الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
8 - فقه الذكر والدعاء
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42)} [الأحزاب: 41، 42].
وقال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)} [غافر: 60].
الذكر: هو أفضل العبادات، بل هو الغرض المقصود من العبادات كلها، فإنها ما شرعت إلا لتعين على ذكر الله عز وجل كما قال سبحانه:{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)} [طه: 14].
وقوله سبحانه: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)} [العنكبوت: 45].
وأنواع الذكر ثلاثة:
ذكر أسماء الله وصفاته، والثناء على الله بها، وتوحيده بها .. وذكر الأمر والنهي .. وذكر الآلاء والنعماء.
وقد وعد الله عز وجل بذكر من ذكره، ونسيان من ينساه كما قال سبحانه:{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)} [البقرة: 152].
وقال سبحانه: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67)} [التوبة: 67].
وبين الله صفة الذكر بقوله سبحانه: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205)} [الأعراف: 205].
وذكر الله عز وجل هو ثمرة المعرفة بالله والإيمان به، وقد أمرنا الله بذكره دائماً حتى نطيعه ولا نعصيه، ونشكره ولا نكفره، ونحبه ونعظمه.
وطمأنينة القلب تحصل بذكر الله، فالذكر المستمر يملأ القلب إيماناً: {الَّذِينَ
آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)} [الرعد: 28].
وكل عبادة لها وقت معين كالصلوات والصيام والحج ونحوها، أما الذكر فهو العبادة المفتوحة المشروعة في جميع الأوقات.
تسبيحاً لله، وتعظيماً له، وحمداً له، وتلاوة لكتابه:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)} [النور: 36، 37].
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أحْيَانِهِ. أخرجه مسلم (1).
فالمسلم يذكر الله بلسانه نطقاً، ثم بقلبه اعتقاداً، ثم بعمله طاعة وامتثالاً لأوامر الله سبحانه.
والهدف من ذكر الله عز وجل هو إحياء جميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان بالله، وتوحيده، وحسن عبادته، والتزام شرعه، وطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. والذكر روح الأعمال الصالحة، فإذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه.
والدعاء: هو العبادة.
والله عز وجل هو الحي القيوم، الملك الذي يملك كل شيء، الغني وما سواه فقير، يعطي ويمنع، ويكرم ويهين، ويحيي ويميت، ويعز ويذل.
وأعظم ما يسأل العبد ربه الهداية إلى الصراط المستقيم.
ولما كان سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم أجل المطالب، ونيله أشرف المواهب، عَلّم الله عز وجل عباده كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه، وتمجيده، ثم الإقرار بعبوديتهم وتوحيدهم له كما قال
(1) أخرجه مسلم برقم (373).
سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} [الفاتحة: 2 - 6].
فهاتان وسيلتان لحصول مطلوبهم لا يكاد يرد معهما الدعاء:
توسل إلى الرب بأسمائه وصفاته .. وتوسل إليه بعبوديته.
ثم جاء سؤال أهم المطالب وهو الهداية، فالداعي بذلك حقيق بالإجابة كما قال سبحانه:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)} [البقرة: 186].
والله تبارك وتعالى هو الملك العظيم الحي القيوم، الذي لا ينام ولا ينبغي أن ينام:
يجيب السائلين .. ويسمع الذاكرين .. ويغفر للمستغفرين .. ويتوب على التائبين .. وسع سمعه جميع المسموعات، ووسع بصره جميع المخلوقات كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ اللهَ عز وجل لا يَنَامُ وَلا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» أخرجه مسلم (1).
وأنفع الدعاء طلب العون على مرضاة الله كما قال سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} [الفاتحة: 5].
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: «يَا مُعَاذُ وَاللهِ إِنِّي لأَُحِبُّكَ وَاللهِ إِنِّي لأَُحِبُّكَ فَقَالَ أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ وَأَوْصَى بِذَلِكَ مُعَاذٌ الصُّنَابِحِيَّ وَأَوْصَى بِهِ الصُّنَابِحِيُّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ» أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود (2).
(1) أخرجه مسلم برقم (179).
(2)
صحيح: أخرجه البخاري في الأدب المفرد برقم (771)، صحيح الأدب المفرد رقم (533).
وأخرجه أبو داود برقم (1522)، واللفظ له، صحيح سنن أبي داود رقم (1347).
والله سبحانه يسأله من في السموات ومن في الأرض، يسأله أولياؤه وأعداؤه، ويمد هؤلاء وهؤلاء، وأبغض خلقه عدوه إبليس، ومع هذا سأله حاجة وهي الإنظار إلى يوم القيامة فأعطاه إياها ومتعه بها، ولكن لما لم تكن عوناً على مرضاة الله وطاعته كانت زيادة له في شقوته وبعده عن الله.
وهكذا كل من سأل ربه أمراً ولم يكن عوناً على طاعته كان مبعداً له عن مرضاته قاطعاً له عنه ولا بدَّ.
والعطاء والمنع ابتلاء من الله لعباده فلا يدل على الإكرام ولا الإهانة.
وإذا أعطى الله عبده عطاءً بلا سؤال فليسأله أن يجعله عوناً له على طاعته ومرضاته، ولا يجعله قاطعاً عنه، ولا مبعداً عن مرضاته.
والله تبارك وتعالى خالق كل شيء، ومالك كل شيء، وبيده كل شيء.
وسع الخلق كلهم بخلقه وعلمه ورزقه، وفضله ورحمته وإحسانه كما قال سبحانه: «يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلا تَظَالَمُوا.
يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أهْدِكُمْ.
يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أطْعِمْكُمْ.
يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أكْسُكُمْ.
يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأنَا أغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أغْفِرْ لَكُمْ.
يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي.
يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا، عَلَى أتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا.
يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا.
يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ
فَسَألُونِي، فَأعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْألَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أدْخِلَ الْبَحْرَ.
يَا عِبَادِي! إِنَّمَا هِيَ أعْمَالُكُمْ أحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ» أخرجه مسلم (1).
