كما قال سبحانه: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65)} [الأعراف: 65].

وقبيلة عاد كانوا بالأحقاف، وهي كثبان رملية على حدود اليمن، وقد أضلهم الشيطان كما أضل قوم نوح، فاغتروا بقوتهم ودنياهم واستكبروا في الأرض كما قال الله عنهم:{فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15)} [فصلت: 15].

ولم يتدبروا، ولم يتذكروا، ما حل بقوم نوح صلى الله عليه وسلم من الغرق والهلاك.

وحذرهم نبيهم هود صلى الله عليه وسلم عافبة كفرهم.

وكأنما كبر على الملأ الكبراء من قومه أن يدعوهم واحد من قومهم إلى الهدى، وأن يستنكر منهم قلة التقوى، فراحوا يتهمونه بالسفاهة والكذب جميعاً في غير تحرج ولا حياد:{قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66)} [الأعراف: 66].

ص: 2174

فكشف لهم هود عن نفسه، وبين لهم العمل الذي أرسل به:{قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68)} [الأعراف: 67، 68].

وكلما جاء رسول ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم تعجب البشر من اختيار الله له من البشر.

وقد عجب قوم عاد من اختيار الله لهود صلى الله عليه وسلم نبياً لهم، كما عجب قوم نوح صلى الله عليه وسلم من قبل، فإذا هود صلى الله عليه وسلم يكرر لهم ما قاله نوح لقومه من قبل:{أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ} [الأعراف: 69].

ثم ذكرهم هود صلى الله عليه وسلم بنعمة الله عليهم من استخلافهم في الأرض من بعد قوم نوح صلى الله عليه وسلم، وأعطاهم قوة في الأجسام، وقوة في السلطان والسيطرة فقال:{وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)} [الأعراف: 69].

ونعمة هذا الاستخلاف، وهذه القوة والبسطة، تستوجب شكر النعمة، والحذر من البطر والكفر، واتقاء مصير المجرمين الغابرين.

ولكن الفكرة حين تنحرف لا تتفكر ولا تتدبر، ولا تتذكر، وهكذا أخذت الملأ العزة بالإثم، واختصروا الجدل، واستعجلوا العذاب استعجال من يستثقل النصح، ويهزأ بالإيمان والإنذار، فماذا قالوا لنبيهم هود:{قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70)} [الأعراف: 70].

وهكذا استعجل القوم العذاب فراراً من مواجهة الحق، واتباعاً للهوى والشهوات، ومن ثم كان الجواب حاسماً وسريعاً، فأرسل الله عليهم الريح العقيم، التي تدمر كل شيء بأمر ربها، وبلغهم نوح عاقبة تكذيبهم:{قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ} [الأعراف: 71].

وجاءهم العذاب صريحاً بالهواء الذي لا يستغني عنه أحد كما جاء العذاب قوم

ص: 2175

نوح بالماء الذي لا يستغني عنه أحد: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16)} [فصلت: 16].

لقد نزل بهم العذاب الذي لا دافع له، وغضب الله المصاحب له، وانتقم الله من هؤلاء المكذبين المعاندين، وأخزاهم في الدنيا والآخرة.

وأنجى الله هوداً ومن آمن به، وقطع دابر الكافرين، وتحقق النذير مرة أخرى بعد إذ لم ينفع التذكير، وطويت صفحة سوداء من صحائف المكذبين، وبقيت العاقبة للمتقين:{فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72)} [الأعراف: 72].

وتتوالى الأيام، وتمر الدهور، فتأتي أمة أخرى، أغواها الشيطان وأضلها عن هدي ربها، وها هي ذي نكسة أخرى إلى الجاهلية، ومشهد من مشاهد اللقاء بين الحق والباطل، ومصرع جديد من مصارع المكذبين بعد الإنذار والتبليغ، إنهم ثمود قوم صالح صلى الله عليه وسلم، دعاهم نبيهم صالح إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال سبحانه:{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}

[الأعراف: 73].

وقبيلة ثمود كانوا يسكنون الحجر وما حوله من أرض الحجاز بين المدينة وتبوك، وقد جاءهم صالح صلى الله عليه وسلم بآية بينة تدل على صدق نبوته، لعلهم إذا رأوها يؤمنون به فقال لهم:{قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)} [الأعراف: 73].

ثم أخذ صالح صلى الله عليه وسلم بالنصح لقومه بالتدبر والتذكر والتفكر في مصائر الغابرين، والشكر لله على نعمة الاستخلاف بعد أولئك الغابرين قائلاً لهم: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ

ص: 2176

مُفْسِدِينَ (74)} [الأعراف: 74].

فآمنت طائفة من قوم صالح صلى الله عليه وسلم، وكفرت طائفة، واتجه الملأ الذين استكبروا من قوم صالح إلى من آمن من الضعفاء بالفتنة والتهديد:{قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75)} [الأعراف: 75].

فعاد الضعاف بالإيمان أقوياء، فقد سكب الإيمان بالله القوة في قلوبهم، فأعلنوا للمستكبرين أنهم مؤمنون بما جاء به صالح صلى الله عليه وسلم.

فأعلن الملأ المستكبرون عن موقفهم في صراحة تحمل طابع التهديد، على الرغم من البينة التي جاءهم بها صالح صلى الله عليه وسلم، والتي لا تدع ريبة لمستريب:{قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76)} [الأعراف: 76].

ثم أتبعوا القول بالعمل، فاعتدوا على ناقة الله التي جاءتهم آية من عنده على صدق نبيه، والتي حذرهم نبيهم أن يمسوها بسوء فيأخذهم عذاب أليم، ولكنهم عتوا وهددوا وطغوا:{فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77)} [الأعراف: 77].

فماذا كانت عاقبة المجرمين؟ وماذا نزل بهم من العذاب؟.

{فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78)} [الأعراف: 78].

وهم إلى الآن في ديارهم جاثمون، أما صالح الذي كذبوه وتحدوه:{فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79)} [الأعراف: 79].

وقال سبحانه: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18)} [فصلت: 17،18].

وقال سبحانه: {وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (45)} [الذاريات: 43 - 45].

ص: 2177

وهكذا نزل عذاب الله بكل من طغى وبغى، وتجبر واستكبر، وكذب وتولى.

تارة بالماء .. وتارة بالريح .. وتارة بالرجفة، وتارة بالصاعقة .. وتارة بالصيحة {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44)} [يونس: 44].

وهكذا طويت صفحة من صحائف المكذبين الظالمين، وحق النذير بعد التذكير على المستهزئين:{فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159)} [الشعراء: 158،159].

وتمضي عجلة الزمن، وتتوالى الأيام، فيأتي عهد إبراهيم صلى الله عليه وسلم فيرسله الله إلى قومه داعياً إلى التوحيد، وكانوا يعبدون الأصنام من دون الله كما قال سبحانه:{وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52)} [الأنبياء: 51،52].

فماذا قال له قومه: {قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53)} [الأنبياء: 53].

فقال لهم: {قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54)} [الأنبياء: 54].

فبماذا أجابوه: {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55)} [الأنبياء: 55].

فقال لهم: {بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56)} [الأنبياء: 56].

فأقسم إبراهيم أنه سينتقل من المحاجة باللسان إلى تغيير المنكر بالفعل؛ ثقة بالله ودفاعاً عن دينه، فواجه قومه كلهم بقوله:{وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58)} [الأنبياء: 57،58].

فلما رجعوا وجدوا أصنامهم التي يعبدونها مكسرة قطعاً إلا الأكبر منها: {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61)} [الأنبياء: 59 - 61].

فلما جاء إبراهيم صلى الله عليه وسلم: {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (62)} [الأنبياء: 62].

فماذا قال لهم إبراهيم صلى الله عليه وسلم: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا

ص: 2178

يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65)} [الأنبياء: 63 - 65].

فلما أقروا بعجز أصنامهم وأنها لا تتمكن من الدفاع عن نفسها لا بالقول ولا بالفعل: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67)} [الأنبياء: 66،67].

فلما عجزوا عن محاجة إبراهيم أرادوا إظهار الغلبة بأي وجه كان، بالانتقام ممن فعل بأصنامهم ما فعل:{قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68)} [الأنبياء: 68].

فتوجه إبراهيم صلى الله عليه وسلم إلى ربه، فأمر الله النار فوراً أن تكون برداً وسلاماً على إبراهيم:{قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)} [الأنبياء: 69].

فأحبط الله كيدهم، وأنجى إبراهيم إلى الأرض المباركة في الشام، ورزقه إسحاق، ويعقوب نافلة، وجعل الجميع هداة ودعاة إلى دينه، يعبدون الله ويفعلون الطاعات، ويجتنبون ما نهاهم الله عنه كما قال سبحانه:{وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73)} [الأنبياء: 70 - 73].

ثم جعل الله الأنبياء بعد إبراهيم من نسله، وشرفه ببناء البيت مع ابنه إسماعيل كما قال سبحانه:{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)} [البقرة: 127].

وجعل سيد الأنبياء محمداً صلى الله عليه وسلم من نسله، حيث دعا ربه بقوله:{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)} [البقرة: 129].

وجعل ملته وشريعته ديناً يقتدى به من بعده، ولا يعرض عنه إلا من سفه نفسه

ص: 2179

كما قال سبحانه: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)} [البقرة: 130 - 132].

وفي زمن إبراهيم عاش لوط صلى الله عليه وسلم، وقد أرسله الله إلى القرية التي كانت تعمل الخبائث فماذا قال لهم:{وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81)} [الأعراف: 80،81].

والإسراف الذي يدمغهم به لوط صلى الله عليه وسلم هو الإسراف في تجاوز منهج الله، المتمثل في الفطرة السوية، والإسراف في الطاقة التي وهبهم الله إياها؛ لأداء دورهم في امتداد البشرية ونمو الحياة.

فإذا أراقوها في غير موضع الإخصاب فهي مجرد شهوة شاذة؛ لأن الله جعل لذة الفطرة الصادقة في تحقيق سنة الله الطبيعية.

ويتجلى الانحراف مرة أخرى في جوابهم لنبيهم: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82)} [الأعراف: 82].

إن فطرة الإنسان إذا انحرفت رأت الحق باطلاً، والباطل حقاً، والقذر نظيفاً، والخبيث طيباً، والنجس طاهراً.

من يتطهر يخرج من القرية إخراجاً، ليبقى فيها المدنسون الملوثون، إنها الجاهلية التي لا تطيق أن ترى المتطهرين، وترحب بأهل الأدناس والأقذار والنجاسة.

فماذا فعل الله بهؤلاء المفسدين؟، وماذا حل بديارهم؟.

{فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74)} [الحجر: 74].

رفعت ديارهم إلى السماء، ثم قلبت عليهم، وأتبعوا بحجارة من سجيل، وأمطروا مطراً مهلكاً، مع ما صاحبه من عواصف، فكان هذا المطر المغرق

ص: 2180

والماء الدافق لتطهير الأرض من ذلك الدنس الذي كانوا فيه، والوحل الذي عاشوا وماتوا فيه، وأنجى الله لوطاً وأهله إلا امرأته، ودمر العصاة الفاسقين كما قال سبحانه:{فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)} [الأعراف: 83،84].

