الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4 - فقه الحج
قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)} [آل عمران: 97].
وقال الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (197)} [البقرة: 197].
الحج ركن من أركان الإسلام، وهو مؤتمر المسلمين الجامع على مستوى العالم، الذي يتلاقون فيه مجردين من كل آصرة سوى آصرة الإسلام، متجردين من كل سمة إلا سمة الإسلام، عرايا من كل شيء إلا من ثوب غير مخيط يستر العورة، ولا يميز فرداً عن فرد، ولا قبيلة عن قبيلة، ولا جنساً عن جنس.
لهم نسب واحد هو الإسلام .. ولهم صبغة واحدة هي شعائر الإسلام وشرائعه وأخلاقه: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)} [البقرة: 138].
وقد كانت قريش في الجاهلية تسمي نفسها الحُمس، ويتخذون لأنفسهم امتيازات تفرقهم عن سائر العرب، ومن ذلك أنهم لا يقفون مع سائر الناس في عرفات، ولا يخرجون من الحرم، ولا يفيضون مع الناس.
فجاءهم الأمر من الله ليردهم إلى المساواة التي أرادها الله، وإلى الاندماج الذي يلغي هذه الفوارق المصطنعة بين الناس، والتوبة من تلك الذنوب كما قال سبحانه:{فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)} [البقرة: 198، 199].
فالعامة والخاصة، والأغنياء والفقراء، والذكور والإناث، والسادة والعبيد،
كلهم جميعاً أمام أوامر الله سواء، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، يصلون كلهم جميعاً بلا استثناء، ويصومون معاً، ويمتثلون أوامر الله معاً في جميع شئون الحياة، ويطيعون الله ورسوله في كل أمر.
لقد كلفهم الإسلام أن يتجردوا في الحج من كل ما يميزهم من الثياب، ليلتقوا في بيت الله إخواناً مكرمين متساوين في الطاعة والعبودية:
رب واحد .. ودين واحد .. وكتاب واحد .. ورسول واحد.
وقد جعل الله الكعبة البيت الحرام أول بيت وضعه الله للناس، يتعبدون فيه لربهم فتغفر أوزارهم، وتقال عثارهم، ويحصل لهم به من الطاعات والقربات ما ينالون به رضى ربهم، والفوز بثوابه، والنجاة من عقابه كما قال سبحانه:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)} [آل عمران: 96، 97].
ففي حج هذا البيت بركات ومنافع دينية ودنيوية .. وفيه هدى للعالمين.
والهدى نوعان:
هدى في المعرفة .. وهدى في العمل.
فالهدى في العمل هو ما جعل الله فيه من أنواع التعبدات المختصة به، وأما هدى العلم فبما يحصل لهم بسببه من العلم بالحق، ومعرفة عظمة الرب وجلاله، ومعرفة حكمته وسعة علمه ورحمته، وما مَنّ به على أوليائه وأنبيائه.
وقد أوجب الله حج بيته الحرام على كل مسلم يستطيع الوصول إليه، وافتتح هذا الإيجاب بذكر محاسن البيت، وعظم شأنه بما يدعو النفوس إلى قصده وحجه وإن لم يطلب ذلك منها، فوصفه بخمس صفات:
أحدها: كونه أسبق بيوت العالم وضع في الأرض.
الثاني: أنه مبارك، والبركة كثرة الخير ودوامه، وليس في بيوت العالم أبرك منه، ولا أكثر خيراً منه، ولا أدوم ولا أنفع للخلائق منه.
الثالث: أنه هدى للعالمين في كل ما ينفعهم في الدنيا والآخرة.
الرابع: ما فيه من الآيات البينات والعبر العظيمة التي تزيد على أربعين آية.
الخامس: حصول الأمن لداخله، فالناس والوحوش والأشجار كلهم في أمان داخله.
ثم أتبع سبحانه ذلك بصريح الوجوب المؤكد، وذلك يدل على عناية الله بهذا البيت العظيم، والتنويه بذكره، والتعظيم لشأنه، والرفعة من قدره وتعظيم من طاف به، ولو لم يكن له شرف إلا إضافته إياه إلى نفسه لكفى بهذه الإضافة فضلاً وشرفاً كما قال سبحانه:{وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)} [الحج: 26].
وهذه الإضافة هي التي أقبلت بقلوب العالمين إليه، وساقت نفوسهم حباً له، وشوقاً إلى رؤيته.
فهذه المثابة للمحبين له يثوبون إليه، ولا يقضون منه وطراً أبداً، كلما ازدادوا له زيارة ازداد إيمانهم، وحسنت أخلاقهم، وازدادت أعمالهم الصالحة.
وكلما تكرر ذلك ازدادوا له حباً وإليه اشتياقاً، فلا الوصال يشفيهم ولا البعاد يسليهم:{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)} [البقرة: 125].