وأفضل الدعاء ما جمع بين التضرع والخفية، وإخفاء الدعاء أكمل إخلاصاً، وأعظم إيماناً، وأبلغ في التضرع والخضوع والخشية، وأعظم في الأدب والتوقير والتعظيم لله عز وجل، وأبلغ في جمعية القلب، وأدعى إلى دوام الطلب والسؤال، فإن اللسان لا يمل، والجوارح لا تتعب.
وإخفاء الدعاء يدل على قرب صاحبه من ربه، والله سميع قريب:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)} [البقرة: 186].
وقد أمر الله عباده أن يسألوه كل شيء من خيري الدنيا والآخرة، فهو الغني الذي خزائنه مملوءة بكل شيء، ولا ينقص عطاؤه مما في خزائنه مثقال ذرة:{سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [يونس: 68].
والاعتداء في الدعاء محرم لا يجوز كما قال سبحانه: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)} [الأعراف: 55].
والاعتداء في الدعاء له صور:
كأن يسأل العبد ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات.
أو يسأل ما لا يليق به من منازل الأنبياء والمرسلين.
أو يسأل ما أخبر الله أنه لا يفعله لمنافاته الحكمة كأن يسأل ربه تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب، أو يسأله أن يجعله من المعصومين، أو يطلعه على الغيب، أو يهب له ولداً من غير
(1) أخرجه مسلم برقم (2577).
نكاح، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء لا يحبه الله، ولا يحب سائله.
ومن الاعتداء رفع الصوت بالدعاء، وأن يعبد الله بما لم يشرعه، أو يثني عليه بما لم يثن به على نفسه ولا أذن فيه، أو يدعوه غير متضرع إليه.
ومن الاعتداء أن يدعو مع الله غيره، فهذا أعظم المعتدين عدواناً، فإن أعظم العدوان الظلم والشرك، وهو وضع العبادة في غير موضعها.
فكل سؤال يناقض حكمة الله .. أو يتضمن مناقضة شرعه وقدره وأمره .. أو يتضمن خلاف ما أخبر به .. فذلك كله اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله.
ومن دعا الله أجابه، وليس كل من أجاب الله دعاءه يكون راضياً عنه، ولا محباً له، ولا راضياً بفعله.
فالله سبحانه يجيب البر والفاجر، والمؤمن والكافر، والمطيع والعاصي.
وكثير من الناس يدعو دعاء يعتدي فيه، أو يشترط في دعائه، أو يكون مما لا يجوز أن يسأل، فيحصل له ذلك أو بعضه فيظن أن عمله صالح مرضي لله، ويكون بمنزلة من أملي له، وأمد بالمال والبنين، وهو يظن أن الله يسارع له في الخيرات كما قال سبحانه:{أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56)} [المؤمنون: 55، 56].
فلا يغتر العبد بما يعطى من الأموال والبنين وهو معرض عن ربه، منهمك في معاصيه، فذلك استدراج، به هلاكه وخسارته:{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)} [الأنعام: 44].
فالدعاء له حالتان:
إما أن يكون عبادة يثاب عليه الداعي كسؤال الله الإعانة والمغفرة ونحوهما، أو يكون مسألة تقضى به حاجته، ويكون مضرة عليه، إما أن يعاقب بما يحصل له، أو تنقص به درجته، فيقضي حاجته، ويعاقبه على ما جرأ عليه من إضاعة حقوقه سبحانه، وتجاوز حدوده.
والشيطان له تلطف في الدعوة، فيدعو الناس إلى الدعاء عند قبور الصالحين، فيدعو العبد ربه عند القبر بحرقة وانكسار وذلة، فيجيب الله دعوته لما قام بقلبه، لا لأجل القبر.
فإنه لو دعا الله في الخمارة والحمام والسوق أجابه، فيظن الجاهل أن للقبر تأثيراً في إجابة تلك الدعوة، والله سبحانه يجيب دعوة المضطر ولو كان كافراً.
فالشيطان بلطف كيده يحسن الدعاء عند القبر، وأنه أرجح منه في بيته ومسجده وأوقات الأسحار، ثم ينقل الإنسان من الدعاء عنده إلى الدعاء به، والإقسام على الله به، وأن هذا أبلغ في تعظيمه واحترامه، وأنجح في قضاء حاجته.
ثم ينقله إلى أعلى من ذلك، وهو دعاء الميت نفسه من دون الله، ثم ينقله إلى درجة أعلى فيتخذه وثناً يعكف عليه، ويتخذ عليه السرج، ويوقد عليه القناديل، ويبنى عليه المسجد، ويعلق عليه الستور، ويعبده بالسجود له، والطواف به، وتقبيله أو استلامه، والحج إليه، والذبح عنده.
ثم ينقله إلى درجة أخرى أشد، وهي دعاء الناس إلى عبادة هذا الوثن من دون الله، واتخاذه عيداً ومنسكاً، وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم، ثم ينقله إلى درجة أخرى، وهي محاربة ومعاداة من أنكر ذلك الشرك والكفر، وإثارة الناس والطغام عليه.
ولشدة خطر الشيطان، وعظمة كيده ومكره، فقد حذر الله المؤمنين منه بقوله سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)} [النور: 21].
وخطوات الشيطان يدخل فيها سائر المعاصي المتعلقة بالقلب واللسان والبدن، فليحذر العبد هذا العدو المبين الماكر.
وإذا دعا المسلم ربه استجاب له كما قال سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)}
[غافر: 60].
ويمنع إجابة الدعاء أمور منها:
أكل الحرام .. الاعتداء في الدعاء .. غفلة القلب .. وضعف اليقين .. واللبس الحرام .. وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. والظلم.
فإذا دعونا دعاء الأنبياء، وكانت حياتنا حياة أعداء الأنبياء، أو جهدنا جهد أعداء الأنبياء، فأنى يُستجاب لنا أو يُقبل دعاؤنا؟.
وأفضل الدعاء وأعظمه وأحسنه طلب الهداية من الله، ولذلك شرع الله لنا تكرار طلبه في كل صلاة عدة مرات كما قال سبحانه:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} [الفاتحة: 6].
وأفضل الدعاء دعاء الأنبياء والرسل، وكله ليس فيه طلب لعرض من أعراض هذه الأرض، إنه دعاء يتجه إلى آفاق أعلى، تحركه مشاعر أصفى، لطلب العلم النافع، والعمل الصالح، والفوز بالجنة والرضوان.