ثم سارت عجلة الزمن فجاءت أمة أخرى، ولها صفحة من صحائف الأقوام المكذبة بما فيها من إنذار وتكذيب وإهلاك، وهم مدين الذين أرسل الله إليهم رسوله شعيباً، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال سبحانه:{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 85].

وقد جاءهم ببينة من ربه تثبت أنه مرسل من عند الله، ويدعوهم إلى توفية الكيل والميزان، والنهي عن الفساد في الأرض، والكف عن قطع الطريق على الناس، وعن فتنة المؤمنين عن دينهم كما قال شعيب لقومه:{قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} [الأعراف: 85،86].

وقوم شعيب كانوا مشركين بالله، لا يعبدون الله وحده، وكانوا لا يرجعون في معاملاتهم إلى شرع الله العادل، مع إفسادهم في الأرض، وقطع الطريق على سواهم.

فبدأ شعيب بدعوتهم إلى عبادة الله وحده، وإقرار منهج الله وحده في حياتهم، ويذكرهم بنعم الله عليهم، ويخوفهم عاقبة المفسدين من قبلهم فيقول لهم:

{وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86)} [الأعراف: 86].

كذلك يطلب منهم العدل وسعة الصدر، فلا يفتنون المؤمنين عن دينهم الذي

ص: 2181

هداهم الله إليه، ولا يقعدون لهم بكل صراط مهددين لهم، وأن ينتظروا حكم الله بين الفريقين، إن كانوا هم لا يريدون الإيمان كما قال شعيب صلى الله عليه وسلم:{وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87)} [الأعراف: 87].

لقد دعا شعيب قومه إلى أعدل خطة، ووقف عند آخر نقطة، لا يملك أن يتراجع عنها خطوة، وهي الانتظار والتعايش بغير أذى، وترك كل وما اعتنق من دين.

ولكن الطواغيت لا يرضيهم أن يكون للإيمان بالله وجود في الأرض ممثل في جماعة من الناس لا تدين للطاغوت، بل تدين لله.

إن وجود جماعة مسلمة كهذه يهدد سلطان الطواغيت، حتى لو انعزلت هذه الجماعة في نفسها، وتركت الطواغيت لحكم الله حين يأتي موعده.

إن الطاغوت يفرض المعركة فرضاً على الجماعة المسلمة، إن وجود الحق في ذاته يزعج الباطل، وهذا الوجود ذاته هو الذي يفرض عليه المعركة مع الباطل:{قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88].

فلما تلقى الملأ المستكبرون عرضه هذا بالتهديد بالإخراج من قريتهم، أو العودة في ملتهم صدع شعيب بالحق مستمسكاً بملته، كارهاً أن يعود في الملة الخاسرة التي أنجاه الله منها، واتجه إلى ربه سبحانه يدعوه ويستنصره:{قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)} [الأعراف: 88،89].

إن تكاليف العبودية للطواغيت فاحشة كبرى مهما لاح فيها من السلامة والأمن، وأي عبودية شر من خضوع الإنسان لما يشرعه له إنسان؟.

وأي عبودية شر من أن يكون للإنسان خطام أو لجام يقوده منه كيفما شاء إنسان؟ وفوق هذا فإن حكم الطواغيت يكلف الناس أموالهم التي لا يحميها

ص: 2182

شرع، كما يكلفهم أولادهم، إذ ينشئهم الطاغوت كما شاء على ما شاء من التصورات، والأخلاق الهابطة، والتقاليد الجاهلية، فوق ما يتحكم في طريقة حياتهم ذاتها، فيصبغهم باللون الذي يريد، ويذبحهم على مذبح هواه، ويقيم من جماجمهم وأشلائهم أعلام المجد والجاه لذاته.

ثم يكلفهم أعراضهم وشرفهم، فيتحكم الطاغوت في الفتيان والفتيات، ويمهد لهم أسباب الخنا والفجور تحت أي شعار؛ ليكسب محبة أرباب الشهوات، وقلوب مرضى القلوب:{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} [المائدة: 50].

والذي يتصور أنه ينجو بماله وعرضه وحياته وحياة أبنائه وبناته في حكم الطواغيت من دون الله إنما يعيش في وهم، أو يفقد الإحساس بالواقع، فلا بد من أمرين:

عبادة الله وحده .. واجتناب عبادة الطاغوت.

{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].

إن عبادة الطاغوت عظيمة التكاليف في النفس والمال والعرض، ومهما تكن تكاليف العبودية لله فهي أربح وأقوم، حتى بميزان هذه الحياة، فضلاً عن وزنها بميزان الله عز وجل الذي له ما في السموات وما في الأرض.

إن صلاح البشرية وفسادها متوقف على من بيده زمام أمرها من الأمراء والعلماء.

فهم الذين لهم الهيمنة كل الهيمنة على أزمة الأمور، وبيدهم السلطة المطلقة في تدبير شئون الإنسانية، وتتعلق بأذيالهم نفوس الأمة وآمالها، ويصوغون الحياة كما يحبون ولو كان يغضب الله ورسوله.

فإذا كان هؤلاء الزعماء ممن يؤمنون بالله ويرجون حسابه، فلا بد لنظام الحياة بأسره أن يسير على طريق من الخير والرشد والصلاح، وأن يعود الأشرار والفجار إلى كنف الدين، وهذه وظيفة الخليفة كما قال سبحانه: {يَادَاوُودُ إِنَّا

ص: 2183

جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)} [ص: 26].

وأما إذا كانت سلطة الزعامة والإمامة بأيدي رجال انحرفوا عن الدين الحق، وعصوا الله ورسوله، واتبعوا الشهوات، وانغمسوا في الفجور والطغيان، فلا محالة أن يسير نظام الحياة تدريجياً ثم كلياً بقضه وقضيضه على البغي والعدوان، والفواحش والمنكرات، ويدب دبيب الفساد والفوضى في الأفكار والعلوم، والآداب والأخلاق، والمعاشرات والمعاملات، وتنمو السيئات ويستفحل أمرها، وماذا بعد الحق إلا الضلال:{فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)} [القصص: 50].

إن أول ما يطالب به الله عباده أن يدخلوا في عبودية الحق كافة، مخلصين له الطاعة والانقياد، وأن لا يكون لحياتهم منهج إلا ما أنزله الله تعالى، وجاء به رسوله صلى الله عليه وسلم كما قال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208)} [البقرة: 208].

ثم الإسلام يطالبهم مع هذا بإزالة الفساد في الأرض، واستئصال شأفة السيئات والمنكرات، الجالبة على العباد غضب الله وسخطه والفتنة.

كما قال سبحانه: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)} [آل عمران: 104،105].

وهذه الغايات السامية من الاستقامة والدعوة والإصلاح لا يمكن أن يتحقق منها شيء ما دامت قيادة البشرية وتسيير شئونهم في الأرض بأيدي أئمة الكفر والضلال، وأتباع الحق وأنصاره مستسلمون لهؤلاء، منقادون لجبروتهم، قانعون بذكر الله وتلاوة كتابه في بيوتهم أو مساجدهم، منقطعون عن الدنيا وتدبير شئونها، راضون بما يتصدق عليهم هؤلاء الجبابرة من الأموال

ص: 2184

والإعانات، والتسهيلات والمسامحات، والشفاعات وقضاء الحاجات.

ومن هنا يظهر ما للإمامة الصالحة، وإقامة نظام الحق من أهمية كبرى تجعلها من غايات الدين وأسسه، ولذلك أوجب الله طاعة أولي الأمر الصالحين إذا حكموا وأمروا بما جاء عن الله ورسوله كما قال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)} [النساء: 59].

والمسلم لا يمكنه أن يبلغ رضا الله تعالى بأي عمل من أعماله إذا تناسى هذه الفريضة، وتقاعس عن القيام بها.

فإن غرض الدين الحقيقي وهدفه هو تحقيق العبودية لله رب العالمين في حياة البشرية كلها، وإقامة نظام الحق والإمامة الراشدة، وتوطيد دعائم الدين في الأرض كلها، حتى يكون الدين كله لله، وينسجم العالم البشري مع العالم الكوني كله في طاعة الله وعبادته سبحانه.

ولا يتم ذلك إلا وفق سنة الله بالدعوة إلى الله أولاً .. فإذا دخل الإيمان في قلوب البشر اشتاقت قلوبهم لمعرفة الأحكام .. وجاء عندهم الاستعداد لفعل الأوامر واجتناب النواهي .. فإذا حصل هذا وحقق البشر العبودية مكن الله لهم في الأرض كما قال سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)} [النور: 55].

ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ويؤمن بالله ورسوله لا يمكنه أن يرضى بتسلط النظام الباطل على البشرية، أو يقعد عن بذل نفسه وماله في سبيل إقامة الدين الحق في العالم.

فكل من يبدو في أعماله شيء من الضعف والاستكانة في هذا الباب فاعلم أنه مدخول في إيمانه، مرتاب في أمره، فكيف ينفعه عمل من أعماله بعد ذلك.

ص: 2185

وكل من يؤمن بالله ورسوله ويدين دين الحق لا ينتهي عمله فإنه يبذل جهده لإفراغ حياته في قالب الإسلام فحسب، بل يلزمه بمقتضى ذلك الإيمان أن يستنفد جميع قواه ومساعيه في انتزاع زمام الأمر من أيدي الكفار والفجار والظلمة الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، ويستعبدون البشر، حتى يتسلمه رجال ذو صلاح، ممن يتقون الله، ويرجون حسابه، ويقوم في أرض الله حكمه ودينه، وشرعه الذي ارتضاه لعباده، وأرسل به رسله، وبه صلاح الدنيا والآخرة.

إن الله تبارك وتعالى حين يدعو الناس إلى إقامة حكم الله وشرعه في الأرض، إنما يدعوهم لإنقاذ إنسانيتهم، وتحرير رقابهم من العبودية للعبيد إلى عبودية الله وحده.

كما يدعوهم لإنقاذ أرواحهم وأموالهم من هوى الطواغيت وشهواتهم.

إنه يكلفهم أعباء المعركة مع الطواغيت تحت رايته، لينقذهم من بلاء وشدائد أكبر وأكثر وأطول.

لذلك قالها شعيب صلى الله عليه وسلم مدوية حاسمة: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الأعراف: 89].

وما أحسن أخلاق الأنبياء، وما أحسن آداب أنبياء الله ورسله، إن شعيباً صلى الله عليه وسلم لكمال إيمانه ويقينه على ربه، بقدر ما يرفع رأسه، وبقدر ما يرفع صوته في مواجهة طواغيت البشر من الملأ الذين استكبروا من قومه، بقدر ما يخفض هامته، ويسلم وجهه أمام ربه الجليل الذي وسع كل شيء رحمةً وعلماً.

إنه يفوض الأمر إلى ربه في مستقبل ما يكون من أمره وأمر المؤمنين معه.