هذا البيت الحرام الذي قام سدنته من قريش فروَّعوا المؤمنين وآذوهم وفتنوهم عن دينهم حتى هاجروا من جواره، لقد أراده الله مثابة يثوب إليه الناس جميعاً من أقطار الأرض كلها، فلا يروعهم أحد، بل يأمنون فيه على أرواحهم وأموالهم، فهو ذاته أمن وطمأنينة وسلام، ومن أَمَّهُ معظماً لربه فهو آمن، فليؤم
الناس هذا البيت الذي يذكر بالله وشرعه وأنبيائه ورسله: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)} [قريش: 3، 4].
وليقتدوا بأنبياء الله ورسله في عبادتهم لربهم، وإخلاصهم له، ويقينهم عليه، وفي دعوتهم إلى الله، وجهادهم في سبيله، وبذل ما يملكون في سبيل إعلاء كلمته، وإقامة شريعته، وفي حسن أخلاقهم، وكمال عبوديتهم.
فهؤلاء الذين اختارهم الله رسلاً إلى خلقه هم قدوة البشر: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)} [الأنبياء: 90].
فهم أئمة الدعوة والعبادة، السابقون لها، الموفون حقها، فلذلك اختارهم الله من بين خلقه يبلغون شرعه، ويقتدى بهم في سيرتهم:{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73)} [الأنبياء: 73].
وسعادة الناس في الدنيا والآخرة بإيمانهم بالله وعبادته وحده لا شريك له، واجتماع كلمتهم على الحق والهدى، وبعدهم عن الفرقة والخلاف، وهذه من أَجَلِّ نعم الله على العباد كما قال سبحانه:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)} [آل عمران: 103].
وقد أرسل الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم والعرب في خصام وتنافر، وتقاطع وتدابر، القلوب ملؤها الأضغان والأحقاد، والحروب بينهم متصلة، ونيرانها مشتعلة، يعبدون الأوثان، ويقترفون الآثام، ويظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحق.
فأمر الله رسوله أن يؤلف بين القلوب، ويسلك بهم طريق التآلف والوئام، ولما كانت هذه الطريق غير كافية لانتظام شمل المسلمين، وتوحيد كلمتهم،
وجعلهم كالرجل الواحد في الإلفة، إذ هم متفرقون في مشارق الأرض ومغاربها، كما أنهم مختلفون من جهة العناصر واللغات، لذا شرع الله لهم الحج ليجتمعوا في صعيد واحد على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وأقطارهم كما قال سبحانه:{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)} [الحج: 27].
فإذا اجتمعوا من أماكنهم الشاسعة عند بيته العتيق حصل بينهم التعارف والتآلف تحت راية (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، واجتمعت كلمتهم على الحق والهدى، وتبادلوا في هذا اللقاء العظيم ما فيه مصالحهم الدينية والدنيوية، وعرف بعضهم أحوال بعض.
فنشأ من ذلك الزيارات النافعة في الدعوة والتعليم، والصدقات على الفقراء والمحتاجين، والتراحم والتناصر، والتعاون على البر والتقوى تحقيقاً لقوله سبحانه:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)} [المائدة: 2].
وقد شرع الله العبادات إظهاراً لحق العبودية، ولحق شكر النعمة، وفي الحج إظهار العبودية وشكر النعمة وحسن الطاعة.
أما إظهار العبودية فلأن إظهار العبودية هو إظهار التذلل للمعبود، وفي الحج ذلك؛ لأن الحاج في حال إحرامه، وطوافه وسعيه، ووقوفه بعرفات والمزدلفة ومنى، وغير ذلك من مناسك الحج يظهر عبوديته لربه بشعث حاله، وتنقله من مكان إلى مكان تنفيذاً لأوامر مولاه.
وفي حال وقوفه بعرفة بمنزلة عبد عصى مولاه، فوقف بين يديه متضرعاً منكسراً، حامداً له مثنياً عليه، مستغفراً لزلاته، مستقيلاً لعثراته.
وفي الطواف بالبيت يلازم المكان المنسوب إلى ربه، بمنزلة عبد معتكف على باب مولاه، لائذ بجنابه.
وأما شكر النعمة، فلأن العبادات بعضها بدنية، وبعضها مالية، والحج عبادة لا
تقوم إلا بالبدن والمال، فكان فيه شكر النعمتين، وشكر النعمة واجب عقلاً وشرعاً.
والحج مدرسة جامعة لكل خير، يتعود فيها المسلم على الصبر، ويتذكر فيها اليوم الآخر وأهواله، ويستشعر فيه لذة العبودية لله، ويعرف عظمة ربه وجلاله، وخضوع الخلائق بين يديه، وشدة حاجتهم إليه.
والحج موسم كبير لكسب الأجور، تضاعف فيه الحسنات، وتكفر فيه السيئات، يقف فيه الحاج بين يدي ربه مقراً بتوحيده، معترفاً بذنوبه، مقراً بعجزه عن القيام بحق ربه، ممتثلاً لأمر ربه، فيرجع من الحج نقياً من الذنوب كيوم ولدته أمه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ اُمُّهُ» متفق عليه (1).
اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
اللهم طهر قلوبنا من النفاق .. وألسنتنا من الكذب .. وأعيننا من الخيانة .. وجوارحنا من المعاصي .. إنك على كل شيء قدير.
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (1521) واللفظ له، ومسلم برقم (1350).