إنه دعاء القلب الذي عرف الله وعرف ما عنده فأصبح يحتقر ما عداه كما قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)} [الشعراء: 83 - 89].
والله تبارك وتعالى خلق الناس فقراء كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)} [فاطر: 15].
فالخلق كلهم فقراء إلى الله من جميع الوجوه:
فقراء إلى الله في خلقهم، فلولا خلقه لهم لم يوجدوا.
فقراء إلى الله في إعدادهم بالقوى والأعضاء والجوارح.
فقراء إلى الله في إمدادهم بالأقوات والأرزاق، والنعم الظاهرة والباطنة.
فقراء إلى الله في جلب المنافع لهم، وصرف النقم والمكاره عنهم.
فقراء إلى الله في تعليمهم ما لا يعلمون، وعملهم بما يصلحهم.
فقراء إلى الله في تألههم لله، وحبهم له، وعبادتهم إياه.
فالخلق كلهم فقراء إلى الله بالذات، فلو لم يوفقهم لهلكوا، ولولا توفيقه لم يصلحوا، والله وحده له الغنى التام من جميع الوجوه، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه خلقه، ولا يفتقر إلى شيء مما يفتقر إليه الخلق، وذلك لكمال ذاته وأسمائه وصفاته.
وقد أمرنا الله عز وجل بسؤاله تارة .. وبسؤال أهل الذكر تارة.
فنسأل الله الهداية، وكل ما نحتاجه من خيري الدنيا والآخرة كما قال سبحانه:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60].
ونسأل العلماء وأهل الذكر عما اختصهم الله به، وأئتمنهم عليه من أحكام الدين ومسائله في شعب الحياة كلها كما قال سبحانه:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)} [النحل: 43].
وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف نسأل الله، وبين كيفية السؤال.
فتارة يكون بصيغة الطلب كما قال صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» أخرجه الترمذي وابن ماجه (1).
وتارة يسأل بصيغة الخبر:
إما بوصف حاله كما قال موسى صلى الله عليه وسلم: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)} [القصص: 16].
وإما بوصف حال المسؤول سبحانه، كما قال موسى صلى الله عليه وسلم: {أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا
(1) صحيح: أخرجه الترمذي برقم (3513)، وهذا لفظه، صحيح سنن الترمذي رقم (2789).
وأخرجه ابن ماجه برقم (3850)، صحيح سنن ابن ماجه رقم (3105).
وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)} [الأعراف: 155].
وتارة بوصف حال الداعي والمدعو سبحانه، كدعوة ذي النون:{لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)} [الأنبياء: 87].
وأكمل أنواع الطلب:
ما تضمن حال الداعي .. وحال المدعو .. والسؤال بالمطابقة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«اللَّهُمَّ! إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَبِيرًا - (وَقَالَ قُتَيْبَةُ: كَثِيرًا) وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» متفق عليه (1).
وأمهات مطالب السائلين من رب العالمين أربع:
إما خير موجود .. فيطلب دوامه وثباته وأن لا يسلبه كالإيمان والأعمال الصالحة.
وإما خير معدوم .. فيطلب وجوده وحصوله كالوصول إلى الجنة.
هذا ما يتعلق بالخير .. أما الشر فنوعان:
شر موجود .. فيطلب من ربه رفعه كالذنوب والسيئات.
وشر معدوم .. فيطلب بقاءه على العدم، وأن لا يوجد.
وقد جاءت هذه المطالب كلها في قوله سبحانه: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)} [آل عمران: 193، 194].
فقوله سبحانه: {رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} لطلب دفع الشر الموجود، فإن الذنوب والسيئات شر.
وقوله: {وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193)} لطلب دوام الخير الموجود وهو الإيمان.
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (834)، ومسلم برقم (2705) واللفظ له.
فهذان قسمان:
ثم قال: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} فهذا طلب الخير المعدوم أن يؤتيهم إياه.
ثم قال: {وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} فهذا طلب ألا يوقع بهم الشر المعدوم.
وهذا غاية الحسن في الطلب، فقدم اللذين في الدنيا وهما المغفرة، ودوام الإسلام، ثم أتبعه بما في الآخرة أن يعطوا ما وعدوه، وأن لا يخزيهم يوم القيامة بدخول النار.
وما يحتاج العباد قسمان:
أحدهما: ما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا لا يطلب إلا منه سبحانه، فهو القادر عليه وحده دون سواه مثل:
غفران الذنوب .. وهداية القلوب .. وإنزال المطر .. وإنبات النبات .. وشفاء المرض .. ونحو ذلك من جلب المنافع .. ودفع المضار.
الثاني: ما يقدر عليه الناس، فيستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه من النصر والعون، والبذل والعطاء، ونحو ذلك.
فالأول لا يطلب إلا من الله وحده، ومن طلبه من غيره فقد أشرك، والثاني يطلب من الله ومن غيره ممن يقدر عليه.
والمأمور به شرعاً سؤال الله تعالى، والرغبة إليه، والتوكل عليه وحده في جميع الأمور كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَاّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَاّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» أخرجه أحمد والترمذي (1).
وسؤال الخلق ما يستطيعونه من الحاجات في الأصل محرم، لكنه أبيح
(1) صحيح: أخرجه أحمد برقم (2669).
وأخرجه الترمذي برقم (2516)، صحيح سنن الترمذي رقم (2043).
للضرورة، وتركه توكلاً على الله أفضل، وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم طائفة من أصحابه على ألا يسألوا الناس شيئاً.
وقال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59)} [التوبة: 59].
وفي سؤال الخلق ثلاث مفاسد:
الأولى: مفسدة الافتقار إلى غير الله، وهي نوع من الشرك.
الثانية: مفسدة إيذاء المخلوق، وهي نوع من ظلم الخلق.
الثالثة: مفسدة ذل العبد لغير خالقه، وهي ظلم للنفس.
والأمر في القرآن قسمان:
الأول: ما ورد بصيغة الأمر موجهاً من المخلوق إلى الخالق فهو دعاء؛ لأن المخلوق لا يأمر الخالق، بل يدعوه ويسأله كما قال سبحانه:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} [الفاتحة: 6].