ثم يدع شعيب طواغيت قومه وتهديدهم، ويتجه إلى وليه بالتوكل الواثق، يدعو ربه أن يفصل بينه وبين قومه بالحق قائلاً:{عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)} [الأعراف: 89].

عندئذ توجه الملأ الكفار من قومه إلى المؤمنين به يخوفونهم ويهددونهم،

ص: 2186

ليفتنوهم عن دينهم كما قال سبحانه: {وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90)} [الأعراف: 90].

فالطواغيت يتوجهون أولاً إلى الداعية إلى الله ليسكتوه، ويصرفوه عن الدعوة إما بالأذى، أو بشغله بما يعطونه من الحطام ليكف عن الدعوة.

فإذا استعصم بربه وتمسك بإيمانه ولم يرهبه التخويف بما يملكه الطغاة من الوسائل والأسلحة تحولوا إلى الذين اتبعوه، يفتنونهم عن دينهم الحق بالوعيد والتهديد، ثم بالبطش والعذاب.

ولكن من سنة الله الجارية، أنه عندما يتمحض الحق والباطل، ويقفان وجهاً لوجه في مفاصلة كاملة، تجري سنة الله التي لا تتخلف، وهكذا كان لقوم شعيب:{فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91)} [الأعراف: 91].

فكل نبي لم يؤمر بقتال يتولى الله تدمير أعدائه وإهلاكهم بما شاء، وهكذا عاقب الله قوم شعيب بالرجفة والجثوم، جزاء التهديد والاستطالة، وبسط الأيدي بالأذى والفتنة للمؤمنين.

وطويت صفحة هؤلاء الكفار من أهل مدين، وباءوا بالهلاك والخسار والعذاب، وانفصلوا عن نبيهم شعيب صلى الله عليه وسلم، ولم يندم ولم ييأس على مصيرهم الأليم بعدما أبلغهم ونصحهم:{فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)} [الأعراف: 93].

وتوالى إرسال الرسل إلى البشرية، وكلهم يدعون إلى عبادة الله وحده، وإقامة الحياة على منهج الله وحده.

وأنشأ الله بعد هؤلاء المكذبين المعاندين قروناً آخرين، كل أمة في وقت مسمى، وأجل محدود، وأرسل إليهم رسلاً متتابعة لعلهم يؤمنون وينيبون، فلم يزل الكفر والتكذيب دأب الأمم العصاة والكفرة البغاة، كلما جاء أمة رسولها كذبوه وآذوه، مع أن كل رسول أوتي من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، فأهلك الله هؤلاء، ولم يبق منهم باقية وصاروا أحاديث يتحدث بأحوالهم من بعدهم،

ص: 2187

فكان ما أصابهم عبرة للمتقين، ونكالاً للمكذبين كما قال سبحانه:

{ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44)} [المؤمنون: 42 - 44].

ولقد جاءت هؤلاء المكذبين رسلهم تدعوهم إلى عبادة الله وحده، وإلى ما يسعدهم في الدنيا والآخرة، ولكنهم لم يفدهم هذا، ولا أغنى عنهم شيئاً، فلم يؤمنوا، فلما كذبوا رسلهم عاقبهم الله لردهم الحق:{وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101)} [الأعراف: 101].

وقد أخبر الله أن تلك الأمم التي أرسل الله إليها رسله أكثرهم لم يلتزم بوصية الله، ولم ينقَدْ لأوامر الله التي أرسل بها رسوله، بل اتبعوا أهواءهم، وأعرض أكثرهم عن هدي الله، ولم يستقم على دينه إلا القليل، ممن سبقت لهم من الله السعادة.

وأما أكثر الخلق فأعرضوا عن الهدى، واستكبروا عما جاءت به الرسل، فأحل الله بهم من العقوبات المتنوعة ما حل كما قال سبحانه:{وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)} [الأعراف: 102].

وبعد بعثة موسى صلى الله عليه وسلم ونزول التوراة رفع الله عذاب الاستئصال عن الأمم المكذبة، وشرع الله لرسله والمؤمنين بهم جهاد المكذبين المعاندين، ووعدهم النصر على أعدائهم بالإيمان والتقوى، والتوكل على الله، وإعداد ما يستطيعون من قوة، وقد فعل سبحانه فنصر أولياءه، وخذل أعداءه.

فقد ذكر الله الأمم المتتابعة على الهلاك، ثم أخبر أنه أرسل موسى بعدهم، وأنزل عليه التوراة فيها الهداية للناس كما قال سبحانه:{ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103)} [الأعراف: 103].

ص: 2188

وقال سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49)} [المؤمنون: 49].

فبعد نزول التوراة على موسى صلى الله عليه وسلم بعد إهلاك فرعون انقطع الهلاك العام، وشرع جهاد الكفار بالسيف كما قال سبحانه:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43)} [القصص: 43].

وموسى صلى الله عليه وسلم دعا قومه إلى عبادة الله وحده، وقد أرسله الله إلى فرعون، وإلى قومه بني إسرائيل، فآمن من قومه مَنْ آمن، وكفر من كفر، ولم يؤمن به إلا قليل على خوف من فرعون وملئه أن يفتنهم كما قال سبحانه:{فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83)} [يونس: 83].

وأما فرعون فأبى واستكبر وآذى موسى ومن آمن معه: فأهلكه الله بأن أغرقه وجنوده في البحر كما قال سبحانه: {وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40)} [الذاريات: 38 - 40].

ثم أضل الشيطان من آمن بموسى، وفرقهم فاختلفوا، فلما أطاعوا الشيطان وعصوا الرحمن تبدلت حياتهم من السعادة إلى الشقاوة كما قال سبحانه:{تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)} [النحل: 63].

وافترقت بنو إسرائيل من بعد موسى إلى طوائف:

فمنهم المتشددون في العبادة، ينكرون البدع، ويترخصون في حياتهم الشخصية، ويستمتعون بملاذ الحياة، ولا يعترفون بأن هناك قيامة.

وطائفة أخرى فيهم الزهد والتصوف، ينكرون على من قبلهم التشدد في العبادة، وجحدهم البعث والحساب، وفيهم غرور واعتزاز بالعلم والمعرفة.

وطائفة ثالثة وهم السامريون، يدينون بالكتب الخمسة في العهد القديم

ص: 2189

المعروفة، بالكتب الموسوية، وينفون ما سواها.

وطائفة رابعة يعيشون في عزلة عن بقية طوائف اليهود، ويأخذون أنفسهم بالشدة والتقشف، كما يأخذون جماعتهم بالشدة والتنظيم.

وغير ذلك من الطوائف التي يجمعها البلبلة في الاعتقاد، والاختلاف في الأعمال، والتبديل والتحريف.

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)} [البقرة: 87].

وقد حذر الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم من هذا الاختلاف وتلك الفرقة التي حصلت في أهل الكتاب بقوله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)} [آل عمران: 104،105].

ولهذا الاختلاف والفرقة، وضلال بني إسرائيل، وإعراضهم عن الدين الحق، أرسل الله لهم عيسى صلى الله عليه وسلم ليردهم إلى الدين الحق، وإلى التوحيد الذي تركوه بعد موسى كما قال سبحانه:{وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6)} [الصف: 6].

فلما جاء عيسى لبني إسرائيل بالبينات الدالة على صدق نبوته وصحة ما جاءهم به: من إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى ونحو ذلك من الآيات، قال لهم: قد جئتكم بالنبوة والعلم، ولأبين لكم صواب وجواب ما اختلفتم فيه من شريعة موسى صلى الله عليه وسلم، فجاء عليه الصلاة والسلام متمماً ومكملاً لشريعة موسى صلى الله عليه وسلم، ولأحكام التوراة، ومجدداً لما ترك منها.

وجاء بعض التسهيلات الموجبة للانقياد له وقبول ما جاءهم به، فدعاهم إلى عبادة الله وحده، وطاعته وامتثال أمره، واجتناب نهيه والإيمان برسالته وطاعته

ص: 2190

كما قال سبحانه: {وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (64)} [الزخرف: 63،64].

فلما جاءهم عيسى بهذا اختلف الأحزاب من بينهم، كل قال بعيسى صلى الله عليه وسلم مقالة باطلة، ورد ما جاء به إلا من هدى الله من المؤمنين الذين آمنوا بالله وشهدوا له بالرسالة، وصدقوا ما جاء به كما قال سبحانه:{فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65)} [الزخرف: 65].

لقد أرسل الله عيسى صلى الله عليه وسلم إلى بني إسرائيل ليبين لهم الذي يختلفون فيه، وقد اختلفوا في كثير من شريعة موسى، وانقسموا فرقاً وأحزاباً، ونقضوا العهد.

فدعاهم عيسى إلى تقوى الله وعبادته وطاعته فيما جاءهم به من عند الله، وجهر بكلمة التوحيد خالصة، وقال لهم: إن هذا صراط مستقيم، وجاء معه بشريعة التسامح والتهذيب الروحي، والعناية بالقلب البشري.

وكانوا ينتظرونه ليخلصهم مما كانوا فيه من الذل تحت حكم الرومان، وقد طال انتظارهم له، فلما جاءهم أنكروه وشاقوه، وهموا أن يصلبوه، وافتخروا بقتله كذباً وبهتاناً كما حكى الله عنهم:{وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)} [النساء: 156 - 158].

أما المؤمنون من أهل الكتاب بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر فلهم كغيرهم من المؤمنين أجر عظيم: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)} [النساء: 162].

وطارد اليهود أتباع عيسى صلى الله عليه وسلم وآذوهم، ثم ذهب عيسى صلى الله عليه وسلم إلى ربه، حيث رفعه الله إليه، واختلف أتباعه من بعده شيعاً وأحزاباً:

ص: 2191

بعضها يؤلهه .. وبعضها يقول هو ابن الله .. وبعضهم يقول: إن الله ثالث ثلاثة: أحدهم المسيح بن مريم، وضلوا عن الهدى، وفعلوا ما استحقوا به الكفر والضلال وغضب الله وسخطه.

وضاعت كلمة التوحيد الخالصة التي جاء بها عيسى صلى الله عليه وسلم، وضاعت دعوة الناس إلى الإيمان بربهم وعبادته مخلصين له الدين:{فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65)} [الزخرف: 65].

وهكذا انحرفت عقيدة النصارى، وصار أكثرهم كفاراً مشركين بالله كما قال سبحانه:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72)} [المائدة: 72].

وقال سبحانه: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74)} [المائدة:73، 74].

ثم بين الله قول الحق في المسيح بقوله: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)} [المائدة: 75،76].

وضل الناس عن الهدى والإيمان والتوحيد الذي جاء به الأنبياء بسبب الاختلاف والفرقة، والتحريف والتبديل، والكفر والشرك من أهل الكتاب، الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، ونقضوا العهد والميثاق، فلما فعلوا ذلك أنكر الله عليهم فقال:{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98)} [آل عمران: 98].

وقال سبحانه: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)} [آل عمران: 99].

ص: 2192

ثم أرسل الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالتوحيد الذي جاء به الرسل من هذه الأمة، وما زال بحمد الله باقياً صافياً، وإن كان حوله فرق ضالة عنه، وعالم آخر من البشرية لم يسمعه، وهذا الدين للبشرية كافة كما قال سبحانه لرسوله:{قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)} [الأعراف: 158].

إن الله تبارك وتعالى ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم نقل النبوة والرسالة من ذرية إسحاق إلى ذرية إسماعيل، ممثلة في الرسالة الأخيرة ورسولها، والأمة المسلمة التي تتبع منهجه، والرسالة الأخيرة التي أرسل الله بها محمداً صلى الله عليه وسلم إلى البشرية كافة هي امتداد لأمر مقرر مطرد من قديم كما قال سبحانه:{كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)} [الشورى: 3].

فمصدر الوحي واحد، فالموحي لجميع الأنبياء هو الله العزيز الحكيم، والموحى إليهم هم الرسل على مدار الزمان صلوات الله وسلامه عليهم.

وهذه الحقيقة حين تستقر في قلوب المؤمنين تشعرهم بأصالة ما هم عليه من الدين، ووحدة مصدره، وتشدهم إلى مصدر هذا الوحي وهو العلي العزيز الحكيم.

كما تشعرهم بالقرابة بينهم وبين المؤمنين، أتباع الوحي في كل زمان ومكان، فهذه أسرتهم تمتد جذورها في شعاب الزمن.

وهذا الإله الذي يوحي وحده إلى الرسل جميعاً: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4)} [الشورى: 4].

فكل ما في السموات وما في الأرض من شيء فهو لله، لا يشاركه فيه أحد سواه، وهو العلي العظيم، فليس هو الملك فحسب، ولكنه ملك العلو والعظمة على وجه التفرد كذلك.

وإذا استقر هذا في القلوب عرف الناس إلى أين يتجهون فيما يطلبون لأنفسهم

ص: 2193

من خير، ومن رزق، ومن كسب.

إن الله جل جلاله مالك هذا الكون كله يصرفه كيف يشاء، وله الكبرياء والعظمة، والعزة والجبروت، والجلال والجمال، وهو العلي العظيم.

وتكاد السموات تتفطر من روعة العظمة التي تشعر بها لربها، ومن زيغ بعض أهل الأرض:{تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5)} [الشورى: 5].

والسموات هي هذا الخلق الهائل العظيم المرفوع الذي نراه يعلونا حيثما كنا على ظهر هذه الأرض.

هذه السموات يكدن يتفطرن من فوقهن من خشية الله وعظمته وعلوه، وإشفاقاً من انحراف بعض أهل الأرض، ونسيانهم لهذه العظمة والكبرياء التي يحسها ضمير هذا الكون فيرتعش وينتفض، ويكاد ينشق من أعلى مكان فيه.

والملائكة أهل طاعة مطلقة، وهم أولى الخلق بالطمأنينة، ولكنهم دائبون في تسبيح ربهم؛ لما يحسون من علوه وعظمته، ولما يخشون من التقصير في طاعته وحمده، بينما أهل الأرض لجهلهم ينكرون ويكفرون ويشركون وينحرفون، فتشفق الملائكة من غضب الله عز وجل، ويروحون يستغفرون لأهل الأرض مما يقع في الأرض من معصية وتقصير في حق هذا الإله الذي يجمع إلى العزة والحكمة العلو والعظمة، ثم المغفرة والرحمة.

أما مركز القيادة الجديدة، وموضع الرسالة الأخيرة، فهو أم القرى مكة المكرمة، وأنزل سبحانه القرآن بلغتها العربية لأمر يعلمه ويريده، والله أعلم حيث يجعل رسالته:{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7)} [الشورى: 7].

لقد جاء الإسلام رحمة من الله لينقذ البشرية كلها مما وقعت فيه من انحلال وفساد واضطهاد، وجاهلية عمياء، في كل مكان معمور من الأرض.

فقد حرفت شريعة الله التي جاء بها أنبياء بني إسرائيل من قبل اليهود والنصارى،

ص: 2194

وبدلت وأقصيت من حياة الناس.

وجاء القرآن الكريم ليهيمن على حياة البشرية، ويقودها في الطريق إلى الله على هدىً ونور كما قال الله لرسوله:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)} [المائدة: 48].

وهكذا جاء القرآن عربياً لينذر أم القرى ومن حولها، فلما خرجت الجزيرة العربية من الجاهلية إلى الإسلام وخلصت كلها للإسلام، حملت الراية الإسلامية إلى جميع جهات الأرض، وقدمت الرسالة الجديدة والشريعة السمحة للبشرية جمعاء كما قال سبحانه:{هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52)} [إبراهيم: 52].

أما الجهة التي يرجع إليها عند الاختلاف فهي هذا الوحي الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)} [فصلت: 42].

القرآن الذي أنزل الله فيه حكمه القاطع وقوله الفصل في أمر الدنيا والآخرة، وأقام للناس به المنهج الذي اختاره لهم في حياتهم ومعاشهم وأخلاقهم، وبيَّن لهم هذا كله بياناً شافياً.

وجعل سبحانه هذا القرآن كتاباً جامعاً شاملاً لحياة البشر، فإذا اختلفوا في أمر أو اتجاه فحكم الله حاضر بين في هذا الوحي الذي أوحاه الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم لتقوم الحياة على أساسه:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)} [الشورى: 10].

والدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الدين الذي بعث الله به جميع رسله، وهو الإسلام، فالرسالة واحدة، يحملها للبشرية رسول بعد رسول كما قال سبحانه: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ

ص: 2195

وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13)} [الشورى: 13].

وإذا كان الذي شرعه الله من الدين للمسلمين المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم هو ما وصى به نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ففيم يتقاتل أتباع موسى، وأتباع عيسى؟ وفيم يتقاتل أتباع موسى وعيسى مع أتباع محمد صلى الله عليه وسلم؟. وفيم يتقاتل من يزعمون أنهم على ملة إبراهيم من المشركين مع المسلمين؟.

ولم لا يجتمع الكل ليقفوا تحت الراية الواحدة التي يحملها رسولهم الأخير؟.

ولم لا يتحدوا لينفذوا الوصية الواحدة الصادرة للجميع؟.

{أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13].

ولكن المشركين في أم القرى ومن حولها وهم يزعمون أنهم على ملة إبراهيم وقفوا من هذه الدعوة موقفاً آخر: {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [الشورى: 13].

والتفرق الذي وقع مخالفاً لتلك الوصية التي أوصى الله بها رسله لم يقع عن جهل من أتباع أولئك الرسل الكرام ولكن عن علم، وقع بغياً وظلماً وحسداً:{وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [الشورى: 14].

تفرقوا تحت تأثير الأهواء الجائرة، والشهوات الباغية، ولو أخلصوا لعقيدتهم واتبعوا منهجهم ما تفرقوا، ولقد كانوا يستحقون أن يأخذهم الله بعذاب أخذاً عاجلاً جزاء بغيهم وظلمهم وتفرقهم، ونقضهم العهد والميثاق.

ولكن كلمة سبقت من العزيز الرحيم لحكمة أرادها بإمهالهم إلى أجل مسمى، ولولا هذه الكلمة لقضي بينهم، فحق الحق، وبطل الباطل، وانتهى الأمر في هذه الحياة الدنيا، ولكنهم مؤجلون إلى يوم الوقت المعلوم.

فأما الأجيال الذين ورثوا الكتاب من بعد أولئك الذين تفرقوا واختلفوا من أتباع كل نبي فقد تلقوا عقيدتهم وكتابهم بغير يقين جازم؛ لوجود الخلاف والشك، والغموض والحيرة بين شتى المذاهب كما قال سبحانه: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا

ص: 2196

الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14)} [الشورى: 14].

وما هكذا تكون العقيدة، فالعقيدة يجب أن تكون راسخة في القلب، ظاهرة على الجوارح، شاملة لمنهج الحياة.

ولقد جاءت على أيدي الرسل ليعرف الناس طريقهم إلى الله، ويتوجهوا إليه، ويقودوا من وراءهم من البشر من غير تردد ولا ضلال ولا ارتياب.

فأما حين تصبح العقيدة موضع شك، ومثار ريبة، وأهلها اشرأبوا وشكوا، فهم غير صالحين لقيادة أحد، وهم أنفسهم حائرون.

وعند هذا الحد يتبين أن البشرية قد آلت إلى فوضى وارتياب، ولم تعد لها قيادة راشدة تقوم على نهج ثابت قويم.

فرسالة الله التي تقود البشرية إلى النور والهدى والسعادة في الدنيا والآخرة قد آلت إلى اختلاف بين أتباعها، والذين جاءوا من بعدها تلقوها في ريبة وشك، ولا تستقيم معها قيادة راشدة، وكذلك كان حال أتباع الرسل يوم جاء هذا الدين الجديد.

فالدين الذي جاء به الرسل صار فريسة العابثين والمتلاعبين، ولعبة المنافقين والمحرفين، حتى فقد شكله، وروحه، وطعمه، وريحه، فلو بُعث أصحابه الأولون لم يعرفوه، وأصبحت معاقل الإسلام، وأماكن التوحيد والإيمان، ومهود العلم والحضارة، مسرحاً للفوضى والانحلال والاختلال، وسوء النظام، وعسف الحكام، واختفت السنن، وظهرت البدع.

وشغلت الأمة بنفسها لا تحمل للعالم رسالة، ولا للأمم دعوة، وأفلست في معنوياتها، ونضب معين حياتها، لا تملك مشرعاً صافياً من الدين السماوي، ولا نظاماً ثابتاً من الحكم البشري.

وصار العالم يسير على شفا جرف هار من الفوضى والتمزق؛ لأن الذي ينظم حياة الأمة جفاه أهله، فانهارت حياتهم، وأظلمت ديارهم، وصارت مسرحاً للعابثين والدجالين والظالمين.

ص: 2197

وصارت الأمم والقبائل والشعوب تتحارب وتتناحر، ويأكل بعضها بعضاً، فلا دين يحكمهم، ولا شريعة تعدل بينهم.

أما النظم التي حرفها أهل الكتاب من اليهود والنصارى فكانت تعمل على الفرقة والانهيار بدلاً من الاتحاد والنظام، وغاب الدين الحق من حياة الأمة فتاهت في الظلمات، وغرقت في بحر الشهوات.

وبين مظاهر هذا الفساد الشامل العام الطام .. فالله لا يترك خلقه بلا دين ينظم حياتهم .. ويصلهم بربهم .. ويجمع كلمتهم .. ويوحد صفوفهم.

فأكرم الله البشرية كلها ببعثه هادياً جديداً، يهدي الأمة إلى الصراط المستقيم هو محمد صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء والمرسلين، الذي أرسله الله رحمة للعالمين:{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164)} [آل عمران: 164].

فإن أتباع الرسل قبله قد تفرقوا من بعد ما جاءهم العلم، ولأن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم كانوا في شك منه مريب.

لهذا وذاك .. ولانتشار الفساد والظلم والفواحش .. وللتبديل والتحريف في الكتب المنزلة السابقة .. ولخلو مركز القيادة البشرية من قائد مؤمن راشد ثبت مستيقن يعرف طريقه إلى الله، ويوجه الناس إليه .. لذا أرسل الله الكريم الرحيم رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالرسالة الأخيرة الكاملة إلى الناس كافة إلى يوم القيامة كما قال سبحانه:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28)} [سبأ: 28].