وقوله سبحانه: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)} [البقرة: 286].
الثاني: ما ورد بصيغة الأمر موجهاً من الخالق إلى المخلوق، فهذا أمر بطلب فعل أو طلب ترك كما قال سبحانه:{يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)} [الأعراف: 31].
والله سبحانه محمود على كل حال فكل عطاء منه فضل، وكل عقوبة منه عدل، ومن تقرب إلى الله شبراً تقرب الله إليه ذراعاً، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة، والله أرحم بالعباد من الوالدة بولدها.
فإذا دعاه العبد ولم يستجب له فذلك لتفريط العبد وعدوانه، بأن لا يكون العمل الذي عمله صالحاً، أو يكون له من السيئات ما يؤخر الإجابة.
والعبد ظالم جاهل عجول، يعتقد أنه قد أتى بما يستوجب كمال التقريب، ولعل الذي أتى به إنما يستوجب اللعنة والغضب والحرمان، فهو بمنزلة من معه نقد
مغشوش فجاء ليشتري متاعاً فلم يبيعوه، فظن أنهم ظلموه وهو الظالم، والله يقول:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)} [المائدة: 27].
والناس في تحصيل مرادهم بالأسباب والدعاء أربعة أقسام:
الأول: من فعل الأسباب التي نصبها الله مفضية إلى المطلوب، وسأل سؤال من لم يدل بسبب أصلاً، بل سؤال بائس ليس له حيلة ولا وسيلة، فهذا أعلم الخلق وأحزمهم وأفضلهم.
الثاني: من لم يفعل السبب، ولم يسأل ربه، فهذا أعجز الخلق وأمهنهم.
الثالث: من فعل الأسباب، وصرف همته إليها، وقصر نظره عليها، فهذا وإن كان له حظ مما رتبه الله عليها، لكنه منقوص، ولا يحصل له ما يريد إلا بجهد، فإذا حصل فهو سريع الزوال.
الرابع: من نبذ الأسباب وراء ظهره، وأقبل على الطلب والدعاء، فهذا يحمد في موضع، ويذم في موضع، ويشينه الأمر في موضع.
فيحمد إذا كانت الأسباب غير مأمور بها .. ويذم إذا كانت الأسباب مأموراً بها .. كمن جهده العطش وعنده الماء فيتركه ويقبل على الدعاء، ويسأل الله أن يرويه .. ويشينه الأمر في الأسباب التي لا يتبين له عواقبها.
والدعاء بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحده فقط، فمتى كان السلاح تاماً لا آفة به، والساعد قوياً، والمانع مفقوداً، حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من الثلاثة تخلف الأثر.
والدعاء سلاح المؤمن ينفع مما نزل ومما لم ينزل.
وبقدر قوة اليقين على الله وأسمائه وصفاته، والاستقامة على أوامر الله، وبذل الجهد لإعلاء كلمة الله، تكون إجابة الدعاء، وحصول المطلوب.
وأسباب إجابة الدعاء كثيرة أهمها:
الإخلاص لله عز وجل .. وأن يبدأ بحمد الله تعالى .. ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أول الدعاء وآخره .. وحضور القلب أثناء الدعاء .. وخفض الصوت بالدعاء ..
والاعتراف بالذنب .. والاستغفار منه .. والاعتراف بالنعمة وشكر الله عليها .. والإلحاح في الدعاء .. وتكريره ثلاثاً .. وعدم استبطاء الإجابة .. والجزم في الدعاء مع اليقين بالإجابة .. وعدم الاعتداء في الدعاء، وأن لا يدعو بإثم ولا قطيعة رحم.
ومنها: أن يكون مطعمه ومشربه وملبسه حلال .. ولزوم التضرع والخشوع .. والطهارة من الحدث والخبث .. ورفع اليدين إلى المنكبين وبطونهما نحو السماء، وإن شاء قنع بهما وجهه وظهورهما نحو القبلة .. واستقبال القبلة أثناء الدعاء .. والدعاء في الرخاء والشدة .. والدعاء بالأدعية التي هي مظنة الإجابة كما ثبت.
فهذه ثلاثون سبباً لا بدَّ من العلم بها، والعمل بمقتضاها؛ ليتم حصول المطلوب للعبد عند سؤاله لربه، وقد جعل الله لكل شيء سبباً.
والدعاء من أقوى الأسباب في حصول المطلوب، ودفع المكروه، ولكن قد يتخلف عنه أثره لأسباب:
إما لضعفه في نفسه، بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان.
وإما لضعف القلب، وعدم إقباله على الله تعالى وقت الدعاء.
وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام، والاستعجال، وتراكم الذنوب على القلب، والغفلة ونحو ذلك.
والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء يمنع نزوله، ويرفعه إذا نزل أو يخففه.
وللدعاء مع البلاء ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون الدعاء أقوى من البلاء فيدفعه ويدمغه.
الثانية: أن يكون الدعاء أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء.
الثالثة: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه.
وأفضل أحوال الدعاء حالة إقبال القلب على الله عز وجل.
وإذا حصل الدعاء، فالله يعطي للعبد أحد خمسة أشياء:
إما أن يعطي السائل حالاً .. أو يؤخره ليكثر المسلم من البكاء والتضرع .. أو يعطيه شيئاً آخر أنفع له من سؤاله .. أو يدفع به عنه بلاء .. أو يؤخره إلى يوم القيامة أحوج ما يكون إليه العبد، فلا نستعجل:{إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)} [الطلاق: 3].
والله سبحانه هو الغني لذاته، الكريم لذاته، له الجود كله، يحب أن يسأل ويطلب منه ويرغب إليه، فخلق من يسأله، وألهمه سؤاله، وخلق له ما يسأله إياه.
فهو سبحانه خالق السائل وسؤاله ومسئوله، وذلك كله لمحبته سؤال عباده له، ورغبتهم إليه، وطلبهم منه.
فأحب خلقه إليه وأفضلهم عنده أكثرهم سؤالاً له، وهو سبحانه يحب الملحين في الدعاء، وكلما ألح العبد عليه في السؤال أحبه وقربه، وأعطاه من خيري الدنيا والآخرة.