ووجه الله تبارك وتعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم الأمر، وأمره أن يدعو، وأن يستقيم على دعوته، وأن لا يلتفت إلى الأهواء المصطرعة حوله، وحول دعوته الواضحة المستقيمة، وأن يعلن تجديد الإيمان بالدعوة إلى التوحيد التي شرعها الله للنبيين أجمعين فقال لهم سبحانه: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا

ص: 2198

تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)} [الشورى: 15].

إنها القيادة الجديدة للبشرية جمعاء، القيادة الحازمة المستقيمة على منهج الله، تدعو إلى الله على بصيرة، وتستقيم على أمر الله دون انحراف، وتنأى عن الأهواء المنحرفة التي تهب من هنا وهناك.

إنها الرسالة السماوية الأخيرة التي جاء بها سيد الخلق لخير أمة أخرجت للناس، وأنزل عليها القرآن العظيم، وجعله مهيمناً على سائر الكتب قبله، فيه تبيان كل شيء، وتفصيل كل شيء.

فجاءت هذه الرسالة العامة المباركة لتعلن وحدة الرسالة، ووحدة الكتاب، ووحدة المنهج والطريق، وترد الإيمان إلى أصله الثابت، وترد البشرية كلها إلى ذلك الأصل الواحد:{فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)} [البقرة: 137،138].

جاءت هذه الرسالة لتمضي في طريقها لا تتأثر بأهواء البشر، وجاءت لتهيمن فتحقق العدالة في الأرض، وجاءت لتوحد الطريق إلى الله كما هو في حقيقته موحد على مدى الرسالات، ليؤمن الناس بربهم، ويعبدونه لا يشركون به شيئاً كما قال سبحانه:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)} [الأنبياء: 25].

والله تبارك وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالدين الكامل، وربى النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بهذا الدين، وأقام الجماعة المسلمة التي تهيمن وتقود البشرية بعد وفاته بهذا الدين، ولهذه الجماعة المختارة التي سوف تتحمل المسؤولية صفات وخصائص تكون بها صالحة للقيادة العملية للبشرية، وأهم هذه الصفات: الإيمان .. والتوكل على الله .. واجتناب كبائر الإثم والفواحش.

ص: 2199

والمغفرة عند الغضب .. والاستجابة لله ولرسوله .. وإقامة الصلاة .. والشورى الشاملة .. والإنفاق مما رزق الله .. والانتصار من البغي .. والعفو .. والإصلاح .. والتواصي بالحق.

هذه أهم مقومات الأمة المسلمة التي سوف تتحمل أمانة الدين بعد نبيها صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة.

إن في هذه الأرض متاعاً جذاباً براقاً، وهناك أرزاق وأولاد، وشهوات ولذائذ، وجاه وسلطان، وهناك نعم آتاها الله لعباده في الأرض هبة خالصة من الكريم المنان، لا تتعلق بطاعة ولا معصية، ولكن هذا كله ليس له قيمة ثابتة باقية، إنما هو متاع زائل، متاع محدود الأجل، لا يرفع ولا يخفض، ولا يعد بذاته دليل كرامة عند الله أو مهانة، ولا يعتبر بذاته علامة رضاً من الله أو غضب:{فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36)} [الشورى: 36].

فما عند الله خير في ذاته، وأبقى في مدته، ومتاع الحياة الدنيا زهيد بالنسبة إلى ما عند الله في الآخرة، والعطاء في الدنيا والآخرة كله من عند الله، ومن فضله وإحسانه.

هذا ما يجب أن يعلمه الذين آمنوا، فعن طريق الإيمان بالله ينشأ الإدراك لحقيقة هذا الوجود، ومن ثم ينسق المسلم حركته مع حركة هذا الوجود الكبير سامعاً مطيعاً لربه، ولا ينحرف ولا يشذ عن طاعة ربه.

ويمضي مع الوجود كله إلى بارئ الوجود في طاعة وسلام واستسلام، وهذه الصفة لازمة لكل إنسان، ولكنها ألزم ما تكون للجماعة المسلمة التي تقود البشرية وتهديها إلى بارئ الوجود.

وقيمة الإيمان كذلك الطمأنينة النفسية، والثقة بالطريق، وعدم الحيرة أو التردد أو الخوف أو اليأس.

وهذه الصفات لازمة للأمة التي سوف تقود البشرية إلى ربها.

ص: 2200

وقيمة الإيمان التجرد كذلك من الهوى والأغراض والمصالح، إذ يصبح القلب متعلقاً بهدف أبعد من ذاته، ويحس أن ليس له من الأمر شيء، إنما هي دعوة إلى الله، وهو فيها أجير عند الله:{قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47)} [سبأ: 47].

وهذا الشعور ألزم ما يكون لمن توكل إليه مهمة القيادة، كي لا يقنط إذا أعرض عنه الشارد أو المعاند من البشر، أو أوذي في الدعوة، ولا يغتر إذا ما استجابت له الأمة، أو دانت له الرقاب، فإنما هو أجير.

ولقد آمنت العصبة الأولى من المسلمين إيماناً كاملاً أثر في نفوسهم وأخلاقهم وسلوكهم تأثيراً عجيباً، وأثر في غيرهم ممن عاصرهم، وما زال يؤثر فيمن بعدهم، وكانت صورة الإيمان في النفوس البشرية قد بهتت وغمضت حتى فقدت تأثيرها في أخلاق الناس وسلوكهم.

فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشأ صورة للإيمان حية مؤثرة فاعلة، تصلح بها هذه العصبة للقيادة التي وضعت على عاتقها مسؤولية:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].

فالإيمان الذي تلقته هذه الأمة من نبيها حل جميع عقد الشرك والكفر؛ فانحلت العقد كلها، وجاهدهم الرسول صلى الله عليه وسلم جهاده الأول فلم يحتج إلى جهاد مستأنف لكل أمر ونهي، وانتصر الإسلام على الجاهلية في البداية، فكان النصر حليفه في كل معركة، وقد دخل هؤلاء الصفوة الأخيار في السلم كافة بقلوبهم وأرواحهم وجوارحهم كافة.

لا يشاقون الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى، ولا يجدون في أنفسهم حرجاً مما قضى، ولا يكون لهم الخيرة من بعد ما أمر أو نهى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)} [الأحزاب: 36].

حتى إذا خرج حظ الشيطان من نفوسهم، بل خرج حظ نفوسهم من نفوسهم،

ص: 2201

وأصبحوا في الدنيا رجال الآخرة، لا تجزعهم مصيبة، ولا تبطرهم نعمة، ولا يشغلهم فقر، ولا يطغيهم غنىً، ولا تلهيهم تجارة، ولا تستخفهم قوة، ولا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، وأصبحوا للناس القسطاس المستقيم.

أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأحسنها أخلاقاً، وأزكاها نفوساً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة شرعه، وإبلاغ دينه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تَسُبُّوا أصْحَابِي، فَلَوْ أنَّ أحَدَكُمْ أنْفَقَ مِثْلَ أحُدٍ ذَهَبًا، مَا بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ» متفق عليه (1).

وقال صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم» متفق عليه (2).

وكان علمهم بالله قبل ذلك باهتاً، وكانوا قبل ذلك يسجدون للأصنام والأوثان، وكانوا يؤمنون بالله كصانع أتم عمله واعتزل، وتنازل عن مملكته لأناس خلع عليهم خلعة الربوبية، فأخذوا بأيديهم أزمة الأمور، وتولوا إدارة المملكة، وتدبير شئونها، وتوزيع أرزاقها، وهكذا زين لهم الشيطان سوء أعمالهم.

فكانت ديانتهم سطحية طافية، ليس لها سلطان على أرواحهم ونفوسهم وقلوبهم، ولا تأثير لها في أخلاقهم وسلوكهم.

وكان إيمانهم بالله، وإحالتهم خلق السموات والأرض إلى الله، لا يزيد على جواب تلميذ قيل له: من بنى هذا القصر؟

فيسمي ملكاً من الملوك دون أن يخافه أو يخضع له، فكان دينهم عارياً عن الخشوع لله، ودعائه، وهيبته، وما كانوا يعرفون عن الله ما يولد عظمته في قلوبهم، ولا ما يحببه إليهم، فكانت معرفتهم مبهمة غامضة، قاصرة مجملة، لا تبعث في نفوسهم هيبة، ولا محبة، ولا عبادة.

فانتقل العرب والذين أسلموا من هذه المعرفة العليلة الغامضة الميتة إلى معرفة

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (3673) واللفظ له، ومسلم برقم (2541).

(2)

متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (2652) واللفظ له، ومسلم برقم (2533).

ص: 2202

عميقة واضحة روحية، ذات سلطان على النفس والروح، والقلب والجوارح، ذات تأثير في الأخلاق والسلوك، وذات سيطرة على الحياة وما يتصل بها.

آمنوا بالله الذي خلق كل شيء، المالك لكل شيء، وله الخلق والأمر، وعلموا أنه يثيب على الطاعة الجنة، ويعاقب على المعصية بالنار، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وبيده مقاليد الأمور في السماء والأرض.

وظهر منهم من روائع الإيمان واليقين، وقوة الصبر والشجاعة، ما حير العقول، ولا يزال موضع حيرة ودهشة إلى الأبد، وعجز العلم عن تعليله بشيء غير الإيمان الكامل العميق بالله سبحانه.

وكان هذا الإيمان قوة باعثة، ومدرسة خلقية ونفسية تملي على صاحبها الفضائل الخلقية: من صرامة إرادة، وقوة نفس، ومحاسبتها والإنصاف منها، وكان أقوى وازع عرف التاريخ يزجر النفس عن الزلات والسقطات.

فإذا سقط الإنسان سقطة أو زلّ زلة حيث لا تراقبه عين، ولا يعلم به أحد، تحول هذا الإيمان نفساً لوامة، عنيفة، لا يرتاح معه صاحبه حتى يعترف بجرمه، ويعرض نفسه للعقوبة الشديدة، ويتحملها مرتاحاً مطمئناً؛ تفادياً من سخط الله، وعقوبة الآخرة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتَى رَجُلٌ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَنَادَاهُ فقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي زَنَيْتُ، فَأعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فقَالَ:«أبِكَ جُنُونٌ؟» . قَالَ: لا، قَالَ:«فَهَلْ أحْصَنْتَ» . قَالَ: نَعَمْ، فقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ» متفق عليه (1).

وكان هذا الإيمان الذي أكرمهم الله به حارساً لأمانة الإنسان وعفافه وكرامته، يملك نفسه أمام المطامع والشهوات الجارفة، وفي الخلوة والوحدة حيث لا يراه أحد، وفي سلطانه ونفوذه حيث لا يخاف أحداً.

(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (6815) واللفظ له، ومسلم برقم (1691).

ص: 2203

وكل ذلك ثمرة الإيمان ومراقبة الله، واستحضار علمه في كل مكان وزمان.

وكانوا قبل هذا الإيمان في فوضى من الأخلاق والسلوك والأفعال، والشرك، والظلم والفساد، لا يخضعون لسلطان، ولا يقرون بنظام، يسيرون على الأهواء، ويركبون العمياء، ويخبطون خبط عشواء.

فأصبحوا الآن في حظيرة الإيمان والعبودية لا يخرجون منها، واعترفوا لله بالملك والسلطان، والأمر والنهي، والتحليل والتحريم، بالعبودية لله، والطاعة المطلقة لله ورسوله، واستسلموا لربهم، وأصبحوا عبيداً لا يملكون مالاً ولا نفساً، ولا تصرفاً في الحياة إلا ما يأذن الله به ويسمح به.

لا يحاربون ولا يصالحون إلا بإذن الله، ولا يرضون ولا يسخطون ولا يعطون ولا يمنعون، ولا يَصِلون ولا يقطعون إلا بإذن الله وفق أمره.

هذا الإيمان الذي انطبع في قلوب الجماعة التي اختارها الله لقيادة البشر ودعوتها بهذه العقيدة.

ومن مقتضيات هذا الإيمان التوكل على الله، فالإيمان بالله وحده يقتضي التوكل عليه وحده دون سواه، وهذا الشعور ضروري لكل مؤمن، كي يقف رافع الرأس، لا يحني رأسه إلا لله، مطمئن القلب بالله، لا يرجو ولا يرهب أحداً إلا الله.

فهذا هو التوحيد في أكمل صوره، إيمان بالله وأسمائه وصفاته، ويقين أنه لا يستطيع أحد في هذا الوجود أن يفعل شيئاً إلا بمشيته، وأنه لا يقع شيء إلا بإذنه، ومن ثم يقصر توكله على ربه، ولا يتوجه المؤمن في فعل ولا ترك لمن عداه، وطهارة القلب ونظافة السلوك من كبائر الإثم والفواحش أثر من آثار الإيمان الصحيح، وضرورة من ضرورات القيادة الراشدة.

وما يبقى قلب على صفاء الإيمان ونقاوته وهو يقدم على كبائر الذنوب والمعاصي ولا يتجنبها، وما يصلح قلب للقيادة وقد فارقه صفاء الإيمان، وطمسته المعصية، وذهبت بنوره السيئات.

ص: 2204

ولقد ارتفع الإيمان في قلوب تلك العصبة المؤمنة حتى بلغت في سلوكها وأخلاقها وأعمالها ما تحار فيه العقول، وتأهلت بذلك لقيادة البشرية قيادة غير مسبوقة ولا ملحوقة.

والله سبحانه يعلم ضعف الإنسان، فجعل الحد الذي يصلح به للقيادة والذي ينال معه ما عند الله هو اجتناب كبائر الإثم والفواحش، لا صغائر الآثام والذنوب كما قال سبحانه:{وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37)} [الشورى: 37].

ورحمة الله واسعة، فتسع ما يقع من الإنسان من هذه الصغائر؛ لأنه أعلم بطاقته، وهذا فضل من الله، وسماحة ورحمة بهذا الإنسان، وذلك يوجب الحياء من الله، فالسماحة تخجل، والعفو يثير في القلب الكريم معنى الحياء من العفو.

ومن صفات تلك العصبة المختارة أنهم إذا ما غضبوا يغفرون، وتأتي هذه الصفة بعد الإشارة الخفية إلى سماحة الله مع الإنسان في ذنوبه وأخطائه، فتحبب في السماحة والمغفرة بين العباد.

والله عز وجل لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولا يحملها فوق طاقتها، فهو يعلم أن الغضب انفعال بشري ينبع من فطرته، وهو ليس شراً كله، فالغضب لله ولدينه وللحق والعدل مطلوب وفيه الخير.

ومن ثم لا يحرم الغضب لذاته، ولا يجعله خطيئة، ولكنه في الوقت ذاته يدعوه ربه إلى أن يغلب غضبه، وأن يغفر ويعفو، ويحسب له هذه صفة مثلى من صفات الإيمان المحببة.

جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أوصني، قال:«لا تَغْضَبْ» . فَرَدَّدَ مِرَاراً، قَالَ:«لا تَغْضَبْ» أخرجه البخاري (1).

والرسول صلى الله عليه وسلم لم يغضب لنفسه قط، إنما كان يغضب لله، فإذا غضب لله لم يقم

(1) أخرجه البخاري برقم (6116).

ص: 2205

لغضبه شيء، ولكن هذه درجة عالية، لم يكلف الله نفوس المؤمنين إياها وإن كان يحببهم فيها، إنما يكتفي منهم بالمغفرة عند الغضب، والعفو عند القدرة، ما دام الأمر متعلقاً بالأشخاص.

ومن صفاتهم الاستجابة لربهم في كل أمر كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38)} [الشورى: 38].

فأزالوا العوائق التي تقوم بينهم وبين ربهم، تلك العوائق الكامنة في النفس التي تمنع الوصول إلى ربها، وما يقوم بين النفس وربها إلا عوائق من نفسها، عوائق من شهواتها ونزواتها.

فإذا خلصت من هذا كله، وجدت الطريق إلى ربها مفتوحاً وموصولاً، وحينئذ تستجيب بلا عائق، ولا تقف أمام كل تكليف بعائق من هوى يمنعها أو شهوة تقعدها، وهذه هي الاستجابة، ومن صورها:(وأقاموا الصلاة) وللصلاة في هذا الدين مكانة عظمى، فهي الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي صورة الاستجابة الأولى لله، وهي الصلة بين العبد وربه، وهي مظهر المساواة بين العباد في الصف الواحد ركعاً وسجداً لله، لا يرتفع رأس على رأس، ولا تتقدم رِجل على رِجل، ولا يعلو صوت على صوت.

ومن صفات هؤلاء الأخيار: أن أمرهم كله شورى بينهم، فقد تحملوا مسؤولية الدين، وإقامة الدين، والعمل بالدين، وتعليم الدين، والدعوة إلى الدين، وكل هذه أمور عظام تحتاج إلى عقول تفكر وتشاور، ثم تسمع وتطيع، ثم تباشر العمل في الميدان، فالشورى طابع الجماعة الإسلامية التي أمرها الله بإبلاغ دينه، وتوجيه العباد إلى ربهم، إن الشورى طابع ذاتي للحياة الإسلامية، وسمة مميزة للجماعة الإسلامية المختارة لهداية البشرية وقيادتها.

والشورى من ألزم وأهم صفات القيادة والدعوة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في أمر الدين ونشره، وقد أمره ربه بذلك كما قال سبحانه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ

ص: 2206

وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)} [آل عمران: 159].

أما شكل الشورى فهو متروك للصورة الملائمة لكل بيئة وزمان، فالنظم الإسلامية كلها ليست أشكالاً جامدة، وليست نصوصاً حرفية، إنما هي قبل كل شيء روح ينشأ عن استقرار حقيقة الإيمان في القلب، وتكيف الشعور والسلوك بهذه الحقيقة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

والبحث في أشكال الأنظمة والأحكام الإسلامية دون الاهتمام بحقيقة الإيمان الكامنة وراءها لا يؤدي إلى شيء، فلا بدَّ من الإيمان أولاً، والعمل الصحيح ثانياً:{فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)} [الكهف: 110].

ولا بدَّ للمسلم من الإنفاق فيما يرضي الرب تبارك وتعالى؛ تطهيراً للقلب من الشح، واستعلاء على حب المال، وثقة بما عند الله، وكل هذه ضرورية لاستكمال معنى الإيمان، فإن الدين بذل وترك من أجل مصلحة الدين، وأمر ونهي، وحب وبغض في الله.

والدعوة كفاح، فلا بدَّ من التكافل في هذا الكفاح وجرائره، ولهذا كان من صفاتهم:{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)} [البقرة: 3].

وكان التكافل بين تلك الصفوة المختارة كاملاً، بحيث لا يبقى لأحد مال متميز كما حدث في أول العهد المدني بهجرة المهاجرين من مكة، ونزولهم على إخوانهم الأنصار في المدينة، فأكرموهم وأضافوهم ابتغاء وجه الله، فلما هدأت حال الأمة، وضعت الأسس الدائمة للإنفاق في الزكاة، فالإنفاق في عمومه سمة من سمات الجماعة المؤمنة المختارة للقيادة بهذه الصفات العالية.

ومن صفاتهم الكريمة: صفة الانتصار من البغي، وعدم الخضوع للظلم، وهذا طبيعي بالنسبة لجماعة أخرجت للناس، لتكون خير أمة تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتغشى أوساط الناس، وممالك الدول، وتهيمن على حياة البشرية بالحق والعدل كما قال سبحانه:{وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)} [الشورى: 39].

ص: 2207

فمن طبيعة هذه الجماعة ووظيفتها أن تنتصر من البغي، وأن تدفع العدوان الجائر الذي يهلك الحرث والنسل رحمة بالعباد.

وأَمْرُ المؤمنين بكف أيديهم عمن يؤذيهم من الكفار في مكة أَمْرٌ عارض لا يتعلق بخصائص الجماعة الثابتة الأصيلة، وله أسبابه الخاصة، إلى جانب ما فيه من تربية المسلمين على الصبر.

ولقد كانت هناك أسباب خاصة لاختيار أسلوب المسالمة والصبر في العهد المكي منها:

أن إيذاء المسلمين الأوائل وفتنتهم عن دينهم لم يصدر عن هيئة مسيطرة، إنما هو تعذيب فردي، فالذين يؤذون من أسلم هم غالباً خاصة أهله، ولم يكن أحد يجرؤ على إيذائه، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يحب أن تقع معركة في كل بيت بين الفرد المسلم من هذا البيت والذين لم يسلموا بعد، والمسالمة كانت أقرب إلى إلانة القلوب من المخاشنة.

ومنها أن البيئة العربية كانت بيئة نخوة ونجدة تثور لصاحب الحق الذي يقع عليه الأذى والظلم، وصبر المسلمين على الأذى كان أقرب إلى استثارة هذه النخوة في صف الإسلام والمسلمين، وهذا ما حصل في حادث الشعب، وحصر بني هاشم فيه، فقد صارت النخوة ضد هذا الحصار، ومزقت العهد الذي حوته الصحيفة من الظلم والجور.

ومنها أن البيئة العربية كانت بيئة حرب ومسارعة إلى السيف، وأعصاب متوفزة لا تنفع لنظام.

والتوازن في الشخصية الإسلامية كان يقتضي كبح جماح هذا التوفز الدائم، وإخضاعها لهدف وتعويدها الصبر وضبط الأعصاب، مع إشعار النفوس باستعلاء العقيدة على كل نزوة، وعلى كل مغنم، فلهذه الاعتبارات وأمثالها اقتضت سياسة المسالمة والصبر في مكة، مع تقرير الطابع الأساسي من أول يوم بالانتصار ممن بغى واعتدى.

ص: 2208

ويؤكد هذه القاعدة: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)} [الشورى: 40].