فكم سائل لله في العالم العلوي والسفلي؟ .. وكم من سؤال سئل؟ .. وكم من دعوة أجابها؟ .. وكم عثرة أقالها؟ .. وكم من رحمة أنزلها؟ .. وكم من كربة كشفها؟ .. وكم من جبار قصمه؟ .. وكم من ذليل أعزه؟ .. وكم من مريض شفاه؟ .. وكم من جاهل علمه؟ .. وكم من فقير أغناه؟ .. وكم من سائل أعطاه؟ .. وكم من ضال هداه؟.
فسبحانه ما أعظمه، وسبحانه ما أكرمه:{يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29)} [الرحمن: 29].
وسبحانه ما أوسع رزقه: «يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَألُونِي، فَأعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْألَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أدْخِلَ الْبَحْرَ» أخرجه مسلم (1).
(1) أخرجه مسلم برقم (2577).
فما أعظم جناية وعقوبة من كفر بالله، وأعرض عن دينه وشرعه، وحارب رسله وأولياءه، وما أشد ظلمهم، فماذا ينتظر هؤلاء من عذاب الله؟ وماذا أعد الله لهم من العذاب الأليم؟.
وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56)} [النساء: 56].
فهل ذلك خير أم جنة الخلد التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر:{قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (16)} [الفرقان: 15، 16].
لهم فيها ما يشاؤون من المطاعم المتنوعة .. والمشارب اللذيذة .. والملابس الفاخرة .. والنساء الجميلة .. والقصور العالية .. والحلي الجميلة .. والمساكن الواسعة .. واللحوم اللذيذة .. والفواكه التي تسر ناظريها وآكليها .. وسرر مرفوعة .. وأكواب موضوعة .. ونمارق مصفوفة .. وزرابي مبثوثة: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)} [البقرة: 25].
والأنهار تجري أمامهم في رياض الجنة، أنهار من ماء غير آسن .. وأنهار من لبن لم يتغير طعمه .. وأنهار من خمر لذة للشاربين .. وأنهار من عسل مصفى .. وروائح طيبة .. ومساكن مزخرفة .. وأصوات شجية تأخذ القلوب والألباب .. وأمن ونعيم وخلد.
وفوق ذلك كله التمتع بالنظر إلى وجه الرب الرحيم، وسماع كلامه، والحظوة بقربه، والسعادة برضاه.
هذا كله كان على ربك وعداً مسئولاً:
يسأله إياه عباده المؤمنون، ويسأله لهم ملائكته، والجنة تسأل ربها أهلها، وأهلها يسألونه إياها، والملائكة تسألها لهم، والرسل يسألونه إياها لهم ولأتباعهم.
ويوم القيامة يقيمهم سبحانه بين يديه، يشفعون فيها لعباده المؤمنين، ويسألونه أن يدخلهم إياها، ويأذن لهم بالتمتع بما فيها من النعيم.
وحينذاك يتفضل الرب بإجابة تلك السؤالات، ويأذن لهم بدخولها، ويقال لهم:{ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)} [ق: 34، 35].
ويقال لهم كذلك: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72)} [الزخرف: 70 - 72].
وفي هذا من تمام ملكه، وإظهار رحمته وإحسانه وجوده وكرمه، وإعطائه ما سئل، ما هو من لوازم أسمائه وصفاته، فهو الكريم المحسن إلى عباده، ذو الفضل العظيم والخير العميم.
فلا إله إلا الله .. أي جناية جنت العقول الفاسدة على الناس؟
وأي جريمة أوقعتها بالبشرية حين منعتهم من الإيمان؟.
وأي ظلم ظلمته البشرية حين حالت بين القلوب وبين معرفة ربها بأسمائه وصفاته وأفعاله، وحرفتهم عن عبادة الله، وحرمتهم من الوصول إلى الجنة دار رضاه.
فلله ما أشد جرم هؤلاء، وما أعظم خطرهم على البشرية، وما أشد عقوبتهم يوم القيامة:{الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88)} [النحل: 88].
فسبحان العليم الحليم الكريم .. وسبحان من له الملك والحمد كله، فهو
المحمود في ذاته، وهو الذي يجعل من يشاء من عباده محموداً، فيهبه حمداً من عنده.
وقد أنزل الله هذا القرآن العظيم لا ليقرر عقيدة فحسب، ولا ليشرع شريعة فحسب، ولكن كذلك ليربي أمة على أجمل الصفات وأحسنها.
فالله هو الذي أنزل الشريعة، وهو الذي يعلم حاجة العباد، فمن الأدب أن يترك العبيد لربهم تفصيل الشريعة وبيانها، وأن يتركوا له كذلك كشف هذا الغيب أو ستره، وأن يقفوا في هذه الأمور عند الحدود التي أرادها الله ولا يشددوا على أنفسهم بتكلف ما لا يعينهم، ولا يجرون وراء الغيب يحاولون الكشف عما لم يكشف الله لهم منه وما هم ببالغيه.
والله أعلم بطاقة البشر واحتمالهم، فيشرع لهم في حدود طاقتهم، ويكشف لهم من الغيب ما تدركه طبيعتهم.
وقد نهى الله المؤمنين عن أن يسألوا أشياء يسوؤهم الكشف عنها فقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101)} [المائدة: 101].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أنْبِيَائِهِمْ» متفق عليه (1).
فالمعرفة في الإسلام تطلب لمواجهة حاجة واقعية في حياة البشرية، والأحكام الشرعية تطلب ويسأل عنها عند وقوع الأقضية التي تتطلب هذه الأحكام.
وفي طوال العهد المكي لم ينزل حكم شرعي تنفيذي، وإنما تنزلت الأوامر والنواهي عن أشياء وأعمال، ولكن الأحكام العملية كالعبادات والمعاملات لم تنزل إلا بعد أن امتلأت القلوب بالإيمان، وجاء عند المسلمين الاستعداد لقبولها والعمل بها بعد الهجرة إلى المدينة.
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (7288)، ومسلم برقم (1337) واللفظ له.
وكذلك الأحكام التنفيذية كالحدود والتعازير والكفارات لم تنزل إلا بعد قيام الخلافة في الأرض، التي تتولى تنفيذ هذه الأحكام بعد الهجرة إلى المدينة.
وجميع الأنبياء والرسل قدموا الشكوى إلى الله وحده، فنوح توجه إلى ربه يشكو إليه قومه:{فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13)} [القمر: 10 - 13].
فأنجاه الله ومن آمن معه، وأغرق من كفر به.
وقال يعقوب صلى الله عليه وسلم: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)} [يوسف: 86].
ويونس نادى ربه فأنجاه: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)} [الأنبياء: 87].
والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ودعا ربه كما دعا في بدر فنزل النصر، وكما استسقى في المدينة فنزل الغيث .. وهكذا.
فهل يليق بالعاقل إذا أصابته مصيبة وأراد حلها أن يذهب للمخلوق الصغير الفقير الذي ليس بيده شيء، ويترك الخالق الغني الكبير الذي بيده خزائن كل شيء، وهذا المخلوق المسؤول من حاكم أو وزير أو تاجر ذرة من خزائنه:{وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11].
فسبحان الملك العزيز الجبار الغني الكريم، الذي فتح أبوابه للسائلين، وملأ خزائنه للعالمين، وهي مع جزيل العطاء لا تنقص إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر كما قال سبحانه:{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)} [الحجر: 21].
وقال الله عز وجل في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَألُونِي، فَأعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْألَتَهُ،
مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي! إِنَّمَا هِيَ أعْمَالُكُمْ أحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَه» أخرجه مسلم (1).
وسبحان الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي أحاط بكل شيء علماً، ووسع كل شيء رحمة وعلماً، الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وما في قعر البحر.
ويعلم منبت كل شعرة وحبة وشجرة، وكل زرع ونبات وثمرة، ويعلم كل ذرة وخردلة وورقة، وعدد كل كلمة ونفس، ويعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار.
ويعلم ما في القلوب وما في الصدور، والسر والجهر، ويعلم أعمال العباد وحاجاتهم وآثارهم وكلامهم وأنفاسهم، لا يخفى عليه شيء من ذلك:{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)} [الأنعام: 59].
فتبارك الرب العظيم، الواسع العليم، الغني الحميد المجيد.
فهل يليق بالإنسان فضلاً عن العاقل، فضلاً عن المسلم أن يسأل غير الله الغني الحميد، ويقف بباب المخلوق العاجز الهزيل الضعيف؟.
فما أجهل وما أسفه من أعرض عن العلي العظيم، الغني الكريم، وتعلق وتضرع أمام العاجز الفقير:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38)} [الزمر: 38].
(1) أخرجه مسلم برقم (2577).
إن كل من سأل أو دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك ظالم ضال، والعيان يصدق هذا، فإن المخلوقين إذا اشتكى إليهم الإنسان فضررهم أقرب من نفعهم؛ لما فيهم من الظلم والجهل والحسد.
فما أضل من يترك سؤال ربه ويدعو سواه: {يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13)} [الحج: 12، 13].
والخالق جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا إله غيره إذا اشتكى إليه أحد، أو أنزل حاجته به، أو استغفره من ذنوبه، أيده وقواه وهداه، وأعطاه وأغناه، ويسد فاقته وحاجته:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)} [البقرة: 186].
فهو سبحانه وحده الذي يجيب المضطر الذي أقلقه الكرب، وتعسر عليه المطلوب، واضطر للخلاص مما هو فيه.
وهو سبحانه الذي يكشف السوء من شر وبلاء وفتنة ومصيبة، وهو الذي خلق الخلق، ومكنهم في الأرض، وأمرهم بالرزق:{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62)} [النمل: 62].
أفلا يستحي الإنسان أن يسأل غير الله، والله قد أمره بسؤاله، وتكفل بإجابة دعائه كما قال سبحانه:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)} [غافر: 60].
والمخلوق إذا أنزل العبد به حاجته استرذله وازدراه، ثم أعرض عنه ونساه -وإن قضى له بعض حاجته- فخسر الدنيا والآخرة.
فما أعجب حال هؤلاء، وما أضل عملهم وسعيهم، وما أشد خسارتهم:{فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)} [الشعراء: 213].
فالله وحده هو الغني الحميد، وسؤال المخلوق للمخلوق هو سؤال الفقير
للفقير، وتعلق الغريق بالغريق، والرب سبحانه كلما سألته كرمت عليه، ورضي عنك وأحبك.
والمخلوق كلما سألته هنت عليه، وأبغضك ومقتك وقلاك، وقبيح بالعبد الذي كفاه سيده أن يتعرض لسؤال العبيد، وهو يجد عند مولاه كل ما يريد:{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)} [آل عمران: 189].
وسؤال الناس ما في أيديهم محظور في الأصل، ولا يباح إلا لضرورة كإباحة الميتة للمضطر.
فإن سأل الناس تكثراً فإنما يسألهم جمراً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَألَ النَّاسَ أمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْألُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أوْ لِيَسْتَكْثِرْ» أخرجه مسلم (2).
وقد أمر الله عز وجل بسؤاله ودعائه والاستعانة به، والتوسل إليه.
والتوسل إلى الله أنواع:
أحدها: التوسل بنعم الله تعالى على العبد كما قال يوسف صلى الله عليه وسلم: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)} [يوسف: 101].
الثاني: التوسل إليه سبحانه بذكر أسمائه وصفاته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا أَللهُ بِأَنَّكَ الْوَاحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ
(1) أخرجه مسلم برقم (1044).
(2)
أخرجه مسلم برقم (1041).
كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» أخرجه أبو داود والنسائي (1).
الثالث: التوسل بإقرار العبد بظلمه وعصيانه لربه، فهذا توسل بأحسن وسيلة، ويرجى له إجابة دعائه كما قال آدم وزوجه:{قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)}
…
[الأعراف: 23].
الرابع: التوسل بعرض فقره، وحاجته إلى ربه كما قال موسى صلى الله عليه وسلم:{رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)} [القصص: 24].
والدعاء سلاح المؤمن يستخدم وقت الحاجة كالبطاقة.