مقابلة السيئة بالسيئة كي لا يتبجح الشر ويطغى حين لا يجد رادعاً يكفه عن الإفساد في الأرض، فيمضي وهو آمن مطمئن.

هذا هو الأصل مع استحباب العفو ابتغاء وجه الله، وإصلاح النفس من الغيظ، وهو استثناء من تلك القاعدة.

والعفو لا يكون إلا مع المقدرة على جزاء السيئة بالسيئة، فهناك يكون للعفو وزنه ووقعه في إصلاح المعتدي والمسامح سواء.

فالمعتدي حين يشعر بأن العفو جاء سماحة، ولم يجيء ضعفاً يخجل ويستحي،

والقوي الذي يعفو تصفو نفسه وتعلو، فالعفو عندئذ خير لهذا وهذا، ولا كذلك عند الضعف والعجز.

أما العفو عند العجز فهو شر يُطمع المعتدي، ويذل المعتدى عليه، وينشر البغي والفساد في الأرض.

والذي ينتصر بعد ظلمه، ويجزي بالسيئة السيئة، ولا يعتدي، ليس عليه من جناح، وهو يزاول حقه المشروع، فما لأحد عليه من سلطان، ولا يجوز أن يقف في طريقه أحد.

إنما الذين يجب الوقوف في طريقهم هم الذي يظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحق:{وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42)} [الشورى: 41،42].

إن الأرض لا تصلح وفيها ظالم لا يقف له الناس؛ ليكفوه ويمنعوه من ظلمه، وفيها باغ يجور ولا يجد من يقاومه ويقتص منه.

والله عز وجل يتوعد الظالم الباغي بالعذاب الأليم، ولكن على الناس كذلك أن يقفوا له، ويأخذوا عليه الطريق.

ص: 2209

أما حين يكون الصبر والسماحة مع المقدرة استعلاءً لا استخذاءً، وتجملاً لا ذلاً فهو محمود:{وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)} [الشورى: 43].

هذه أهم صفات المؤمنين التي ترسم طابعاً مميزاً للجماعة التي تقود البشرية بعد نبيها، وترجو ما عند الله وهو خير وأبقى {لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36)} [الشورى: 36].

ألا ما أعظم فضل الله على عباده، أية رعاية؟، وأية رحمة؟ وأية مكرمة؟، وأية عناية بهذا الإنسان من الرب الكريم؟.

إن الله تبارك وتعالى العلي الكبير، الغني الحميد، يتلطف فيعنى بهذه الخليقة الضئيلة المسماة بالإنسان، فيوحي إليها الوحي، ويرسل إليها الرسل لإصلاح أمرها، وإنارة طريقها، ورد شاردها، وهي وغيرها أهون على الله من البعوضة على الإنسان حين تقاس إلى ملكه العريض الواسع الذي لا يحيط به سواه:{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)} [الشورى: 52].

فهذا الكتاب العزيز، الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم نور خالص تخالط بشاشته القلوب التي يشاء الله لها أن تهتدي به بما يعلمه من حقيقتها، ومن مخالطة هذا النور لها.

والرسول صلى الله عليه وسلم واسطة لتحقيق مشيئة الله بما يعلمه بما في قلوب عباده، فهو يهدي إلى الصراط المستقيم الذي تلتقي عنده المسالك؛ لأنه الطريق إلى المالك الذي له ما في السموات وما في الأرض، والذي تصير الخلائق كلها إليه وتلتقي عنده، وهو يقضي فيها بأمره.

وهذا النور يهدي إلى طريقه الذي اختار للعباد أن يسيروا فيه .. ليصيروا إليه في النهاية مهتدين طائعين.

وقد وكل الله للقيادة الجديدة للبشرية ممثلة في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وفي العصبة المؤمنة بهذه الرسالة أمانة قيادة البشرية إلى الصراط المستقيم كما قال سبحانه:

ص: 2210

{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)} [الشورى: 52،53].

ألا ما أعظم هذه الأمانة .. وما أشد تبعاتها .. وما أعظم أجر من أداها .. وما أسعد البشرية التي تقبلها.

إن الله عز وجل بعث كل رسول بكلمة التوحيد، ولقد عرفت البشرية كلمة التوحيد من أول يوم نزل فيه آدم صلى الله عليه وسلم إلى الأرض.

عرفتها على لسان نوح وهود وصالح وغيرهم من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم الذين لم يتصل لهم عقب يقوم على هذه الكلمة ويعيش بها ولها.

ولكن هذه الكلمة لم تستقر في الأرض إلا من بعد إبراهيم، فلما عرفتها على لسان إبراهيم ظلت متصلة في أعقابه، وله أكبر قسط في إقرار هذه الكلمة في الأرض، وإبلاغها إلى الأجيال من بعده عن طريق ذريته وعقبه:{وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28)} [الزخرف: 28].

ولقد قام بها من بعده رسل كان منهم ثلاثة من أولي العزم وهم: موسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم.

ولم يبعث الله نبياً بعد إبراهيم إلا من ذريته ونسله، وأوصى بها إبراهيم بنيه من بعده كما قال سبحانه:{وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)} [البقرة: 132].

وقام عليها من بعده رسل من نسله يتصلون لا ينقطعون، حتى كان آخرهم وسيدهم وأفضلهم ابنه الأخير من نسل إسماعيل، وأشبه أبنائه به، خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، محمد صلى الله عليه وسلم، قائل كلمة التوحيد في صورتها الأخيرة الكاملة الشاملة للبشرية كافة.

تلك الكلمة: (لا إله إلا الله) التي تجعل الحياة كلها تدور حول هذه الكلمة، وتجعل لها أثراً في كل نشاط للإنسان وكل تصور.

فهذه هي كلمة التوحيد التي جعلها إبراهيم باقية في عقبه، هذه هي تأتي إلى هذا

ص: 2211

الجيل على لسان واحد من عقبه، فكيف يستقبلها من ينتسبون إلى إبراهيم وإلى ملة إبراهيم؟.

لقد بعد بهم العهد .. ومتعهم الله جيلاً بعد جيل .. حتى طال عليهم العمر .. ونسوا ملة إبراهيم .. وأصبحت كلمة التوحيد فيهم غريبة منكرة .. واستقبلوا صاحبها أسوأ استقبال.

وقاسوا الرسالة السماوية بالمقاييس الأرضية فاختل في أيديهم كل ميزان كما قال سبحانه: {بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30)} [الزخرف: 29،30].

وفرق كبير بين الحق والسحر، وإنما هي دعوى، وكفار قريش هم أول من يعلم بطلانها، وما كان كفار وكبراء قريش ليغيب عنهم أنه الحق كما قال سبحانه:{فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)} [الأنعام: 33].

وقد اعترضوا على اختيار الله لمحمد صلى الله عليه وسلم، الذي أرسله الله إليهم حاملاً الحق والنور كما قال سبحانه:{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)} [الزخرف: 31].

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذؤابة قريش، ثم من ذؤابة بني هاشم، وهم في العلية من العرب، كما كان معروفاً بحسن الخُلق، والصدق، والأمانة قبل بعثته، قد جمع المجد من أطرافه.

ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يكن زعيم قبيلة، ولا رئيس عشيرة، في بيئة تعتز بمثل هذه القيم القبلية، والله أعلم حيث يجعل رسالته، ولقد اختار الله لها من يعلم أنه لها أهل، ولعله سبحانه لم يشأ أن يجعل لهذه الرسالة سنداً من خارج طبيعتها، ولا قوة من خارج حقيقتها، فاختار لها رجلاً ميزته الكبرى حسن الخلق، وهو من طبيعة هذه الدعوة، وسمته البارزة التجرد لعمله، وهو من حقيقة هذه الدعوة.

ولم يختره زعيم قبيلة، ولا رئيس عشيرة، ولا صاحب جاه، ولا صاحب ثراء، كي لا تلتبس قيمة واحدة من هذه القيم الأرضية بهذه الدعوة النازلة من السماء،

ص: 2212

ولكي لا تزدان هذه الدعوة بحلية من حلي هذه الأرض ليست من حقيقتها في شيء.

ولكي لا يكون هناك مؤثر مصاحب لها خارج عن ذاتها المجردة، ولكي لا يدخلها طامع، ولا يتنزه عنها متعفف.

فلما اعترضوا على اختيار العليم الخبير لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم رد عليهم القرآن مستنكراً هذا الاعتراض على رحمة الله واختياره: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)} [الزخرف: 32].

وكانت قيادة البشرية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لبني إسرائيل، فالله خالق البشر وحده، وهو الذي يشرع لهم وحده، ويرسل لهم من شاء وحده:{وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16)} [الجاثية: 16].

فكانت فيهم التوراة شريعة الله .. وكان فيهم الحكم لإقامة شريعة الله .. وكان فيهم النبوة بعد رسالة موسى وكتابه للقيام على الشريعة والكتاب .. وكثر فيهم الأنبياء وتتابعوا فترة طويلة .. فكانت مملكتهم، ونبواتهم في الأرض المقدسة الطيبة .. الكثيرة الخيرات بين النيل والفرات .. وفضلهم الله على أهل زمانهم بطبيعة الحال، وكان مظهر هذا التفضيل الأول اختيارهم للقيادة بشريعة الله، وإيتائهم الكتاب والحكم والنبوة، وآتاهم الله شريعة بينة فاصلة حاسمة، لا غموض فيها ولا لبس، ولا عوج ولا انحراف، ولم يكن هناك ما يدعو إلى الاختلاف.

وما حصل الخلاف بين بني إسرائيل عن غموض في الأمر، ولا عن جهل بالحكم، إنما كان ذلك عن تحاسد بينهم، ونزاع وظلم، مع معرفة الحق والصواب، وكان الواجب أن يشكروا هذه النعم التي أنعم الله بها عليهم، ويقوموا بها على أكمل الوجوه، وأن يجتمعوا على الحق الذي بينه الله لهم،

ص: 2213

ولكنهم عكسوا الأمر، فعاملوها بعكس ما يجب.

وافترقوا فيما أمروا بالاجتماع عليه على الرغم مما منّ الله عليهم به من العلم الموجب لعدم الاختلاف، وإنما حملهم على الاختلاف والتفرق البغي والظلم من بعضهم على بعض:{وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17)} [الجاثية: 17].

وبذلك انتهت قيادتهم في الأرض، وبطل استخلافهم وأمرهم بعد ذلك إلى يوم القيامة.

ثم كتب الله تبارك وتعالى الخلافة في الأرض لرسالة جديدة ورسول جديد، يرد إلى شريعة الله استقامتها، ويحكم شريعة الله لا أهواء البشر في حياة البشرية جمعاء كما قال سبحانه:{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19)} [الجاثية: 18،19].

وهكذا يتمحض الأمر:

فإما شريعة الله .. وإما أهواء الذين لا يعلمون .. وليس هناك من فرض ثالث .. ولا طريق وسط بين الشريعة الإلهية، والأهواء البشرية .. وما يترك أحد شريعة الله إلا ليحكم الأهواء.

فكل ما عدا شريعة الله هوى يهفو إليه الذين لا يعلمون.

وكل ما جاء به القرآن الكريم وكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20)} [الجاثية: 20].