فإبراهيم صلى الله عليه وسلم دعا حين ألقي في النار فأنجاه الله.
ويونس صلى الله عليه وسلم دعا ربه في بطن الحوت فأنجاه الله.
وأيوب صلى الله عليه وسلم دعا ربه حين مسه الضر فكشف الله ضره.
والله عز وجل أعطانا الإيمان نستفيد منه في الدنيا في قضاء الحاجات، والدعاء في الأصل ينبغي أن يكون لقضاء الحاجات الدنيوية والأخروية، وكل حاكم عنده سلاح مادي، ولكنه يتوقف أمام دعوة الأنبياء؛ لأنه مخلوق مع مخلوق عاجز، والداعي معه قدرة الله عز وجل، ومعيته التي تغنيه عما سواه.
ومقصد المسلم العبادة والدعوة، وهي تزيد بالجهد والعمل كالتجارة تزيد بالجهد والعمل، وحاجات الإنسان لا تزيد الأكل هو الأكل، والشرب هو الشرب، وبجهد الدعوة والدعاء تحصل الهداية ومعية الله.
وإذا كان عندنا ألفاظ الدعاء لا حقيقة الدعاء، وصورة العمل لا حقيقة العمل فالله لا يجيب دعاءنا، ونحن الآن بدل أن ندعو للكفار بالهداية ندعو عليهم بالهلاك، فتنزل العقوبة بنا؛ لأننا ظالمون بعدم إيصال الحق إليهم، الذي هو حق لهم، ولو بلغهم لأسلموا وعبدوا ربهم، وصاروا مسلمين بعد أن كانوا كافرين، وجزاء الظالم اللعنة والعقوبة في الدنيا والآخرة.
(1) صحيح: أخرجه أبو داود برقم (985)، صحيح سنن أبي داود رقم (869).
وأخرجه النسائي برقم (1301)، وهذا لفظه، صحيح سنن النسائي رقم (1231).
ودعاء المسلم ينقسم إلى قسمين:
الأول: دعاء العبادة، وذلك بأن تعبد الله بما تقتضيه أسماؤه وصفاته، فالرحيم مثلاً يدل على الرحمة، وحينئذ تتطلع إلى أسباب الرحمة وتفعلها.
والغفور يدل على المغفرة، وحينئذ تتعرض لمغفرة الله بالتوبة والاستغفار.
والقريب يدل على القرب، وذلك يقتضي أن تتعرض للقرب منه في الصلاة وغيرها.
والسميع يدل على السمع، وذلك يقتضي أن تعبد الله بمقتضى السمع، فلا تُسمع الله قولاً يغضبه ولا يرضاه منك .. وهكذا في بقية الأسماء.
الثاني: دعاء المسألة، وهو أن تقدم أسماء الله عز وجل بين يدي سؤالك متوسلاً بها إلى الله عز وجل، كأن تقول: يا رحمن ارحمني .. ويا رزاق ارزقني، ويا غفار اغفر لي .. وهكذا.
وفي هذا ثناء على الله، والتوسل بصفة المدعو سبب للإجابة.
هذا كله فيما يسأله العبد، أما ما يسأل عنه العبد، فالله عز وجل جواد كريم، رحيم بالعباد، أنعم على العباد بنعم لا تعد ولا تحصى، وأعظم هذه النعم هذا الدين الذي يسعدون به في الدنيا والآخرة، وسوف يسألهم الله عنه مَنْ قَبِله؟، ومن أعرض عنه؟.
ومن رحمته سبحانه بعباده أنه لم يجعل هذه الأسئلة مبهمة غير معلومة، بل بينها لنا في الدنيا لنجتهد ونعمل حتى نستطيع الإجابة عليها في مواطنها.
وهذه الأسئلة للعبد وردت في القرآن والسنة:
فيسأل العبد عن جوارحه كما قال سبحانه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)} [الإسراء: 36].
ويسأل عن النعيم الذي تنعم به كما قال سبحانه: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)} [التكاثر: 8].
ويسأل في قبره: من ربك؟ .. من نبيك؟ .. ما دينك؟.
ويسأل يوم القيامة عن أربع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاه» أخرجه الترمذي والدارمي (1).
ويسأل العبد من كان يعبد كما قال سبحانه: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93)} [الشعراء: 91 - 93].
ويسأل عن العبادة كما قال سبحانه: {مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65)} [القصص: 65].
ويسأل الرسول والمرسل إليهم ماذا عملوا كما قال سبحانه: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)} [الأعراف: 6].
فيجب على المسلم أن يحاسب نفسه في الدنيا قبل أن يناقش الحساب في الآخرة كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)} [الحشر: 18].
والمسلم إذا أراد من ربه شيئاً فلا بدَّ له من أمرين:
الأول: فعل السبب المأمور به شرعاً، فمن أراد الولد تزوج، ومن أراد الحب زرع، ومن أراد الهداية فعل أسبابها.
الثاني: التوجه إلى الخالق بالدعاء لحصول ما يريد، وعدم الالتفات إلى المخلوق.
فإن حصل المطلوب وإلا أكثرنا من البكاء والدعاء والصلاة والصيام والصدقة: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)} [غافر: 60].
والسؤال نوعان:
سؤال محمود .. وسؤال مذموم.
فالمحمود: هو سؤال الاسترشاد والتعليم، فهذا محمود قد أمر الله به كما قال
(1) صحيح: أخرجه الترمذي برقم (2417)، وهذا لفظه، صحيح سنن الترمذي رقم (1970).
وأخرجه الدارمي برقم (543)، انظر السلسلة الصحيحة رقم (946).
سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)} [الأنبياء: 7].
والمذموم: هو سؤال التعنت والاعتراض، فهذا مذموم قد نهى الله عنه كما قال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101)} [المائدة: 101].
والأسئلة متفاوتة بحسب نية صاحبها، وقد تصل به إلى الكفر كما قال سبحانه:{أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)} [البقرة: 108].
وجميع الخلق يسألون الله مطالبهم، ويستدفعونه ما يضرهم، ولكن مقاصدهم تختلف:
فمنهم من يسأله من مطالب الدنيا ما هو من شهواته، وليس له في الآخرة من نصيب؛ لرغبته عنها، وقصر همته على الدنيا.
ومنهم من يدعو الله ويسأله لمصلحة الدارين كما قال سبحانه: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)} [البقرة: 200 - 202].
وكل من هؤلاء وهؤلاء لهم نصيب من كسبهم وعملهم، وسيجازيهم الله حسب نياتهم وأعمالهم جزاءً دائراً بين العدل والإحسان، يحمد عليه أكمل حمد وأتمه.
وإجابة الله عز وجل دعاء من دعاه ليست دليلاً على محبته له ورضاه عنه إلا في مهمات الدين، ومطالب الآخرة.
والحسنة المطلوبة في الدنيا يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد من رزق هني واسع حلال، وزوجة صالحة، وولد تقر به العين، وراحة، وعلم نافع، وعمل صالح، ونحو ذلك من المطالب المشروعة والمحبوبة والمباحة.
وحسنة الآخرة هي السلامة من العقوبات في القبر والموقف والنار، وحصول رضا الله، والفوز بالجنة، والقرب من الرحمن ورؤيته.
وهذا الدعاء أجمع الدعاء وأكمله، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء به والحث عليه بقوله:«اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» متفق عليه (1).
وكل مطلوب للعبد يسأل بالمناسب له من أسماء الله وصفاته، فالعلم يسأل من العليم، والرزق من الرزاق، والعفو من العفو وهكذا.
ومن علم عبوديات الأسماء الحسنى والدعاء بها، وسر ارتباطها بالخلق والأمر، وبمطالب العبد وحاجاته عرف ذلك:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)} [الأعراف: 180].
وذِكرُ الله عز وجل جلاء القلوب وصقالها، ودواؤها إذا اعتلت، وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عباده، ما لم يغلقه العبد بغفلته.
ودوام ذكر العبد لربه لما كان سبباً لدوام المحبة، وكان الله أحق بكمال الحب والعبودية والتعظيم والإجلال كان كثرة ذكر الله من أنفع ما للعبد، وكان عدوه حقاً هو الصاد له عن ذكر ربه وعبادته، ولهذا أمر الله سبحانه بكثرة ذكره في القرآن كما قال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42)} [الأحزاب: 41،42].
وكان النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق ذكراً لله عز وجل، فكان يذكر الله على كل أحيانه، بل كان كلامه كله في ذكر الله وما والاه، وكان أمره ونهيه ذكراً منه لله، وإخباره عن أسماء ربه وصفاته وأحكامه، وأفعاله، ووعده ووعيده ذكراً منه لربه، وثناؤه عليه بآلائه وتمجيده وحمده وتسبيحه ذكراً منه له، وسؤاله ودعاؤه إياه، ورغبته ورهبته ذكراً منه له، وسكوته وصمته ذكراً منه له بقلبه.
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (6389)، ومسلم برقم (2688).
وكان ذكر ربه يجري مع أنفاسه:
قائماً وقاعداً .. وفي مشيه وركوبه .. وفي إقامته وسفره .. وعند نومه واستيقاظه .. وفي حال صحته ومرضه.
ومن أفضل ذكره سبحانه ذكره بكلامه كما قال سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)} [الرعد: 28].
والله سبحانه رقيب على العباد، ناظر إليهم، سميع لأقوالهم، مطلع على أعمالهم في كل لحظة كما قال سبحانه:{وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (52)} [الأحزاب: 52].
ومن راقب الله في خواطره، عصمه الله في حركات جوارحه وعلامة المراقبة:
إيثار ما أنزل الله .. وتعظيم ما عظم الله .. وتصغير ما صغر الله.
ولا بدَّ لكل إنسان من معرفتين:
أحدهما: معرفة العبد بربه .. والثانية معرفة العبد بنفسه.
فمن حصلت له هاتان المعرفتان كان أعظم الناس ذكراً لربه، ومحبة له، وإجلالاً له، وحمداً له.
والناس متفاوتون في هاتين المعرفتين:
فمن عرف ربه بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق .. ومن عرف ربه بالعلم التام عرف نفسه بالجهل .. ومن عرف ربه بالقدرة التامة عرف نفسه بالعجز التام .. ومن عرف ربه بالعز التام عرف نفسه بالمسكنة التامة.
وحقيقة العبد قلبه وروحه، ولا صلاح له إلا بإلهه الحق الذي لا إله إلا هو، فلا يطمئن إلا بذكره، ولا يسكن إلا بمعرفته وحبه، في كل وقت، وفي كل حال.
فالإيمان بالله ومحبته وعبادته وإجلاله وذكره، هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه، وحمده وشكره ومعرفته وتوحيده قرة عين الإنسان.
والدعاء مشروع أن يدعو الأعلى للأدنى، والأدنى للأعلى.
فالأول كما كان المسلمون يستشفعون بالنبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء ويطلبون منه
الدعاء، فدعا لهم وأنزل الله الغيث.
والناس يوم القيامة يطلبون الشفاعة من الأنبياء لفصل القضاء.
وقال نوح صلى الله عليه وسلم: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28)} [نوح: 28].
والثاني كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِي الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأرْجُو أنْ أكُونَ أنَا هُوَ، فَمَنْ سَألَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ» أخرجه مسلم (1).
فالنبي صلى الله عليه وسلم قد طلب من أمته أن يدعوا له كما أمرهم بسائر الطاعات التي يثابون عليها.
فالدعاء للغير ينتفع به الداعي، والمدعو له، وإن كان الداعي دون المدعو له، فدعاء المؤمن لأخيه ينتفع به الداعي والمدعو له، وهو من التعاون على البر والتقوى، فيثاب المأمور على فعله، ويثاب الآمر مثل ثواب الداعي لكونه آمره به كما قال صلى الله عليه وسلم:«دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لأخِيهِ، بِظَهْرِ الْغَيْبِ، مُسْتَجَابَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لأخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ. وَلَكَ بِمِثْلٍ» أخرجه مسلم (2).
وقد أمر الله عز وجل عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالدعاء والاستغفار له ولأمته كما قال سبحانه: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)} [محمد: 19].
(1) أخرجه مسلم برقم (384).
(2)
أخرجه مسلم برقم (2733).