فهذا الكتاب العظيم فيه تبيان كل شيء، فيه الهداية والإنارة، فهو بذاته بصائر كاشفة، وهو بذاته هدى، وهو بذاته رحمة.

وحين يستيقن القلب ذلك يعرف طريقه إلى ربه، وعندئذ يصبح القرآن له نوراً وهدى ورحمة بهذا اليقين.

ص: 2214

إن الله عز وجل يعرض على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أحوال الأمم السابقة مع رسلهم، وهو الذي انتهت إليه أمانة الدعوة إلى الله في الأرض كلها إلى آخر الزمان، ووكلت إليه هداية البشرية إلى ربها في العالم كله إلى يوم القيامة.

واضطلع بأكبر عبء كلفه رسول، يعرض عليه بالتفصيل أحوال الأنبياء مع أممهم؛ ليرى في حياة الأنبياء الرحمة بالخلق، والإحسان إليهم، والعفو عنهم، والشفقة عليهم، والصبر على أذاهم، واللطف بهم.

ويرى كذلك جهد الأنبياء وتضحيتهم من أجل إعلاء كلمة الله، وإقرار حقيقة الإيمان في الأرض، وتوجيه الخلق إلى عبادة ربهم.

ويطلع منها على عناد البشرية أمام دعوة الحق، وفساد القيادة الضالة، وغلبتها على القيادة الراشدة، ثم رحمة الله بعباده بإرسال الرسل تترى كلما فسدت أحوال البشر، وضلوا عن طريق الإيمان والهدى كما قال سبحانه:{ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44)} [المؤمنون: 44].

وتعرض تلك الأحوال العجيبة كذلك على الأمة المسلمة عامة، فهي الوارثة لدعوة الله في الأرض بعد رسولها صلى الله عليه وسلم، وللمنهج الإلهي المنبثق من هذه الدعوة؛ لترى صور الجهاد والكفاح، والتربية والدعوة، والإصرار والثبات من جميع الأنبياء والمرسلين؛ لأقرار حقيقة الإيمان في الأرض.

كما ترى فيها عناية الله بالقلة المؤمنة، وإنجائها من الهلاك الشامل في ذلك الحين:{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)} [يوسف: 110].

وتعرض آيات القرآن كذلك تلك الأحوال على الكفار والمشركين ليروا فيها مصير أسلافهم المكذبين، ويدركوا نعمة الله عليهم في إرساله إليهم رسولاً رحيماً بهم، لم يدع عليهم بالهلاك الشامل، وذلك لما يقدره من الرحمة بهم إلى حين.

ص: 2215

حقاً: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65)} [الحج: 65].

نِعَم الله تنزل على خلقه كل آن .. ورسله تتوالى عليهم .. وكتبه تنزل عليهم .. وآلاؤه معروضة عليهم، وهم يقابلون ذلك بالعناد والإعراض والاستكبار، والله يمهلهم لعلهم يتوبون ويرجعون إليه.

ترى هذه البشرية كلها تساوي تلك العناية الكريمة من الله، المتجلية في استقرار إرادته سبحانه في إرسال رسله تترى بعد العناد والإعراض والاستكبار من هذا الخلق الضعيف الهزيل؟.

ثم تلك الجهود الموصولة منذ عهد نوح، وتلك التضحيات النبيلة التي لم تنقطع على مدار التاريخ من رسل يُكفر بهم، أو يُستهزأ بهم، أو يُّحرقون بالنار، أو يُنشرون بالمناشير، أو يَهجرون الأهل والديار من أجل إعلاء كلمة الله؟.

وما بذله محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأتباعه من جهود قل أن يثبت لها أحد، ثم تتوالى الجهود المضنية، والتضحيات المذهلة من القائمين على الدعوة من بعده في كل أرض، وفي كل جيل؟.

والجواب: نعم.

فإن استقرار حقيقة الإيمان بالله في الأرض، وإقامة منهجه في حياة الناس، يساوي كل هذا الجهد، وكل هذا الصبر، وكل هذه المشقة، وكل هذه التضحيات النبيلة المطردة من الرسل وأتباعهم الصادقين في كل زمان ومكان.

فالحياة بدون الإيمان وبدون شريعة الله ضلال وظلام، وفساد وطغيان، وبغي وعدوان، وظلم وفسق، وشقاء وعناء:{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164)} [آل عمران: 164].

ولا تسعد البشرية ولا تستقيم حياتها إلا باتباع منهج الله، وتحكيم شرعه في جميع الأمور، ونبذ ما سواه:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)} [الأنعام:

ص: 2216

153].

فإذاً لا بدَّ من أداء الأمانة، والقيام بالوظيفة؛ ليبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، ويدخل الإيمان كل بيت، وكل قلب، ويسمع الناس كلام ربهم، ويذكروه بألسنتهم، ويطيعوه ويعبدوه وحده لا شريك له {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52)} [إبراهيم: 52].

ولا بدَّ من جهد بشري لإقرار حقيقة الإيمان في عالم الإنسان، هذا الجهد اختار الله له صفوة من عباده هم الأنبياء والرسل، وقلة مختارة من أتباعهم هم المؤمنون الصادقون.

اختارهم عز وجل لإقرار حقيقة الإيمان في الأرض، وهي أمانة لا بدَّ أن يؤدوها .. فنعم الرجال .. ونعم العمل .. ونعم الجزاء.

إن هذه الحقيقة العظيمة أكبر من الإنسان ذاته، ومن أرضه وسمائه، ومن كل هذا الكون الكبير، وقد أثبت الواقع التاريخي المتكرر أن النفس البشرية لم تبلغ إلى آفاق الكمال المقدر لها بأية وسيلة كما بلغتها باستقرار حقيقة الإيمان بالله فيها.

وأن الحياة البشرية لم ترتفع إلى هذه الآفاق بوسيلة أخرى كما ارتفعت بهذه الوسيلة، وأن الفترات التي استقرت فيها هذه الحقيقة في الأرض، وتسلم أهلها قيادة البشرية كانت قمة سامقة في التاريخ، بل كانت حلماً أكبر من الخيال، ولكنه متمثل في واقع بحياة الناس.

وقد تحقق هذا المستوى العالي من الحياة والأخلاق في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ونالوا بذلك رضا ربهم، ورضوا عنه، وجزاهم على تلك الطاعة والعبودية الجنة كما قال سبحانه:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)} [التوبة: 100].

إنه لا يمكن أن ترتقي البشرية ولا أن ترتفع عن طريق علم، أو فلسفة، أو فن، أو مذهب، أو نظام إلى المستوى الذي وصلت إليه عن طريق استقرار حقيقة

ص: 2217

الإيمان بالله في نفوس الناس، وحياتهم، وأخلاقهم.

وحين فقدت البشرية قيادة المؤمنين الصادقين لم ينفعها شيء من ذلك كله، بل انحدرت إلى أقل من مستوى البهائم الضالة.

بل انحدرت قيمها وأخلاقها، وموازينها وإنسانيتها، كما غرقت في الشقاء النفسي، والحيرة الفكرية، والأمراض العصبية، على الرغم من تقدمها الحضاري في سائر الميادين، وتمرغها في الشهوات في كل حين، وستعرض البشرية، وما زال أكثرها معرضاً عن الهدى ودين الحق، كما أعرضت عن دعوة نوح وإبراهيم، وموسى وعيسى، ومحمد وغيرهم من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم:{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104)} [يوسف: 103،104].

وستذهب مع القيادات الضالة المضلة، الظالمة الكافرة، وستعذب الدعاة إلى الحق أنواعاً مختلفة من العذاب، وتنكل بهم ألواناً من النكال ابتلاءً من الله، ليعلم الله الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق:{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)} [الأنبياء: 35].

ستفعل ذلك كما ألقت إبراهيم في النار، ونشرت زكريا بالمنشار، وسخرت واستهزأت، وكفرت وكذبت بالأنبياء والرسل على مدار التاريخ.

ولكن دين الله باق، والدعوة إلى الله لا بدَّ أن تمضي في طريقها كما أراد الله؛ لأنها الحل الوحيد لفلاح وسعادة البشرية إلى يوم القيامة، وهي كرامة الله للبشرية جمعاء:{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164)} [آل عمران: 164].

وحسن الخلق أحسن ما يتحلى به البشر، وأعظم ما يؤثر في النفوس، فالمقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف الله إلى الخلق، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا مالت قلوبهم إليه، وسكنت نفوسهم لديه، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا كان

ص: 2218

حسن الأخلاق، رحيماً كريماً، يتجاوز عن ذنوبهم، ويعفو عن إساءتهم، ويصفح عن زلاتهم، ويخصهم بوجوه البر والشفقة، والإكرام والإجلال.

فلهذا وجب أن يكون الرسول أحسن الناس أخلاقاً، ليؤثر في قلوب الناس، ولأنه محل قدوة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كما وصفه الذي خلقه وأرسله بقوله:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} [القلم: 4].

وقوله سبحانه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)} [آل عمران: 159].

والنبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، بعثه الله رسولاً إلى الثقلين الإنس والجن، والإنس والجن كانوا متعبدين بشرائع الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم كما قال سبحانه:{يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130)} [الأنعام: 130].

وعلى هذا فيكون اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بالبعثة إلى الثقلين هو اختصاصه بالبعثة إلى جميعهم لا إلى بعضهم، ومن قبله كان يُبعث إلى طائفة مخصوصة منهم.

والجن كالإنس مثابون معاقبون حسب أعمالهم، وهم مأمورون بالشرائع في الدنيا، ولذلك استحقوا الدرجات في الآخرة حسب أعمالهم كما قال سبحانه:{وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19)} [الأحقاف: 19].

والرسل مأمورون بإبلاغ ما أرسلوا به إلى الناس، فهم يتلقون الوحي من الله، ويبلغونه للناس كما قال سبحانه:{وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)} [الأنعام: 19].

وكلام الله إلى البشر يتم بواحدة من ثلاث:

الأولى: الوحي الذي يلقيه الله في النفس مباشرة، فتعرف أنه من الله عز وجل.

ص: 2219

الثانية: أن يكلم الله النبي من وراء حجاب كما كلم الله موسى صلى الله عليه وسلم.

الثالثة: أن يرسل الله رسولاً وهو الملك، فيوحي بإذن الله ما يشاء إلى الرسول بإحدى الطرق الآتية:

إحداها: ما كان يلقيه الملك جبريل في رَوْع الرسول وقلبه من غير أن يراه.

الثانية: أن يتمثل الملك للرسول رجلاً، فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول، كما كان يأتيه على صورة دحية الكلبي أحد الصحابة.

الثالثة: أن يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليه، حتى إن جبينه ليتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد، وحتى أن راحلته من شدته لتبرك به إلى الأرض.

الرابعة: أن يرى الملك في صورته التي خلقه الله عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع للنبي صلى الله عليه وسلم مرتين:

مرة في الأرض .. ومرة عند سدرة المنتهى في السماء كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15)} [النجم: 13 - 15].

فهذه صور الوحي وطرق الاتصال بالأنبياء: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)} [الشورى: 51،52].

ص: 2220